سنة أولى زواج.. ماذا بعد؟!

إن كل الحقائق التي نكتشفها عن الزواج نتعلمها عندما نعيش داخل بيت الزوجية، عندما ينتهي شهر العسل وتدق طبول مسيرة طويلة من الصبر والكفاح اليومي بعيدا شيئا ما عن كل الأشياء التي تخيلناها من قبل بلون زهري، يخيل لنا أن الزواج هو تلك اليد الخفية التي ستنتشلنا من الحزن والوحدة والفشل وتجعل منا أشخاصا أفضل دون أن نفعل شيئا، فقط لأننا حققنا مالم يحققه "العزاب الذين نعتقد أنهم تعساء"، تزوجنا في حين أنهم لا يزالون في الضفة المقابلة بعدما أقلعت باخرة المتزوجين ولم تقلهم على متنها.

يمضي الزمن، ويظل الطرفان يشاهدان بعضهما البعض، كل على ضفته. تمر فترة لا بأس بها فيخرج المتزوج من قصره العاجي وينظر بحسد إلى أولئك العزاب الذين حالفهم الحظ ولم يقعوا في فخ الزواج، ما زالوا ينعمون بحرية التنقل والعيش والسفر وكل شيء دون أن يضيق عليهم الخناق زوج ولا زوجة بعيدا عن النكد الذي يقتل القلب، بينما يرى في نفس الوقت العزاب نفسهم أن المتزوجين هم الأوفر حظا لأنهم يعيشون في بيت دافىء ويتناولون طعاما صحيا ويلبسون ملابس لا يضطرون لغسلها وكيها ويعيشون مع شخص يوفر لهم كل شيء. 

نسمع الكثير من القصص عن الزواج، سواء تلك التي نعايشها في أوساطنا لأصدقاء ومقربين أو تلك التي حكت عنها الأمهات والجدات والأهل وغيرهم. لكن الذي سمع ليس كمن عاش ومن رأى؛ السامع ينصت لطرف واحد يحكي بطريقة غير موضوعية ولو حاول أن يكون موضوعيا، بينما الذي يعيش هو الوحيد القادر على استيعاب الوضعية وإصدار حكم وآراء تخصه، فالبيوت أسرار لا يعرفها إلا من يقطن داخلها.

رابط مقدس يجمع ذكرا وأنثى يبدآن حياتهما معا، يتعودان على بعضهما البعض ويصبران على كثير من الأشياء المزعجة من أجل أن تستمر الحياة. وحتى إن كان مصير هذا الزواج الطلاق فهذا لا يعني مطلقا أن أحد الطرفين يشكل قطب الشر عديم الأخلاق الذي يجب على الكل مقاطعته، بل يمكن أن يكون الطرفان على قدر عال من الوعي والأخلاق، لكن الطباع اختلفت والأرواح تنافرت واستحال التعايش بينهما. 

لو اخترنا عبثا تاريخا من سنة ما وبحثنا عن عدد من الأزواج الذين احتفلوا بيوم زفافهم في نفس اليوم، فمن المحتمل جدا أن نجد بينهم زوجين يعيشان الحب والاحترام رغم مرور السنين ورغم كل شيء، وآخرين لم يكملا سنة زوجا ولجآ إلى الطلاق بعدما عاشا سنوات من الحب قبل الزواج، وآخرين يتسم أحدهما بالبرود واللامبالاة بينما يعاني الطرف الآخر في صمت لأنه يخاف من الطلاق، ويصبر من أجل الأولاد لأنه يعتقد أن برود الطرف الآخر أرحم من مجتمع لا يرحم.

هناك من يقول إن السنة الأولى من الزواج هي المرحلة المفصلية والمحددة لمنحى هذه العلاقة المقدسة، لكن العلاقات بين البشر هي آخر شيء يمكن أن نطبق عليه قواعد ونظريات جاهزة، فكم من علاقة اتخذت منحى آخر بعد انصرام السنة الأولى، وكم غير الزمن من أشخاص ظن الجميع أنهم لن يتغيروا يوما. 

لكن السنة الأولى تمتلك من الخصوصية الكثير لأنها تعتبر سنة التعارف وفهم الأبجديات: ذلك الغريب الذي صار زوجي، أو تلك التي كانت يوما غريبة فصارت زوجتي وأم أطفالي المستقبليين بحكم من القدر الذي جمعنا في مكان لم نتخيل أننا سنجتمع فيه. تعتبر السنة الأولى كأول سنة يرتاد فيها الطفل الحضانة أو المدرسة، يتعرف على قاموس مصطلحات جديد وقوانين جديدة وأشخاص جدد، يتعلم معنى الواجب والحقوق وينصهر مع منظومة قائمة بذاتها. يصير ملزما بالتوقيت والواجبات والكثير من الأشياء بعدما كان حرا طليقا لا يزعجه أحد.

يعتبر التعرف على الطرف الآخر وفهمه الرهان الأكبر في الزواج خلال السنة الأولى؛ فمهما دام التعارف قبل الزواج، تأتي الحياة الزوجية لتكشف القناع عن شخص آخر ذي طباع مختلفة عما عهده الطرف الآخر، ليست بالضرورة طباعا سيئة لكنها ربما غير متوقعة، فتبدأ مسيرة المقاومة ومحاولة التغيير بشتى الطرق ليبدأ بعدها التطبيع مع تصرفات كان أحدهما لا يطيقها في حقبة ما قبل الزواج. يفهم الطرفان مع مرور الأيام والمواقف أنهما ليسا مركز الكون، وأن التفاهم والتنازل أحيانا شرطان لا مناص منهما ليسير القارب بسلام، بعيدا عن الزوابع والرياح وكل تلك العراقيل غير المتوقعة التي من الممكن أن تقلب أسفله تحت وتودي بحياة من يركبه. سئلت جدة في خريف العمر عن الشيء الذي جعل زواجها يدوم بكل الحب والود الممكن لعقود طويلة، فأجابت أن الأزواج في أيامها كانوا يحاولون إصلاح كل شيء انكسر أو فسد، بينما ينهي هذا الجيل بكل سهولة العلاقة عند أول حجر عرقل المسيرة.

انتشرت في بعض الدول كماليزيا مثلا دورات تدريبية للمقبلين على الزواج، تعنى بالتقليل من نسب الطلاق التي استفحلت في العقود الأخيرة، مبادرة كان لها الأثر الكبير على شريحة كبيرة من الأزواج، وذلك بفضل إخضاعهم لاختبارات واقعية تكشف لهم الوجه الحقيقي للزواج كالمسؤولية والتضحية والمثابرة والعزيمة وغيرها. 

إن المشكل الحقيقي الذي يعاني منه الأزواج هو طريقة تصورهم للزواج، ثم تأتي مشاكل أخرى أقل أهمية. فنحن لا نتزوج لكي ننسى شيئا مؤلما أو لكي نهرب من الماضي الذي جرحنا.. أو لكي ننسى حبا قديما خذلنا.. أو لكي نهرب من واقع معين (أب عنيف أو أم غير مبالية).. لا نتزوج طمعا في الاغتناء بمال وجاه الطرف الآخر.. علينا أن نستوعب أننا لا نتزوج من أجل إسكات العمات والخالات والجدات وكل من يعتقد أن أهم شيء في الكون هو الهرب من العنوسة.

لا نتزوج من أجل أن نملأ فراغا بما يناسب أو بِما لا يناسب، ولا من أجل أن يرضى علينا المجتمع. لا مطلقا. نتزوج كي تلتحم الأرواح، كي تكتمل البهجة، كي نشق الطريق إلى شيء جميل مقدس رغم تقلبات الحياة التي لا مفر منها، كي نصبح أشخاصا أفضل مما كنا في السنوات الماضية، كي ننصهر في بعضنا ونحس بكل شيء يحسه شريك الحياة سواء كان فرحا أو ترحا، كي ننضج عاطفيا وفكريا ونبني بيتا وأسرة تبني بدورها مجتمعا متكامل الأركان. 

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

طوبى لمن ظل مركب زواجه صامدا

أحببت مقالك

مقالك ضرب في الصميم، ولكنه ومع الأسف لا يعبر عن ما يظنه الرجل والمرأة في الزواج، المفهوم الخاطئ الذي تشكل في عقولهم ليس من السهل أن يمحى بسهولة، ومهما كانت تفكير الفتاة السوي لمعنى الزواج إلا أن العائلة تراه غير ذلك، ولا يمكن أن نقول لها لا تتزوجي فقط لتملأي الفراغ أو من أجل فقط أن يرضى عليك المجتمع وهي دائما يتردد عليها أقوال إبنة خالتك تزوجت وإبنت الجيران إنخطبت وأنت متى، والبعض قد يتمادون حتى في وصف أنها لابد أن تلحق باقلطار وإلا قد فاتها ألأمر وتصبح عانس، لذلك الوعي بمعنى الزواج لا توقف على الرجل أو المرأة فقط وإنما أيضا على المجتمع ككل الذي لابد أن يغير طريقة تفكيره وما نوعية الكلمات التي يتلفظ بها.

Hadjer_azzougui أضف ردا

شعرت كأن أفكارك تترجم ما يدور في رأسي حول هذا الموضوع، لم أتزوج بعد... لكن لطالما كانت نظرتي مختلفة للزواج مقارنة بأشخاص من نفس عمري، ليس لأني أفضل منهم ولا أسوء، لكنني واقعية بطريقة تجعلني أقف مندهشة امام أحلامهم البراقة التي أشعر انها بعيدة جدا عن الحقيقة.

أغلب أحلامهم تتسم بالسطحية والمثالية، أجد من الطبيعي جدا ما تكلمت عنه في مقالك، فقط لدي إنتقاد صغير وهو أنني شعرت أن خلفيتك سلبية اكثر من اللازم في هذا الموضوع، فمع الواقعية وموافقتك في قولك، ومع العيوب والجوانب السلبية سيكون فيه الكثير من الأمور الإيجابية، بل وأحيانا وهذه سمعتها شخصيا من طرف أشخاص كانوا يعتقدون الصعوبات الكثيرة ولكنهم تفاجؤوا بسهولة الطرف الآخر وتفهمه وقابليته للنقاش والمشاركة وتشجيعه لهم ولأحلامهم فسهلت حياتهم، هذا جميل...

أعتقد أنه مهما حصل فأهم نقطة هي النقاش بين الطرفين وتبسيط الأمور مهما حصل.

آخر فقرة من كلامك بخصوص دوافع الزواج أعجبتني جدا.

مقالك تحفة، عالج الكثير من النقاط التي يعاني منها الفرد اليوم، سواء ذكر أو أنثى...

مع الأسف، نحن اليوم تعرّضنا لتشويهٍ في المفاهيم بشكل عام و الزواج بشكل خاص، بسبب ما تعرّضنا له من أفلام، أغاني، و حتى أفلام الأنمي...، يعني منذ طفولتنا و نحن نخزّن مفاهيم لاتمت للواقع بصلة، و لو سألنا أي متزوج سيقول لنا الواقع مختلف...

و بسبب هذه المفاهيم الكثيرون انصدموا في أول سنة زواج، و تحطمت أحلامهم الوردية في زوج أو زوجة ستغير الحياة بشكل كلي، الكثيرين يظنون أن الزواج عصا سحرية تنقلك من جحيم العنوسة و كلام الناس، إلى فردوس الحب و الأنس، صحيح أنني لم أجرب الزواج بعد لكنني رأيت من حولي الكثير من النماذج اليائسة التي أصبحت تنصح بعدم الزواج، بسبب الخذلان و الصدمة التي تعرضوا لها، أما بخصوص التوعية و دورات التأهيل قبل الزواج فنحن بحاجة نصائح من نماذج حية، من أزواج يقيمون الدورة معا، لنعيد ثقة الشباب في هذه الرابطة المقدسة و الميثاق الغليظ، لقد شاهدت مؤخرا للدكتورة لينة الحمصي برنامجا تقدمه مع زوجها بعد تجربة زواج ناجحة دامت 22 سنة، هكذا فقط نغير الأفكار الخاطئة و نصحح المفاهيم، ونعيد للزواج مكانته الحقيقية.

. نتزوج كي تلتحم الأرواح، كي تكتمل البهجة، كي نشق الطريق إلى شيء جميل مقدس رغم تقلبات الحياة التي لا مفر منها، كي نصبح أشخاصا أفضل مما كنا في السنوات الماضية، كي ننصهر في بعضنا ونحس بكل شيء يحسه شريك الحياة سواء كان فرحا أو ترحا، كي ننضج عاطفيا وفكريا ونبني بيتا وأسرة تبني بدورها مجتمعا متكامل الأركان.

نتزوج لنصبح أفضل، ليس لأن الطرف الآخر مصباح علاء الدين، و إنما نتطور و نتغير و ننضج و نكبر معا، و لنا في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، و صحابته نماذج راقية لنقتدي بها.

سلام عليكم اختي؛

أرجو أن تكوني بخير و في أتم الصحة و العافية، و راحة البال و اطمئنان الحال...

كنت من قبل مجرد قارئ عابر السبيل، إلى أن استوقفني يوما مقالك ماذا لو، جنازة رجل، بعدها ادمنت منشوراتك إلى آخر مقال تحت عنوان سنة اولى زواج.. ماذا بعد؟

لا اخفي عليك اختي الكريمة و اديبتنا الموقرة مدى إعجابي بأسلوبك الفصيح السلس، البليغة عباراته، و البعيدة المدى ايحاءاته...

ولا ابالغ في القول انك تملكين موهبة فذة في توصيف اختلاجات النفس و داخل الروح و أعماق المشاعر؛ حتى انها لتبدو كصورة مجسمة لما تجيش به النفس من لواعج و اشجان عميقة، و ما يداريه القلب من جروح و آلام ...

فتحية تقدير و احترام لك اديبتنا الشابة الشاعرية، مع خالص دعواتي لك بموفور السعادة و سابغ النعم

مرحباً عزيزتي خديجة،

إن الزواج هو سنة الحياة، ولكن يجب على كل فرد أن يتزوج لأنه مقتنع بالشخص الآخر وبأفكاره وبعاداته وبتقاليده. لا يعني بالضرورة أن يصبح مثله، ولكن يحترم الاختلاف الذي بينهما. كذلك، من يتزوج بشخص بسبب جماله فقط سواء ذكر أو أنثى، بغض النظر عن الجمال الداخلي ، سينبهر في البداية بالجمال ومن ثم تطوق روحه إلى شخص يتآلف معه.

برأيي أن من أشد أسباب عدم التفاهم في السنة الأولى للزواج هو محاولة كل طرف فرض سيطرته على الآخر. فترى كل منهما متمسكاً برأيه ويعاند الآخر الأمر الذي ينعكس سلبياً على العلاقة. لذلك، لابد أن يتفهم كل فرد الآخر ويستمع له خاصة في حالة النزاع، وبعدما يهدى الطرفين، بإمكانهما النقاش بود ورفق بعيداً عن العصبية.

على كل حال من لم يسعفه الحظ بالزواج رجل كان و إمرأة و صبر و مات ... !!! له أن يختار شريك حياته في الجنة كما يشأء حتى صحابي ...! و أما المرأة فليس صحابي بل حتى نبي من أنبياء الله ... فقط تخيلي ...! نهيك عن الأجر العظيم ... و كما قالت الأخت حتى المجتمع يؤثر على فكرة الزواج أو حتى على الزوجين ... يمكن حتى يتسبب في طلاقهما ... لكن أول شيء الزواج يجب أن يتم على قناعة و ليس حب و أحسن أختيار هو الشخص المتدين و الصالح لأنه حتى لو كره الطرف الثاني لن يظلمه ...

و من أهم أسباب الطلاق ما ذكرتيه سابقا ... أي التخيل و المثالية ...الخ ... و خاصة الحب المزيف على مواقع التواصل قبل الزواج ... لينصدما كلا الطرفين بحقيقة بعضهما البعض سلبية كانت و إجابية ...و غالبا لا أحد يتكلم عن سلبياته المنزلية أو الواقعية .... على مواقع التواصل ... و لا تنسي الشيطان الذي يحبب و يزين العلاقات الغير الشريعة على عكس الزواج تكثر المشاكل و الفتن أو حتى السحر ... لأنه أحيانا أو غالبا نفتن أو نتوهم أو نتخوف من أشياء فيها خير عظيم لنا و نحن لا نرى فيها إلا السلبيات ... التي لا تقارن مع الإجابيات ! ، فقط لعدم تحصننا بالدين و العلم و عدم إدراكنا لفن التعامل مع الطرف الآخر ...