الكاتب يقود ولا يَتبع!

من الممكن نظريًا أن يكون هناك فنانين قد عاشوا كل حياتهم وهم غير مبالين باحتمالية وجود جمهور، وكأن فنهم ملك لهم فقط. ويشهد التاريخ الأدبي على وجود فنانين مشهورين كانوا على وشك السقوط في هاوية النسيان بسبب أنهم لم يريدوا أن يُعرفوا أو يطلع أي أحد على أعمالهم. فمثلًا «كافكا» أمر في وصيته بحرق كل أعماله ومخطوطاته، وأيضًا تركت «إيميلي ديكنسون» مئات القصائد في خزانة سرية لم يتم اكتشافها إلا بعد موتها.

ولكن حتى «كافكا» و«ديكنسون» تركوا ما يكفي من علامات الوجود الأدبي للعالم الخارجي مما جعل من أمر اكتشافهم بعد موتهم ممكنًا، بل وربما لا مفر منه. وقد يرى البعض أن هذه الأفعال تدل على التواضع مقارنة مع الترويج الذاتي الصارخ للعديد من الفنانين، ولكن يمكن اعتبارها أيضًا شكلًا من أشكال الإغواء، وكأن هؤلاء الكُتاب قد لعبوا الغميضة مع الأجيال المستقبلية، وأعتقد أنهم كانوا سيشعرون بالفزع لو تغير الوضع، وعملت حيّلهم بشكل جيد ولم يقرأ أحد على الإطلاق أعمالهم.

وبالطبع لا يمكننا اعتبار هذا نوع من أنواع الانانية أو الضعف؛ فالحقيقة أن هناك شيئًا مشترك بين جميع الحرف الإبداعية وهو رغبة صانعها في أن ترى أعماله النور يومًا ما، سواء استمر الفنان في البحث عن الدعاية أم ظلت تلك الرغبة دفينة. 

ولكن هناك مقولة استوقفتني للكاتب الأمريكي «دون ديليلو» وهي: «الكاتب يقود ولا يَتبع»، وكان يعني فيها أن الفن يجب أن يكون نابع فقط من وجدان الكاتب ومجرد من كل التأثيرات الخارجية بما فيها رأي وصوت الجمهور. ولكني لم أجد هذا منطقي بشكل كافٍ؛ ولنأخذ «شكسبير» على سبيل المثال والذي كان هدفه الأول ومعياره للنجاح هو تحريك الجمهور. ثم أن كتابة قصيدة او تأليف كتاب هو عبارة عن ترجمة للمكنون الداخلي، وتجسيد للإحساس، وهو الإرث الذي يتركه الفنان وراءه ولا ينضب أبدًا. والفن هو شكل من أشكال التواصل؛ والتواصل لا يمكن أن يكون مستقل تمامًا.

وأنت، ما رأيك عزيزي القارئ، هل تتفق مع مقولة «ديليلو» أم ترى أن الفنان الحقيقي هو من يهتم ويأخذ بآراء جمهوره؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

هذه مقولة قرأتها للكاتب محمود الورداني‏ حيث يقول فيها: "‏الكاتب يقود عمله الأدبي ولا ينقاد له".

وهي تشبه بمعناها ومنطقها مقولة ديليلو، حيث يتفقان على أن الكاتب عليه أن يكتب كتاباته التي تنبع من داخله، ولا يجعل للآخرين، أو للكتابة نفسها أن تسوقه لما تريد.. ،حيث سيخرج العمل غريبا وشاذا، وغير موفق.

لكن إذا كان معناها كما فسرتِها أنتِ، فأتفق معه بالطبع، حيث يجب أن ينبع العمل من داخل المرء لا أن ينبع من رأي الناس.. فالعمل الصحيح والمميز هو الذي يترك الكاتب لقلمه أن يكتب بعيدا عن قيود ورغبة الناس.

 الفن يجب أن يكون نابع فقط من وجدان الكاتب ومجرد من كل التأثيرات الخارجية بما فيها رأي وصوت الجمهور

هذه العبارة التي لم تدخل الى ذهني، الكتابة كأحد الفنون الإبداعية التي يحرص فيها الكاتب أنتجذب القراء وتؤثر فيهم، بعض الكتاب قد ألفوا كتبا من خلال المشاكل المجتمعية التي لاحظوها منتشرة، لذلك الكاتب هو إبن بيئته مهما إدعى أنه يكتب لنفسه غير أن لا يمكن أن يبقي كتاباته يأكلها الدهر بالغبار، لا يمكن، وبعد سنوات سيجد نفسه يخرجها للنور.

أحد الكُتاب يقول: كلما أكتب أشعر أنني مسؤولا إتجاه القُراء، بمعنى أن الكاتب يقرأ مرات قبل أن ينشر كتاباته من أجل ألا يفهم مقصوده بشكل خاطئ، لذلك هنا يتبين لنا الكاتب يولي إهتماما كبيرا بالقارئ ومهما هناك من يدعي انه مجرد بوح داخلي من أحاسيس تترجم على شكل حروف، إلا أن البوح يحتاج أن يسمع له، والتواصل بين الكاتب والقارئ ليس بالشئ الهين أن يمكن أن نوصفه.

في الحقيقة، بغض النظر عن فكرة الاحتيال، واستغلال العمل الأدبي مِن قبل صاحبه. لا أعتقد أن كاتباً يجتهد كل الجهد على عمل إبداعيٍّ يمكن أن يستغلَّه ذلكَ الاستغلال. أعتقدُ أن أديباً ما حينَ كتابتِه لِلنَّصِّ لا يُفَكِّر بالعالم ولا الجمهور؛ إنه في عالمٍ آخر!.

موضوع شائك جدا يا أيه.. دائما ما أقفز لمنطقة السؤال الذي تكتبيه في أخر الموضوع.. فهو يلخص الكثير من أصل الموضوع نفسه.. ودائما ما تطرحي موضوعات شائكة وأسئلة محيرة.. وهذا رائع.

أعتقد أن العلاقة بين الفنان والجمهور مثل شعرة معاوية.. إن تركها الناس جذبها، وان جذبها الناس أرخاها هو...

بمعني.. إذا كان الفنان يعمل في مجال الكتابة. طالما يمسك القلم ويكتب، هو ديكتاتور.. يقود العمل الى حيث أراد، إن كان يكتب قصة، فهو يملك كافة تفاصيل العمل، هو حر تماما في توجيه دفة العمل الى حيث يريد.

لكن عندما تهدر المطبعة وتظهر الرواية للعلن. فالجمهور حر تماما، في أن يرفع هذا العمل للسماء، أو أن يستعمل أوراقه لامتصاص الزيت بعد تحمير (الفلافل).. وعلى الكاتب احترام رأي الجمهور مهما كان، وألا يتهمهم أنهم مرتزقة أعداء النجاح.

لكن السؤال هنا: هل يجب على الكاتب، أو الفنان بشكل عام، أن ينافق الجمهور ويقدم لهم ما يرضيهم؟ أم أن يستمر على نهجه مهما كان النقد؟

هذا يتوقف على محتوى ما يقدمه هذا الشخص.. ان كان المقصود منه الترفيه، كالكاتب الكوميدي مثلا أو رسام الكاريكاتير. فلا بأس من معرفة ما يعجب الجمهور وتقديمه. ما لم يحتوي على مخالفة لمبدأ أو عقيدة لديه. أما من يقدم رأيه من خلال صورة من صور الفن، فهو بالتأكيد مطالب بالاخلاص لنفسه أولا وأخيرا.

ما رأيك أنت يا أيه؟

اعتقد أنني كنت اتفق مع العبارة في البداية، لكنني قلت من الممكن ان يتغير هدف الكاتب بشكل عام ليكتب الذي يريد ايصاله للجمهور... وبالتالي فإن المقولة لن تسري دائمًا بشكل صحيح

ولكنني اتساءل بعدها ما هو المعيار الذي يمكن بعدها أن نقرر هل نطلق على الكاتب كلمة فنان او أديب؟ إن كان يكتب لغرض ما فهناك احتمال ولو واحد في المئة ألا يكون هذا رأيه الشخصي!

اعتقد أن المزج بين كلا الأمرين ضرورة للنجاح، فلو اكتفى الكاتب بنفسه، غاب عنه شعور النجاح وهو وقود العمل، ولو كتب للجمهور فقط، ربما تأثر إبداعه، فالأولى أن يجمع بين الأمرين يستكشف الجمهور، وميوله، ويوازنها مع رؤيته الخاصة.

الفنان الحقيقي والواقعي في رأيي هو الذي يمتلك الشجاعة الكافية كي يطلع على رأي الجمهور فس منتجه الفني، ويدرك الأهمية الكبيرة لمتابعة المردود حول التقنيات التي يستخدمها. أهمية الفن تكمن في المشاركة، وانعدام الحماسة في نقطة كهذه يعد خطأ كبير يقع فيه العديد من المنتجين والفنانين ذوو الإبداعات الفريدة، والذين يهدرون طاقتهم وفنهم في سبيل بعض العناد، بينما يضيعون فرصة طرحها لأشكال أخرى من الوعي والفكر. على الفنان ألا يفوت على نفسه فرصة رؤية إنتاجه الفني وتحليله بعيون أشخاص آخرين، حيث أن تلك الهملية توسع مداركه وتساعد في تطويره ما دام حيًّا.