في إحدى اللقاءات الإخبارية، سأل المذيع ضيفه السياسي عن اتهام بلده بتمويل جماعات إرهابية. فرد الضيف : "ما دام لا توجد وثائق رسمية تُديننا، فنحن أبرياء". عبارة تبدو منطقية للوهلة الأولى، لكنها مثال مباشر على مغالطة الاحتكام إلى الجهل، كما تحدث عنها كتاب"المغالطات المنطقية في وسائل التواصل". أي استخدام غياب الدليل كأنه دليل على الغياب. الإعلام يُضخم هذه المغالطة عندما يُقدّم الصمت أو عدم الرد والانكار، على أنه موقف بذاته يؤكد صحة الخبر! عشت موقفًا مشابهًا عندما أخبرني صديق بمعلومة غريبة عن أحد الأدوية، فلما سألته عن المصدر، قال: "مفيش حد كذب الخبر يعني ممكن يكون صحيح". ضحكنا وقتها، رغم أني شرحت له أن هذا لايصح، غير أنه بقي متأثرا قليلا بالفكرة، فقط لأنها انتشرت، لا لأنها تبتت! البعض يرى أن هذا النمط من التفكير طبيعي في عصر سرعة المعلومة، فطالما لم يُفند شيء علنا، فهو "ربما صحيح". متناسين أن غياب الدليل ليس رخصة لتصديق كل شيء، بل يجب أن يبقى "الفراغ" فارغًا، حتى يُملأ بدليل حقيقي. خاصة في الإعلام، فهذه المغالطة تفتح الباب لتضليل واسع، في الأخبار العاجلة، أو في القضايا الحساسة التي يصعب التحقق منها... فلماذا يميل كثير من الناس لتصديق شيء دون دليل مثبت، فقط لأنه لم يُثبت عكسه؟
عندما يصبح "غياب الدليل" هو الدليل، مغالطة الاحتكام للجهل "كتاب المغالطات المنطقية في وسائل التواصل"
كنت قد قرأت من قبل في علم النفس أن العقل البشري يميل إلى تصديق المعلومات بسهولة عندما يكون هناك غياب لدليل مضاد، وهذا يحدث بسبب ما يُعرف بالراحة المعرفية، ببساطة نميل إلى تصديق ما نسمعه أو نقرأه إذا كان ذلك لا يتطلب منا بذل جهد كبير للتحقق من صحته، وعندما تنتشر المعلومة بين الآخرين، يبدأ التأثير الاجتماعي في العمل، فنشعر أن الأمور صحيحة فقط لأن الجميع يتحدث عنها، وكأن العقل البشري يحب أن يملأ الفراغات بالمعلومات السريعة حتى وإن لم تكن مثبتة بعد! زي ما بنقول في مصر: طالما الكل بيقول كده، يبقى أكيد صح!
كلامك صحيح فعلًا، وذكّرني بما يحدث حالياً على مواقع التواصل الاجتماعي، حين تنتشر شائعات عن بعض المشاهير، مثل اتهامهم بتجارة الأعضاء أو أمور مشابهة، من غير وجود أي دليل واضح. ومع ذلك، نرى كثيرًا من الناس في التعليقات يتعاملون مع الإشاعة وكأنها حقيقة! المثير للدهشة أن لا أحد قدّم دليل حقيقي حتى الآن، لكن مجرد غياب النفي أو السكوت عن الموضوع يجعل البعض يصدّقون وكأن الاتهام وحده يكفي. وهذا يوضّح مدى خطورة هذه المغالطة في زمن السرعة والمعلومة المنتشرة… فالاتهام فقط أصبح كافي لتشويه صورة أي شخص.
صحيح، وهذا مثال واقعي جدًا على ما يحدث حين تتحوّل المغالطة إلى "محكمة شعبية". العقل البشري تحت ضغط التكرار والعاطفة أحيانًا يخلط بين الشائعة الكثيرة والحقيقة المثبتة.. هذا النوع من التصديق لا يُلحق الأذى بالفرد فقط، بل يُشجع بيئة إعلامية تفتقر إلى العدالة كما وصفت في مثالك. كيف يمكننا إذن كمجتمع رقمي أن نعيد ضبط ردة الفعل أمام الاتهامات، ونُميّز بين الادّعاء والدليل؟
صحيح تمامًا، وهذه النقطة تدعم ما جاء في الكتاب. العقل غالبًا يبحث عن الراحة، لذلك يملأ الفراغات بأي معلومة "مقبولة اجتماعيًا"، بدل أن يتوقف ليطلب دليلًا. وهنا الخطورة.. الانتشار لا يساوي الصحة. كما يوضح الكاتب، المعلومة التي لا تُفند تصبح قابلة للتصديق ليس لأنها أقوى، بل لأنها ظلت عالقة في الذاكرة بلا مقاومة.ولهذا، مسؤوليتنا كمستقبلين للمعلومة أن لا نخلط بين "شيوع الفكرة" و"صحتها". الراحة المعرفية مفهومة.. لكن الوعي بها هو أول خطوة لتجاوزها.
ماهي برأيك المهارات أو العادات التي تساعدنا على مقاومة هذا النوع من التصديق السهل؟
السبب الأول والأهم، هو الاستناد إلى آراء أناس يثقون بهم، أهل علم أو اصدقاء أو مفكرين، أو أي شخص هم يعتدونه "شخص ذو قيمة وشأن"، وبالمناسبة حجة الضيف هنا لا تختلف عن جملة "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، يعني أنا إذا ارتكبت جريمة شنيعة، ولكن لديَّ حُجة غياب، ولم أترك دليلًا واجدًا خلفي، إذن غياب الدليل يعني إنني بريئة!!
ملاحظة دقيقة إريني، لكن هناك فرق بين البراءة القانونية والاستنتاج العقلي.
عبارة "المتهم بريء حتى تثبت إدانته" صالحة في قاعة المحكمة، حيث القانون يطلب دليلاً ماديًا، أما في التفكير النقدي، فالأمر مختلف. غياب الدليل ليس إثباتًا لأي شيء، بل مجرد فراغ معرفي.. لا يُملأ بالتمنّي، ولا بالثقة في الأشخاص مهما بدا رأيهم وجيهًا.
من أشهر مقولات هولمز: "حين تستبعد كل ما هو مستحيل، فما يتبقى مهما بدا غير محتمل لا بد أن يكون الحقيقة." وبالتالي فإن كان استبعدنا كل المستحيلات، وما تبقى فقط هو احتمال واحد، هل نحتاج الى دليل يوثق الإدانة؟ خاصة في الأحداث السياسية والدبلوماسية التي يصبح استبعاد المستحيلات فيها أسهل، وبالتالي.. المثال الذي ذكره الكاتب في كتابه صحيح تماما ويقع في هذه المغالطة.
لكن المشكلة هنا أن بعض الناس لا يستبعد شيئًا أصلًا، بل يملأ كل فراغ بقناعة جاهزة! ما نحتاجه فعلا هو التفكير النقدي الذي يفرق يفرق بين الدليل الحقيقي والمزيف.
أظن أن السبب يعود إلى طبيعة الإنسان في ملء الفراغ المعرفي فالعقل لا يحب الغموض لذلك يبحث عن تفسير – أي تفسير – ليسدّ به النقص وهنا يأتي دور "الاحتمال" كبديل مؤقت للدليل فنقنع أنفسنا أن غياب النفي ربما يعني وجود الإثبات ولو ضمنيًا
أيضًا في زمن السرعة والتدفق الهائل للمعلومات صار كثير من الناس يقيسون "الموثوقية" بعدد المشاركات أو مدى الانتشار لا بجودة الدليل فبمجرد أن تنتشر المعلومة تكتسب شرعية زائفة ويصعب التشكيك فيها لاحقًا
والأخطر أن الإعلام أحيانًا – كما ذكرت – يساهم في تضخيم هذا النمط من التفكير إما تحت ضغط السرعة أو بهدف الإثارة
المشكلة ليست فقط في غياب الدليل بل في استعجالنا للحكم دون صبر أو تحقق وربما نحتاج أن نتصالح مع فكرة "لا أعرف" كخيار مشروع بدل أن نملأ الفراغ بأي شيء يريحنا مؤقتًا
الناس يحبون أن يكونوا أوائل من عرفوا الحقيقة حتى لو لم تكن حقيقة بعد. وكأنهم يفضلون احتمالا مريحًا
وربما نحتاج أن نتصالح مع فكرة "لا أعرف" كخيار مشروع بدل أن نملأ الفراغ بأي شيء يريحنا مؤقتًا على يقين وتأكيد متأخر..
اذا برأيك هل نحتاج الى صفة "التريث" أكثر أم صفة "التحليل" ؟
لأن التريث وعدم التسرع بإطلاق الحكم جيد، لكن هل نتوقف عنده أم ننتقل للتحليل لمعرفة دوافع هذه الفرضية الشائعة أو حتى الادلة التي يمكن أن تدعمها أو تفندها؟
ربما يكون التريث مناسباً لمن يصدقون كل ما يُقال وينشرونه دون التحقق من صحة المعلومة أو فقط لأنها لم يُثبت عكسها فهم غالباً لا يميلون إلى التحليل وهؤلاء الأفضل لهم أن يكتفوا بقول "لا أعرف" بدلاً من نشر معلومات غير مؤكدة
أما الأشخاص الفضوليون وأصحاب العقول النابغة فهم يميلون إلى التحليل وهذا هو السلوك الصحيح ومع ذلك لا بأس إذا بحثنا عن إجابة واضحة ولم نجدها أن نعترف بقول "لا أعرف" حتى لا نملأ الفراغ بأي فرضيات غير مؤكدة
برأيي التحليل هو الخيار الأمثل والأصح لكن لا أعتقد أن كل الناس يميلون إلى هذا الخيار فهم غالباً يبحثون عن الأكثر تداولا وانتشاراً لا عن صحة المعلومة لذلك أجد أن التريث أفضل كخطوة أولى وأهم من الإسراع في الحكم أو النشر وأن التحليل هو استكمال لخطوة التريث عند الأشخاص الذين يبحثون عن الحقيقة الثابتة دوماً.
التعليقات