في إحدى اللقاءات الإخبارية، سأل المذيع ضيفه السياسي عن اتهام بلده بتمويل جماعات إرهابية. فرد الضيف : "ما دام لا توجد وثائق رسمية تُديننا، فنحن أبرياء". عبارة تبدو منطقية للوهلة الأولى، لكنها مثال مباشر على مغالطة الاحتكام إلى الجهل، كما تحدث عنها كتاب"المغالطات المنطقية في وسائل التواصل". أي استخدام غياب الدليل كأنه دليل على الغياب. الإعلام يُضخم هذه المغالطة عندما يُقدّم الصمت أو عدم الرد والانكار، على أنه موقف بذاته يؤكد صحة الخبر! عشت موقفًا مشابهًا عندما أخبرني صديق بمعلومة غريبة عن أحد الأدوية، فلما سألته عن المصدر، قال: "مفيش حد كذب الخبر يعني ممكن يكون صحيح". ضحكنا وقتها، رغم أني شرحت له أن هذا لايصح، غير أنه بقي متأثرا قليلا بالفكرة، فقط لأنها انتشرت، لا لأنها تبتت! البعض يرى أن هذا النمط من التفكير طبيعي في عصر سرعة المعلومة، فطالما لم يُفند شيء علنا، فهو "ربما صحيح". متناسين أن غياب الدليل ليس رخصة لتصديق كل شيء، بل يجب أن يبقى "الفراغ" فارغًا، حتى يُملأ بدليل حقيقي. خاصة في الإعلام، فهذه المغالطة تفتح الباب لتضليل واسع، في الأخبار العاجلة، أو في القضايا الحساسة التي يصعب التحقق منها... فلماذا يميل كثير من الناس لتصديق شيء دون دليل مثبت، فقط لأنه لم يُثبت عكسه؟