رحلة داخل انسان لايشعر

في جزيرة

في بحرٍ واسعٍ كانت هناك جزيرة - جزيرة جميلة بأشجارها المختلفة وحيواناتها المتنوعة. كانت فيها ثلاثة أفراد: رجل وامرأة وطفل. يبدو أن الطفل ابن الرجل والمرأة. كان الثلاثة جالسين، الرجل والمرأة يستران نفسيهما بأوراق مربوطة ببعضها، بينما الطفل لا يرتدي شيئاً، فقد كان جالساً بينهما. وكان الرجل والمرأة يضحكان، وابنهما يضحك معهم. هو لا يفهم لماذا يضحكان، بل لا يفهم ما هو الضحك، ولكن كان يتبع والديه. جو جميل من حنان متبادل بين الثلاثة. كان الوقت يمر ومازالوا يتحدثون ويضحكون.

وكان الطفل وجد قد تعب بالفعل، بدأ يتكئ على الأرض ويغمض عينيه، لينادي قائلاً: "ماما، ماما، اسكتا، لا أستطيع النوم". ضحكت الأم ولكنها سكتت بعدها، ليبتعد الاثنان وينام وجد في راحة أخيراً. كان النوم مريحاً وجميلاً، في لحظة يهدأ فيها كل شيء.

مرت الأيام على هذا المنوال: يصطادون قوت يومهم، يأكلون، يتحدثون وينامون. لا أحد يعلم كم مرَّ تحديداً، ولكنه وقت طويل، اكتسب فيه وجد قدرة على المشي وتدبير أموره. في أحد الأيام، غطس الرجل في البحر، لقد أخذ وقتاً ولم يخرج. انتظار وبعده انتظار، لكن لا شيء. حتى تبعته المرأة ثم لم تظهر هي الأخرى. كان وجد جالساً وحيداً على صخرة، والشمس بدأت تختفي، ولا أبوه ولا أمه قد ظهرا. قد بدأ يغلب عليه النوم، ليقرر أن ينام.

في اليوم التالي لم يظهرا أيضاً. لا يعرف وجد أين هما وماذا يمكن أن يفعله. بقي في مكانه ينظر إلى البحر، لا يرى سوى امتداد أزرق. وفجأة نادى: "أمي! أمي! أمي!" ولكن لا صوت يُجيب.

حينها شعر وجد بأنه قد بدأ يشعر بالجوع، فاستدار ليصطاد شيئاً يأكله. ولكن قبل أن يذهب، استدار مرة أخرى نحو البحر، ثم ذهب. بينما كان يسير، كان يراقب خطواته، ويقوم بإبعاد وتقريب قدميه بنسق معين حتى يستطيع أن يراقبهما دون أي تعبير. حتى رأى أخيراً صيده: كان أرنباً متوسط الحجم. وكان وجد يملك رمحاً كان ملك أبيه، ليرميه، وكانت إصابة موفقة. أمسك الأرنب الميت ولا يعرف ماذا يفعل الآن، فكان قديماً يصطاد ثم يحصل على لحم جاهز من أمه. حتى بدأ يغرز فيه برمحه، ثم بأسنانه. دماء تتطاير، وشعر فرو الأرنب يزعجه في فمه، حتى وصل إلى قطعة لحم أكلها كلها، ثم رمى الجثة. الشمس بدأت تختفي، إنه وقت النوم. لقد نام وجد.

في اليوم التالي وبقية الأيام، كان الروتين نفسه: يستيقظ، ينادي أمام البحر، يصطاد، يشرب، يأكل، ينام. يُعدّ مدة. كان وجد جالساً أمام البحر، بينما الشمس قد بدأت في الغروب. على غير عادته، فقد كان هذا الوقت بداية اقتراب موعد نومه، ولكن اليوم حيّره منظر الشمس على البحر: في تموجات تتصاغر كلما ابتعدت. ثم نام.

في يومٍ ما، كان وجد يتجول في الجزيرة، حتى رأى مجموعةً من الأرانب الصغيرة المجتمعة حول أرنب كبير، يبدو أنه أبوهم أو ربما تكون أمهم. ولكن الجوع كان يغلب على وجد، فرمى بسهمه ليصيب الأرنب الكبير وأرنباً صغيراً. لقد هربت بقية الأرانب، ومات الأرنب الصغير، بينما بقي الأرنب الكبير يحتضر بجانب ابنه حتى مات هو الآخر.

عندما اقترب وجد، نظر إلى الأرنبين لمدة وجيزة. شعر بشيء غريب. حاول الكلام ولكنه لم يستطع. يبدو أنه نسي طريقة الكلام. حاول أكثر من مرة ليستطيع أخيراً قول: "إيمي... إيمي... أمي... أمي". لقد كان قادراً على الكلمات. اتبعها بـ: "أبي... أمي... أمي... رمح... يمكنني الأكل... أشعر بالجوع".

جلس وجد على ركبتيه بينما كان يفتح الأرنب الكبير أولاً. كان رأسه يؤلمه من الوقت للآخر. كان يضع يده على رأسه ثم يتبع بأصوات من الانزعاج: "آه... أو... امم..." لا يعرف ما هذا، ولكنه شعور.

بعد مرور وقتٍ ليس بالطويل، استيقظ وجد في أحد الأيام مفزوعًا، والعرق يتصبب من كامل جسده. يبدو أنه كابوس. لم يدم الحال هكذا طويلاً حتى عادت نفس الملامح الباردة لوجد. وقف ثم حمل رمحه يبحث عن ما يأكله. مر بجانب البحر في طريقه، لا شيء سوى السكوت.

هذه المرة جلس يتأمل طويلاً حتى سقط الرمح من يده. بدأ يتذكر ذلك الكابوس: إنها أمه وأبوه جالسان بجانبه حتى غرقا فجأة، ثم غرق هو الآخر. الماء يغمره، إنه شعور مزعج من الضيق، كانه مغمى عليه، حتى أفاق مجددًا. نظر متأملًا في البحر وقال: "أمي... أبي... لا... لا... لا أعلم ماذا حدث". ثم سكت وأكمل طريقه.

توالت الأيام على هذا الحال دون أن يدرك وجد الوقت الذي مر عليه. كل يوم يمر يستيقظ ليأكل ويشرب وينام. في يومٍ اصطاد باكرًا وبقي له وقت كافٍ قبل غروب الشمس، وقد أصبح في الأيام الأخيرة كلها يبقى له الكثير من الوقت بسبب اصطياده السريع، فكان يجلس فقط. ولكن اليوم رأى شيئًا غريبًا: إنهما طيران يطيران مع بعضهما بانسجام تام، وبعدها جلسا على غصن وبدأ واحد منهما يحرك رأسه قرب الطير الآخر، وكانه نوع من المزاح. نظر فيهما وجد باستمرار وهو لا يفهم ما هذا.

في يوم آخر جلس وجد أمام شجرة وبدأ يتحدث قائلاً: "هممم... ااااه... ااااه... نممم... نععم... نعم... إيمي... أمي... أبي". كان يمضي الكثير من الوقت بجانب تلك الشجرة يتحدث لها دون أن تجيب. حتى في يوم من الأيام بدأت أوراقها تتساقط، شعر بالحزن، ولكنه اصطاد وأكل ونام.

بعد مرور وقت من ذلك اليوم، كان وجد يمشي يحك الشعر الذي ملأ وجهه. لا شيء من حوله سوى الأشجار والحيوانات. أثناء مشيه، سقط وجد أرضًا. لم يشعر أنه يستطيع أن يقف، بل كان يملك القدرة الجسدية ولكن لا يستطيع. بقي على حاله حتى جوعه لم يوقظه. إنه يشعر بألم شديد في أطرافه، ولكن رغم ذلك هو يشعر بالراحة. إنها ليست راحة بالمعنى التقليدي، بل يبدو أنها نوع من غياب الألم. وتقريبًا في منتصف الليل، وقف وجد أخيرًا، ليس ليبحث عن طعام، بل ليتوجه إلى البحر.

عندما وصل، شعر أنه يريد شيئًا ولكنه لا يعرف ما هو، ولا يمكنه الوصول إليه. نظر إلى ذلك المكان الذي - حسب ما يتذكر - كانا فيه شخصان لا يتذكر شكلهما. ولكن في لحظة من التعب والسقوط، سقط في البحر ليطوى هو الآخر في صفحات النسيان، كما حدث للشخصين اللذين تذكرهما.

اللاجدوى

عندما كان "وَجَد" يضحك لأنه رأى والديه يضحكان، هو لم يفهم حديثهما ولكنه اتبعهما. ستجد هذه الحالة عند الأطفال حيث يضحكون حين يضحك الكبار. إنه أمر مهم، حيث يصور لنا هذا التصرف رغبة إنسانية عميقة من الاحتياج والتواصل؛ فَالطِّفْل يرى في ضحكه نوعًا من التواصل مع أهله. كما أننا نجد الأطفال أكثر تعلقًا بالناس منّا، بحيث إننا نحاول منذ الطفولة تكوين العلاقات واتباع الناس، وفهم ما يعنِي أن تكون لدي علاقة مع شخص آخر، مع إنسان آخر.

ربما تعود هذه الرغبة العميقة في العلاقات لأن الإنسان بطبعه اجتماعي. ولكن لماذا نحن اجتماعيون؟ باختصار، لأننا نجد في الآخر ليس مجرد علاقة، بل مرأة لأنفسنا. إذن، فإننا باستعمال الشخص الآخر يمكننا فهم أنفسنا بطريقة أو بأخرى: بتصرفاتنا، بردود أفعالنا، وتعبيراتنا، وغيرها. كما أن العلاقة الإنسانية تعتبر مصدرًا عاطفيًا قويًا، أو منفذًا عاطفيًا. كيف؟ لأننا بوجود علاقة في حياتنا نشعر بالرضا، بالعاطفة، بالسعادة، بالاستقرار، وهذا مصدر عاطفي قوي. كما أن العلاقة يمكن أن تزيل جزءًا كبيرًا من الهم أو الضعف؛ حيث يمكن أن يكون حوار واحد مع أمك أو زوجتك أن يُحسِّن يومك بالكامل. وهذا هو سبب وجود العلاقات في حياة الإنسان.

بما أن حياة الإنسان منذ بدايتها تكون مليئة بالعلاقات، وأولها العلاقة بين الطفل ووالديه – كما بدأ "وَجَد" – ولكن فجأة اختفت أمه وأباه، الشخصان الوحيدان اللذان كان يُكَوِّن معهما علاقة. اختفيا! إنه أمر صعب، صحيح، ولكنه غالبًا لا يحدث بهذه الطريقة؛ فنادرًا ما يموت أو يختفي الوالدان دفعة واحدة، وحتى إن حدث، فسيبقى هناك أناس آخرون يقدمون نوعًا من العلاقات. ولكن الأمر يحدث بطريقة مختلفة؛ بحيث إن الإنسان في بداية حياته يكون مملوءًا بطاقة إيجابية وانفعال حماسي، يرى أن كل الناس طيبين وجيدين، ولكن مع الوقت تبدأ تلك الطاقة بالاختفاء. فكل موقف صعب، وكل لحظة سيئة، وكل اكتشاف مريع، ينقص تلك الطاقة ويحولها إلى نوع من الضعف الوجودي. إذن، فإن الإنسان حينها يكره وجوده، يتألم أكثر مما يفرح. المجتمع لم يتغير، ولكنه اكتشفه على حقيقته. مع الوقت تبدأ علاقاته بالانخفاض، تصبح العلاقات تأخذ أكثر مما تعطي، فيتجنبها تمامًا.

وهذا ما يحدث لنا – عكس "وَجَد" الذي اختفت كل علاقاته دفعة واحدة – فنحن نفقدها ببطء وألم، كجرح لا يتوقف عن النزيف، بل يزيد ألمًا حتى تختفي كل علاقاتنا. هي لا تختفي تمامًا، بل تصبح سطحية لدرجة أن وجودها كعدمها. بعد أن يعيش الإنسان هذه المرحلة ويتألم بشكل كافٍ، بحيث يرى أن الألم هو الروتين العادي، فإنه يصنع عالمه الخاص – كما فعل "وَجَد" حين تكلم مع الشجرة – سيختلق شخصًا مثاليًا لا يخطئ، يتبعه، يدعمه، يصحح له، لا يتركه أبدًا. كل هذا في مخيلته سيعطيه شعورًا من السعادة، ولكنها سعادة مؤلمة. فبعد أن تعيش مع هذا الشخص المثالي، ستضعف قدرتك على تخيله، سيقل تواصلك به، تبدأ في الرجوع للواقع أكثر فأكثر، كشجرة سقطت أوراقها، حتى يختفي تمامًا.

أما الآن، فأنت في مرحلة أسوأ: مرحلة لا تشعر فيها بالألم، ولكنها ستكون أسوأ مرحلة قد تعيشها، وهي اللاجدوى. في هذه المرحلة يتجرد الإنسان من مشاعره، فلا يشعر بالسعادة ولا بالحزن، ولا بالحماس ولا بالخمول، لا يشعر بأي نوع من المشاعر. ستصبح أبسط مهمة مهمة شديدة الإرهاق. الإنسان العادي عندما يستيقظ من النوم، يقوم من فراشه، لكن المصاب باللاجدوى سيسأل: لماذا أستيقظ أساسًا؟ لماذا أعيش؟ فكل مهمة تصبح صعبة، سيصبح في حالة من العبث الوجودي. ولكن ليس أي نوع من العبث؛ ليس ذلك النوع الذي يدرك أنه في عبث الحياة ولكنه يواصل الحياة، أما هذا فلا يستطيع حتى إن أراد أن يبحث عن إجابات لتلك الأسئلة، لأنه لا يشعر بدافع، لأنه لا يملك شعورًا. فمثلاً في الاكتئاب، أنت تشعر بألم، بالحزن، رغم أنه شعور سيئ، ولكن المهم أنه شعور. المهم أنك مازلت تشعر أنك إنسان، لأن الألم جزء من الإنسان.

عندما سقط "وَجَد" أرضًا، كان يستطيع الوقوف، فقدرته الجسدية تسمح له بذلك، ولكنه لم يقف، حتى عندما جاع. ربما سأل: لماذا مازلت أعيش؟ ما الهدف من كل هذا؟ فهو أصبح في حالة من اللاجدوى، وإن كان غير مدرك لذلك. فهو لم يعلم أن أبويه ماتا غرقًا، ولكن قرر أن يتبعهما لربما يحصل على إجابات، ليموت هو الآخر. فحتى نحن أحيانًا، كمحاولة أخيرة، نقرر الانتحار كمحاولة أخيرة للنجاة، للحصول على إجابات، ولكن النتيجة هي عدم لا متناهي.

اذا مالذي يمكننا فعله ؟

حقيقةً، لا يمكننا فعل شيءٍ حيال هحقيقة هذا الفراغ الوجودي. بل إن أجدادنا حاولوا التخلص من هذا الفراغ بطريقة مشهورة جداً، ألا وهي الدين. حيث يأتي الدين كمُقدّم إجابات عن الخلق، كمنقذ من النهاية، كإجابات سهلة كي لا يغرق الإنسان في دوامة من العبث واللاجدوى. لهذا تجد قليلاً من المتدينين ينتحرون، لأنهم ببساطة استطاعوا الهروب من هذا الصراع الداخلي عن طريق الدين.

بينما المهمة بالنسبة للملحدين أصعب بكثير، لأنهم يواجهون هذا العبث مباشرة، ولم يستطيعوا تصديق الدين، فمن الصعب عليهم أن يجدوا لأنفسهم مكانًا في هذا العالم. لذا فإنني لا أقول لك أن تترك دينك، ولكن يجب أن تعرف أن الدين وُجِد أساسًا لتخليص الإنسان من هذه الدوامة.

أما إن كنت غير مؤمن، فماذا يمكن أن تفعل؟ باختصار، عليك أن تقبل وجودك حتى ينتهي. فوجودك ووعيك هو صدفة جينية بحتة، وهذه الصدفة نادرة الحدوث. لذا عش، وحاول تحقيق أحلامك، لكن بواقعية. لأنك ستعيش لمدة معينة وستذهب بعدها إلى العدم. فكل لحظة من حياتك لها قيمة.

وهناك سؤال مهم: إذا ذهبت إلى العدم، فلماذا أتعب نفسي؟ والجواب باختصار: لكي تستفيد من هذه الفرصة بأفضل شكل. ففكرة أن تقتل نفسك - رغم أنها قد تبدو صحيحة بالنسبة لمنفذيها - ولكنها غير ذلك. فبالرغم من وجود حزن شديد في هذا العالم، وبالرغم من أن الكثير من الناس ليسوا كما تريد، إلا أن هذا لن يغير حقيقة أن هناك سعادة في العالم وعلاقات جميلة من الصعب التخلي عنها.

وأخيراً، يمكنني القول إن الشيء الوحيد الذي يمكننا فعله لتجنب الوقوع في دائرة اللاجدوى هو أن نقبل بعبث الحياة، أن نقبل الحياة كما هي، ليس كما نريدها.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

حقيقةً، لا يمكننا فعل شيءٍ حيال هحقيقة هذا الفراغ الوجودي. بل إن أجدادنا حاولوا التخلص من هذا الفراغ بطريقة مشهورة جداً، ألا وهي الدين. حيث يأتي الدين كمُقدّم إجابات عن الخلق، كمنقذ من النهاية، كإجابات سهلة كي لا يغرق الإنسان في دوامة من العبث واللاجدوى. لهذا تجد قليلاً من المتدينين ينتحرون، لأنهم ببساطة استطاعوا الهروب من هذا الصراع الداخلي عن طريق الدين.

ما تقوله هو مشهور جدًا وكما قال فولتير تقريبًا: لو لم يكن الله موجودًا لاخترعناه! حاشاه سبحانه! ولكن لماذا لا نقول أن عطشنا دليل على وجود الماء الحقيقي في العالم الخارجي؟! لماذا لا نقول أن بحثنا عن المعنى و اشتياقنا له و حبنا أن يكون هناك معنى دليل على وجوده حقيقة في العالم الخارجي؟ لماذا حبنا للعدل و الحق لا يكون دليل على وجوده خارجنا؟ الدين يا أخي ظاهرة منفصلة عن رغبات الإنسان وإذا استقرأت تاريخ الإسلام ستجده منفصل عن رغبات الوسط الذي نشأ فيه فهو حق إذن لا جاء ليريح الناس ويقرر أهوائهم ولكن لأنه حق فهو موجود.

أما إن كنت غير مؤمن، فماذا يمكن أن تفعل؟ باختصار، عليك أن تقبل وجودك حتى ينتهي. فوجودك ووعيك هو صدفة جينية بحتة، وهذه الصدفة نادرة الحدوث. لذا عش، وحاول تحقيق أحلامك، لكن بواقعية. لأنك ستعيش لمدة معينة وستذهب بعدها إلى العدم. فكل لحظة من حياتك لها قيمة.

كيف يكون الوعي البشري صدفة جينية؟! هل استطاع الملاحدة بما اجتمع لهم من علم أن يخلقوا حياة أي حياة ولو حياة بكتريا فضلاً عن خلق وعي بشري مثل وعينا؟! أخيراً أدعوك لقراءة كتاب هناك إله لأنتوني فلو كبير الملحدين في القرن العشرين....

ما تقوله هو مشهور جدًا وكما قال فولتير تقريبًا: لو لم يكن الله موجودًا لاخترعناه! حاشاه سبحانه! ولكن لماذا لا نقول أن عطشنا دليل على وجود الماء الحقيقي في العالم الخارجي؟! لماذا لا نقول أن بحثنا عن المعنى و اشتياقنا له و حبنا أن يكون هناك معنى دليل على وجوده حقيقة في العالم الخارجي؟ لماذا حبنا للعدل و الحق لا يكون دليل على وجوده خارجنا؟ الدين يا أخي ظاهرة منفصلة عن رغبات الإنسان وإذا استقرأت تاريخ الإسلام ستجده منفصل عن رغبات الوسط الذي نشأ فيه فهو حق إذن لا جاء ليريح الناس ويقرر أهوائهم ولكن لأنه حق فهو موجود.

أما قولك إن رغبتنا في البحث عن معنى لحياتنا تدل على وجود خالق، فهو قول يحتاج إلى تدقيق. مثالك حول الماء مثال معتل، لأن الماء ظاهرة طبيعية واقعية، بينما الخالق – حسب النصوص الدينية – وجوده أعلى من أن يقاس بالمخلوقات، فهو تشبيه غير سليم. ويمكن تفسير بحثنا عن المعنى ببساطة على أنه طريقة لمواجهة عبث الحياة؛ فبامتلاكك معنى تشعر أنك استطعت الانتصار على هذا العبث بخلقك قيمة من العدم. والأمر ليس بالضرورة اشتياقًا لخالق.

ومن قال إن البشر يحبون الخير والعدل؟ أنت ترى ما يحدث في واقعنا وتعرف ما حدث في التاريخ. الإنسان بطبعه يميل إلى السيطرة والشر أكثر من الخير. وحتى من يحبون الخير، فليس شرطًا أن يكون لذلك الحب مصدر خارجي، بل قد يكون بسبب تأثير المجتمع من النصائح الاجتماعية والعائلية التي تحث على الفعل الصالح، إضافة إلى أسباب نفسية داخلية مثل الشعور بالرضا عند فعل الخير.

كيف يكون الوعي البشري صدفة جينية؟! هل استطاع الملاحدة بما اجتمع لهم من علم أن يخلقوا حياة أي حياة ولو حياة بكتريا فضلاً عن خلق وعي بشري مثل وعينا؟! أخيراً أدعوك لقراءة كتاب هناك إله لأنتوني فلو كبير الملحدين في القرن العشرين....

وما علاقة أن الوعي كان صدفة جينية بسؤالك: 'هل استطاع الملاحدة بما اجتمع لهم من علم أن يخلقوا حياة؟' هل عدم قدرتنا الحالية على خلق حياة ينفي أنها خلقت بشكل طبيعي؟ فعند توفر الظروف المناسبة، خلقت الحياة بكل بساطة، وربما في المستقبل سنستطيع خلق حياة بكتيرية من الصفر. فسؤالاك ليس لهما علاقة ببعضهما. كما أن سؤالك الثاني يفترض أن عدم قدرتنا الحالية على خلق حياة يعني أنها لن تخلق دون تدخل إلهي، وهو افتراض خاطئ.

أنت تهرف بما لا تعرف وتتحدث وكأنك تقول الحق المطلق! كل ما تقول تنظريات قد تخطي وقد تصيب. هات لي نظرية واحدة أثبتت أن عملية الخلق جاءت صدفة! انت لا تستطيع أن تثبت ولا تستطيع أن تنفي فكن محايدًا على الأقل. لا تنفي الوجود ولكن كن لا أدريًا أفضل واعط لنفسك فرصة حتى إذا ظهر لك دليل يقنعك تمسكت به.

ثم كلمة أقولها لك: الوصول للحق لا يحتاج فقط إلى منطق صارم وعقل جهبذ ولكن إلى جانب ذلك يحتاج إلى نفس تشعر وقلب حي يعي. الحقيقة يا أخي أن الحق لن نصل إليه بمجرد العقل المحض واسمح لي أن أخاطبك بالكتاب الذي أومن به. قال تعالى: ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ...........

لو أتيت لك بكل دليل ودليل وأنت قد أغلقت قلبك فستفترض الإفتراضات التي لا أنت تستطيع أن تثبتها ولا تنفيها ثم أني لو رأيتك الجحيم اﻵن ثم الجنان بعد قليل لقلت: لقد سحرتني وأعطيتني حبوب هلوسة! من لا يريد أن يصدق فكيف لنا أن نجعله يصدق؟! هنا يعجبني قول أبي العلاء:

قال المنجم و الطبيب كلاهما .............. لا تحشر الأجساد قلت: إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر ........... أو صح قولي فالخسار عليكما

طهرت قلبي ومن قبله طهر ....... ...... فأين الطهر من جسديكما

وذكرت ربي في الضمائر مؤنسًا ....... خلدي بذلك فأوحشا خلديكما

فتهنأ أنت بعبثيتك ولأهنأ انا بأنس وذكري...........

مثل الحوار الذي أجريناه المرة الماضية: بدل أن تقدم لي حجتك، تقوم بمهاجمتي شخصيًا والتركيز على قلة معرفتي. إذا أردت إثبات وجهة نظرك، فقدم حجة مقنعة مدعومة بالأدلة.

كما أن قولك بأن 'الحق يحتاج إلى نفس تشعر به' أو ما شابه، فإنه ينهي النقاش العقلي، ولا فائدة لأي حوار بعده، لأنك ستدور في حلقة مفرغة من الحجج الدائرية.

يجب أن تدرك أمراً مهماً: أنت بهذا المنهج لن تستطيع إقناع أي شخص مشكك، لأن منهجك بعيد كل البعد عن علم المنطق وأساسياته. وهذا ما ظهر جلياً في حواراتك السابقة، مثل:

  • ادعاء قلة فهم الخصم بدلاً من تقديم حجة موضوعية.
  • الاستدلال بالدين لإثبات الدين (أي حجج دائرية).

لهذا أرى أن حواراتنا - يا أخي خالد لن تجدي نفعاً، لأن كلاً منا يستخدم منهجاً مختلفاً لا يتوافق مع الآخر.

يا أخي فداء هداك الله، انا لم أهاجم شخصك بل طريقتك في التفكير. أنت تزعم وتدعي وتفترض فقط لا غير. لا دليل على صحة ما تقدم. من يتشكك لأنه يبحث عن الحق غير الذي يشككلأنه يحب أن يتشكك. حتى ديكارت نفسه يا أخي فداء كان شكه شك منهجي عقلي ولم يكن شكًأ حقيقياً بل شكًا أراده هو ليؤسس عليه منهجه الفلسفي. يعني أنا أشك فقط لأتيقن ولا أشكك لأجل الشك.

أنت تقول أن البشر اخترعوا الدين ليريحوا أنفسهم من عناء فكرة العدم لأنه مرهق في التصور وهو شيئ ممقوت لا تقوم معه حياة. وأنا أقول لك أدرس تاريخ الأديان وبالأخص نشاة الدين الإسلامي....... ما تقوله انت من حجج فهي قديمة ذكرها الأنثربولوجيون والفلاسفة وحتى الشعراء ولكنها غير حقيقية ولا تثبت أمام التفكير الجاد. يعني هل يضحي الإنسان بنفسه وهو يعلم أنه يخدع نفسه في حقيقة وجود الدين وجود الآخرة؟! يعني أنت تقول أنهم اخترعوا الديانات ولكن مخترعوها هؤلاء يضحون بأنفسهم وأقاربهم كي ينتصر هذ الدين فكيف يخدع الإنسان نفسه ليريح نفسه ثم يكون هو اول من يذهب للموت و للعدم بقدميه؟ انا هنا لا أستشهد بالدين وليس استشهادي دائري ولكن أنا أريك شواهد من الدين الذي أنت تنكر حقيقة وجوده وأنه منزل من الله على نبي مرسل.

وربما في المستقبل سنستطيع خلق حياة بكتيرية من الصفر

قال الله تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ"

سورة الحج، الآية 73

يأخي أنت تغوص في بحر لجي ولا تعرف كيف تسبح، أعد النظر في تصوراتك كي لا تندم مستقبلاً.

يعني تستشهد بأيات من الدين لاثبات صحة الدين ؟

واذا وجدت نظرة خاصة اكثر منطقية من الدين سأتبعها بكل بساطة

أرى في النص إنكارًا لمعنى الحياة وكأنها لا تتجاوز الأكل والشرب والنوم، لكن هذه ليست الحياة بل مجرد مقوماتها البيولوجية. الحياة الحقيقية ليست أن تبقى على قيد التنفس، بل أن تكون على قيد المعنى. تصرف الأم والأب في القصة أناني، تمامًا كما أرى أن الانتحار فعل أناني وجبان، لأنه ليس هروبًا من الألم بل هروب من المسؤولية، من التجربة التي كان يمكن أن تمنحك فهمًا أعمق لذاتك وللآخرين الذي يهرب بالموت لا يبحث عن الحقيقة بل يغلق الباب قبل أن يكتشفها. الإنسان ليس كغيره من المخلوقات، لم يُخلق ليأكل ويشرب فحسب، بل ليعي ويفكر ويختار. هو الكائن الوحيد الذي يدرك الجمال في زهرة لا تنفعه، ويبكي أمام لوحة، ويشعر بمعنى التضحية والرحمة، هو من يعرف الخطأ قبل أن يُحاسب عليه، ومن يعبد الله حبًا لا طمعًا، وخضوعًا لا خوفًا. هذه هي الحياة كما أراها، رحلة وعي ومسؤولية لا هروب ولا عبث، فالحياة ليست لماذا نعيش بل كيف نعيش، وكلما ازداد الإنسان إدراكًا لجمال الخلق ازداد يقينًا أن وراء هذا الجمال خالقًا حكيمًا لا يعبث.

أخي، يبدو أنك لم تفهم القصة تمامًا. فالقصة ليس غرضها عرض فكرة أن نعيش الحياة ونأكل ونشرب فقط، بل عرض حياة الإنسان المصاب بالعبثية (اللاجدوى). فهو يعيش حالة من التخدير العاطفي، حيث لا يصبح للإنجازات والأهداف أي قيمة. وطبعًا هذا - كما قلت - لأولئك الناس المصابين بحالة اللاجدوى.

كما أن فكرة الأكل والشرب والنوم هي رمزية أكثر منها حقيقية. بل إن القصة بأكملها ليست تجسيدًا واقعيًا، بل قصة رمزية فلسفية، بحيث لا يمكن إسقاطها على الواقع بحذافيرها، ولكن يمكن فهم دلالاتها الخفية التي يمكن تطبيقها على الواقع.

وتصرف الأم والأب في القصة ليس تصرفًا حرفيًا - لأنهما ماتا - وكما قلت: القصة رمزية أكثر منها واقعية.

فعل أناني وجبان، لأنه ليس هروبًا من الألم بل هروب من المسؤولية، من التجربة التي كان يمكن أن تمنحك فهمًا أعمق لذاتك وللآخرين الذي يهرب بالموت لا يبحث عن الحقيقة بل يغلق الباب قبل أن يكتشفها. الإنسان ليس كغيره من المخلوقات، لم يُخلق ليأكل ويشرب فحسب، بل ليعي ويفكر ويختار.

ولقد شرحت هذه النقطة في تحليلي وانا اوافقك الراي.

هذه هي الحياة كما أراها، رحلة وعي ومسؤولية لا هروب ولا عبث

الهروب لا يعني العبث أخي. الهروب هو - كما قلت - الانتحار، وأنا رافض للأمر. لكن العبث هو أن تفهم أن الحياة عبثية، غير منطقية، غير متكافئة، مجرد احتمالات لا متناهية. وهذه رؤيتي الخاصة، وهي لا تقوم على منظور ديني. فالمشور الديني الذي تؤمن به يرى أن الحياة ليست عبثية، ولكن إذا ابتعدنا عنه سنرى عبثية الحياة ولا معقوليتها."

فحتى نحن أحيانًا، كمحاولة أخيرة، نقرر الانتحار كمحاولة أخيرة للنجاة، للحصول على إجابات، ولكن النتيجة هي عدم لا متناهي.

اذا مالذي يمكننا فعله ؟

حقيقةً، لا يمكننا فعل شيءٍ حيال حقيقة هذا الفراغ الوجودي. بل إن أجدادنا حاولوا التخلص من هذا الفراغ بطريقة مشهورة جداً، ألا وهي الدين. حيث يأتي الدين كمُقدّم إجابات عن الخلق، كمنقذ من النهاية، كإجابات سهلة كي لا يغرق الإنسان في دوامة من العبث واللاجدوى. لهذا تجد قليلاً من المتدينين ينتحرون، لأنهم ببساطة استطاعوا الهروب من هذا الصراع الداخلي عن طريق الدين.

هذا جزء من النص عندما قراته شعرت أنه مستفز خصوصا كلمة التخلص من هذا الفراغ بطريقة مشهورة جدا ألا وهي الدين ونص اخر يقول والنتيجة عدم لا متناهي وصراحة انا قرات مثل هذه الاقوال في كتب تنظر للدين نظرة سطحية

الامر كله يعتمد على مااذا كان الشخص مؤمنا او لا

الخطأ في الاستدلال اعلاه تصور الحياة كخالق للمعنى ،

يعني انسنة الوجود.

بينما تكوين التصورات اي المعنى هو احدى الصفات الانسانية لا الوجود، فنحن احدى الموجودات ولسنا الوجود