لقد أصبح الإنسان الحديث عبدًا للصورة لا للمضمون، فهو يهرول خلف كل ما يلمع، ولو لم يكن ذهبًا، يظن أن الحقيقة ما يُقال بصوت عالٍ، لا ما يُبنى على حجةٍ متينة، ينسى أن الخطابة ليست بديلاً عن التخطيط، وأن الجملة الرنانة لا تُقيم دولة، ولا تُصلح مجتمعًا، صار الناس يزِنون الأفكار بعدد الإعجابات، لا بعدد البراهين، ويمنحون الولاء لمن يُحسن الكلام، لا لمن يُحسن الفعل، والحق أن المجتمعات التي تحكمها العواطف لا العقول، تصنع زعماء من دخان، وتبني قراراتها على الريح، ثم تتعجب، كيف يأتي السقوط من أول عاصفة !

سطحية الفكر تغتال الفِكر

في عصور الانحطاط، لا تحتاج السلطة إلى أن تقمع المثقف، بقدر ما يكفيها أن تغرقه في السطحيات، فكلما علا الضجيج، خفت صوت الحكمة، وكلما تراكض الناس خلف التفاهة، انزوت العقول في زوايا الصمت، إن التهريج أسهل من التعليم، والتصفيق أسرع من التأمل، ولذا، فإن من يطلب الإصلاح، عليه أن يحفر عميقًا في طين الوعي الشعبي، لا أن يرش عليه العطر المزيّف، العقول التي لا تسأل عن السبب، تعيش على الفتات، وتُصفّق لمن سرقها، ما دام قد أبكاها بخطبة، أو أضحكها بنكتة، هذا هو منطق السطحية، الذي يحكم أغلب العقول في مجتمعاتنا !

العادة تقتل الأخلاق إذا تُقدّست

ما من مجتمعٍ خضع للتقاليد كما خضع المجتمع العربي، لا لحرصه على الأخلاق، بل لخشية الخروج عن السرب، فقد صارت العادة عنده دينًا، والدين عادةً، وصار من يفكر خارج الإطار متهمًا، لا مجتهدًا، ولعل الكارثة الكبرى تكمن في أن أغلب الناس، يظنون أن ما ورثوه هو الحق، وما عداه باطل، حتى لو أثبتت الأيام أن في الموروث ظلمًا أو خرافة، إن تقديس العادة يقتل الروح، ويمنع التغيير، لأنه يجعل من القديم إلهًا لا يجوز المساس به، والمجتمع الذي لا يُراجع عاداته، سيُعيد أخطاءه، حتى لو تغيرت الأسماء !

وعي الشعوب لا يُشترى بالتصفيق

المشكلة في الشعوب ليست أنها جاهلة، بل في أنها ترفض الاعتراف بجهلها، فلو أن كل فرد علم أنه لا يعلم، لبدأ بالتعلّم، لكن العقول التي تعتقد أن كل ما تعرفه هو الحقيقة، لا تتغير، لأنها لا ترى حاجة لذلك، وهنا مكمن العلّة، نحن لا نربي أبناءنا على التساؤل، بل على الطاعة، لا على الشك، بل على التسليم، فيكبر الطفل حاملاً عقلًا لا يُفرّق بين النص والمفسّر، ولا بين الدين والدجال، في مجتمعٍ كهذا، يصبح الكذب عمودًا من أعمدة الخطاب، ويُصبح التملّق سلعة رابحة، والصدق خسارة فادحة، والوعي لا يُزرع بخطبة في يوم الجمعة، ولا يُؤخذ من منصات التواصل، بل يبدأ من مناهج تُعلّم التفكير لا الحفظ، وإعلام يُعلّم النقد لا الطاعة، ومجتمعٍ يحترم السؤال لا يُكفّره !