الشر المقنع

صراع الخير والشر مستمر منذ بدء الخلق، وسيبقى حتى النهاية. لا يمكن لهذين النقيضين أن يلتقيا، فإما أن تكون أفعال الإنسان نابعة من الخير، أو من الشر. لكن، هل هذا الشر دائمًا واضح للعيان؟

كلا، فغالبًا ما يُخفي الشر وجهه الحقيقي خلف أقنعة مزخرفة أو مبررات منمّقة. يتوارى تحت شعارات براقة، أو يلبس رداء النية الطيبة، ويصعب كشفه إن لم نكن نعرف الخير حق المعرفة.

من يملك البصيرة ويميز جوهر الخير، يستطيع أن يكشف زيف القناع ويعرّي الشر من تزويقه وخداعه. لأن الخير نور، ومن يعرف النور لا تنطلي عليه ظلمة.

في مجتمعاتنا، يبدو أن الشر يملك قوة كبيرة، يتجلى أحيانًا في صورة سلطة، أو مال، أو جاه. قوة مادية تجعل الناس تنجذب إليه، عن وعي أو عن غفلة. فينشأ التعلق بالمظاهر بدل الجواهر، ويُستبدل النور بالظل.

لكن الخير، رغم هدوئه وبساطته، يملك في جوهره قوة لا تُقهر. هي قوة الإيمان، والضمير، والحق. فحتى وإن بدا الشر منتصرًا، فإن الخير هو البذرة التي تنمو ببطء… لكنها لا تموت

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مقال مميز زينب، فعلاً ليس من السهل امتلاك موهبة التمييز والبصيرة القوية للتمييز بين الخير والشر، خصوصاً أنه قد تكون هناك درجات متفاوتة بين الخير والشر، كما أن الأمر الواحد قد يكون خير من وجه وشر من وجه آخر، وعلى الإنسان التدرب على ملكات ومواهب التمييز للتفرقة بين الخير والشر، وقد تناول هذا الموضوع الإمام العز بن عبد السلام في الصفحات الأولى من كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام"، وأوضح فيه قواعد الحكم على الأمور من حيث خيرها وشرها.

أبدعتِ! ولكن لا نريد أن ننسى أن هناك من يغمض عينه عن الخير عمدًا لأن الشر يعطيه ما يتمناه حتى ظَلَم وقَهَر ونَهَب بل وغن كان لصالحه أن يدعي على الخير الكذب سيفعل! طالما أن ذلك لمصلحته الباطلة ولمكاسبه الدنيوية الرخيصة والجشعة في الوصول للمال والسلطة والقوة بأي ثمن وعلى حساب أي شيء

ذكرتني بقصة أبو حارثة حصين بن علقمة من بني بكر بن وائل وأسقفهم، من الأشراف الثلاثة عشر في وفد نصارى أهل نجران إلى الرسول محمد بن عبدالله. كان رجلاً من العرب من بكر بن وائل، ولكن دخل في دين النصرانية فعظمته الروم وشرفوه، وبنوا له الكنائس ومولوه وخدموه، لما بلغهم من علمه واجتهاده وصلابته في دينهم....

وكان مع ذلك يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن صده الشرف والجاه عن اتباع الحق....

 يشهد عليه أخيه كرز بن علقمة انه لما توجهوا من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له وإلى جنبه أخيه كرز بن علقمة يسايره، إذ عثرت بغلة أبي حارثة. فقال كرز: تعس الأبعد - يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. فقال له كرز: ولم يا أخي. فقال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظره. فقال له كرز: وما يمنعك من اتباعه وأنت تعلم هذا؟ فقال له: ما صنع بنا هؤلاء القوم شرفونا، ومولونا، وأخدمونا، وقد أبو إلا مخالفته وعدم الايمان به ، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى.

الخير و الشر متلازمان في كل زمان و مكان منذ بدء الخليقة قد يجتمعا و لكن لا يلتقيان، من يتحرى الخير يجده و من يبحث عن الشر فهو موجود و بكثرة.

من يفعل الشر يعلم تماما أن ما يفعله هو شر و شيء غير سليم و لكنه يفعله لتحقيق أهداف و أجندات خاصه، و لا بد له أن يدافع عن أفعاله و لو أستطاع أن يحول مفهومك للخير و الشر و يحاول إقناعك يما يفعله أنه عين الصواب.

قليل جدا من الناس من يعترف أنه شرير بل على العكس يحاول ان يقنع الجميع بأنه ملاك.

قال تعالى "فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه ۝ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه"

الكلمات التي كتبتِها عميقة للغاية وقد لامست في داخلي شعورًا ظلّ يتردد مؤخرًا فكم من مرةٍ لبس الشرّ قناع الخير وكم من مرةٍ خدعتنا البهرجة وضلّ البصر عن البصيرة.

إن امتلاك الوعي والبصيرة هو ما يمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الحق والزيف بين النور الحقيقي والضوء المصطنع.

من يسكن النور قلبه لا يفتنه بريق كاذب ومن يعيش بقيم الخير حتى وسط عالمٍ مليء بالضجيج والظلال سيبقى نوره ثابتًا لا ينطفئ.

فالخير ليس دائمًا صاخبًا لكنه دائمًا أصدق وأثره في الأرواح لا يُنسى.

شكرًا لك على كلمات تُجبرنا على التوقّف قليلًا لنتأمل ونتذكّر أن المعارك الحقيقية ليست كلها ظاهرة وأن البساطة كثيرًا ما تكون أقوى من كل أشكال السلطة والمظاهر .

شكرا لردك الرائع واسلوبك الجميل في التعبير

شكرًا لك على كلماتك الرقيقة لقد أثرت في نفسي حقًا .

يقول سيد قطب في رسالتة لاخته "افراح الروح"

"بذرة الشر تهيج، ولكن بذرة الخير تثمر، إن الأولى ترتفع في الفضاء سريعًا، ولكن جذورها في التربة قريبة، حتى لتحجب عن شجرة الخير النور والهواء، ولكن شجرة الخير تظل في نموها البطيء؛ لأن عمق جذورها في التربة يعوِضها عن الدفء والهواء.

مع أننا حين نتجاوز المظهر المزور البراق لشجرة الشر، ونفحص عن قوتها الحقيقية وصلابتها، تبدو لنا واهنة هشة نافشة في غير صلابة حقيقية. على حين تصبر شجرة الخير على البلاء، وتتماسك للعاصفة، وتظل في نموها الهادئ البطيء، لا تحفل بما ترجمها به شجرة الشر من أقذاء وأشواك."