كنت كعادتي أقرأ القرآن كل اليوم، ولم أكن أركز كثيرا على المعنى، ولكن هذه المرة كانت سورة الحج أقرأ حتى وصلت الى هذه الأية:
«أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور» الأية 46 من سورة الحج.
توقفت عندها طويلًا...
كيف يقول الله إن العقل في القلب؟
أليست مراكز التفكير والتحليل والذاكرة في الدماغ كما يقول الطب؟
هل القرآن يتحدث هنا عن القلب كعضو؟ أم عن شيء آخر أعمق؟
افترضت أن القلب ليس مجرد مضخة للدم، بل مركز إدراكي روحي، يرسل إشارات إلى الدماغ، تُترجم إلى موجات كهربائية وفكرية. وأن الإدراك الحقيقي لا يحصل في الدماغ وحده، بل يبدأ من القلب المتصل بالروح.
وبينما كنت مطمئنًا لهذه الفكرة، رأيت اعتراضًا:
وماذا عن الأشخاص الذين يعيشون بقلب اصطناعي؟ أليسوا واعين؟
هنا بدأت الفكرة تضعف لكن لم أتوقف عن التفكير فيها، بل استنتجت منها فكرة أعمق:
ربما المقصود بـالقلب في القرآن ليس العضو الذي نعرفه طبيًا، بل قلبٌ روحي باطني، هو مستقر الروح، ومركز البصيرة. لأننا نرى في الواقع أن الإنسان إذا توقف قلبه يموت فورًا، أما إذا تعطل دماغه، فقد يبقى على قيد الحياة فترة من الزمن.
من هنا تساءلت:
هل من المنطقي أن يكون دور الروح هو مجرد إحياء الجسد فقط؟
ألا يمكن أن تكون الروح هي أيضًا موضع الإدراك، والفهم، والتجلي العقلي؟
وإذا كانت الروح في القلب، فربما يكون العقل نفسه في جوهره تجليًا روحيًا، لا ماديًا فقط؟
ذهبت ابحث عن أراء بعض المفسرين و المفكرين فيها ولكني رأيت ان أفكارهم لا تختلف عن فكرتي.
المفسرون الكبار كابن كثير والطبري والقرطبي:
رأيت أنهم أجمعوا على أن القلب في القرآن هو محل الفقه والإدراك والعقل.
واستدلوا بالآيات مثل:
"لهم قلوب لا يفقهون بها"
"إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"
الغزالي ميّز بين القلب العضوي والقلب الروحي و قال إن القلب الحقيقي هو اللطيفة الربانية التي تُدرِك وتختار وتُحِب وتكرَه، وهي التي يحاسبها الله.
وابن القيم قال إن الروح تتعلق بالقلب، وأن القلب هو محل الحياة الحقيقية والعقل الحقيقي كما يرى أن العقل ليس مادة في الدماغ، بل أمرٌ روحي يُدرك به الإنسان الغيب والمعنى والحق.
واستندت إلى ما توصل إليه العلم الحديث
أن القلب يحتوي على شبكة عصبية معقّدة تُسمى "الدماغ القلبي"، قادرة على التعلم والتذكر واتخاذ القرار.
أن القلب يرسل إشارات عصبية وكهرومغناطيسية إلى الدماغ، وتؤثر هذه الإشارات في الحالة الشعورية والإدراكية.
أن القلب لا يستجيب فقط للعواطف، بل يُوجّه الدماغ في اتخاذ قرارات عاطفية ومعرفية.
أن الاتصال بين القلب والدماغ ليس أحادي الاتجاه، بل تفاعلي معقّد، مما يعني أن "التفكير" لا يتم في الدماغ فقط.
ثم تفاقمت عليا هذه الأسئلة التي لم أجد لها جواب مقنع:
هل الإدراك عملية كهربائية فقط؟ أم تجربة روحية داخلية؟
هل الوعي يتولد من الخلايا؟ أم هو هبة الروح المتصلة بالقلب؟
هل القلب يشعر أولًا ثم يُرسل الشعور للدماغ؟ ولماذا نحس بالحزن في صدورنا لا في رؤوسنا؟
لماذا اختار الله في كتابه أن يربط العقل بالقلب وليس بالدماغ؟
إذا كانت الروح هي التي تُحيي الجسد، فلماذا لا تكون أيضًا هي التي تعقِل وتدرك؟
هل الروح "تفكر" من خلال القلب، ويقوم الدماغ بترجمة تلك الإشارات إلى تصرفات وسلوك؟
ماذا لو كان الإنسان يملك عقلًا ثلاثي الطبقات:
عقلًا عضويًا في الدماغ (المعالجة).
عقلًا باطنيًا في القلب (الشعور والبصيرة).
عقلًا روحيًا في الروح (النية والإلهام).
لم أعد أرى الإنسان كتفاعل كيميائي داخل دماغ، بل ككائن مركّب،فيه: الدماغ يُحلل، القلب يُلهم، والروح تُحيي وتُضيء، وبذلك، يكون العقل هو ثمرَةُ تفاعل بين هذه القوى الثلاث، ويكون الإنسان أكثر من مادة، إنه كائن يحمل المعنى والنية والمصير.
التعليقات