منذ الأزل، ظلّ الحلم لغزًا يحير الإنسان: كيف نرى أشخاصًا لم نلتقِ بهم بعد؟ أو أماكن لم نزُرها من قبل؟ ولماذا تتحقق بعض الأحلام كما لو أنها لمحات من مستقبل مكتوب؟

انطلاقًا من هذه الظواهر، أقترح فرضية فلسفية مفادها أن:

النفس أثناء النوم تنتقل إلى عالم شبيه بعالمنا، مستقل في الزمان والمكان، ترى فيه ما هو قادم، وتعود بالرسائل على هيئة حلم.

أصل الفرضية

الإنسان ليس فقط جسدًا ماديًا، بل كيان يتكون من:

جسد: يرصده الطب، ويعالجه العلم التجريبي.

نفس: الكيان الواعي الباطني، الذي يشعر، ويتألم، ويتلقى، ويخزّن ما يتجاوز الجسد.

وقد ورد في القرآن:

«ونفخت فيه من روحي»

أي أن في داخل كل إنسان نفحة من سرّ إلهي، لكن النفس هي من تحمل هذا السر وتعيشه.

وفي موضع آخر:

«الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها...»

وهذا يدل على أن النوم نوع من الخروج المؤقت للنفس، وقد تكون فيه مطلعة على شيء لا تراه الحواس.

لبّ الفرضية

أثناء النوم، تنفصل النفس عن الجسد جزئيًا، وتدخل عالمًا غير مرئي، لكنه متّصل بالواقع، وقد يكون سابقًا له زمنيًا.

في هذا العالم، يمكن للنفس أن:

تلتقي بأشخاص، تشهد أماكن لم تُزر بعد، ترى مواقف مستقبلية، تتلقى رسائل تنبيه أو بشارة.

لكن هذا العالم الموازي ليس مشتركًا دائمًا بين الناس.

بمعنى قد تحلم بلقاء شخص في مكان معين وتخبره أنك رأيته في المنام، لكنه لم يحلم بك.

لأن الحلم رسالة خاصة بك أنت فقط، حتى وإن احتوى على أشخاص آخرين.

أمثلة من الواقع:

مثال 1: الحلم المتحقق

فتاة تحلم بأنها ترتدي ثوبًا معيّنًا في زفاف في مكان لم تزره قط.بعد سنوات، تقف بنفس الثوب، في نفس المكان، بنفس الزينة.

كيف لعقلها أن يتخيل كل تلك التفاصيل بدقة؟

أهو العقل الباطن؟ أم النفس رأت المشهد قبل أن يتحقق؟

مثال 2: حلم التحذير

رجل يرى في نومه أنه يسير في طريق مظلم ويصادف حادث سيارة. في اليوم الموالي، يسلك نفس الطريق ويتجنّب الحادث بعد أن تذكّر الحلم.

كيف يمكن تفسير ذلك؟ هل هو صدفة؟ أم أن النفس أنذرته بما هو آتٍ؟

قد يُقال:

لكن لماذا لا يرى الطرف الآخر ما رأيته أنت؟ إن كان هناك عالم فعلي، فلماذا الاتصال ليس متبادلًا؟

الجواب في ثلاث احتمالات:

1. النفس ترى ما يخصك وحدك؛ الرسالة لك أنت فقط.

2. الطرف الآخر قد يكون رأى الحلم، لكنه نسيه أو لم يفهم رمزه.

3. الحلم قد يُجسّد الشخص رمزيًا، لا يعني أن نفسه حضرت فعليًا.

هل هذا علميًا قابل للإثبات؟

لا، لأن:

العلم التجريبي يهتم بما يُقاس ويُكرّر.

النفس، والوعي، والحلم، تنتمي إلى مجال داخلي تجريدي.

لكن هذا لا يعني أن الفرضية خاطئة.

بل يعني أنها من نوع المعرفة الوجودية المعاشة، لا المعرفة المخبرية.

لا أدعي أن هذه الفرضية قانون علمي، لكنها محاولة لفهم الغموض العميق الذي نعيشه في الأحلام.

ربما لا نعرف بدقة ما يحدث حين ننام، لكننا نعلم يقينًا أن في داخلنا شيئًا أكبر من الجسد، شيئًا يرى، ويشعر، ويتنبّأ، ويحذّر. ذلك الشيء هو النفس، حين تزور عالمًا لا تراه العين، لكنها تعود منه حاملة ما لا يُقال.