الطبقة الأرستقراطية في مصر، أو (الناس المبسوطين) مثلما يقول المصريين، يستخدمون اللغة الإنجليزية بكثرة في إستبدال واضح للعربية، فالأطفال في المدارس يدرسون بها وقوائم المطاعم مكتوبة بها، وأسماء المحلات التجارية أيضاً. أسماء الملابس والأطعمة والأماكن وهلم جرا ... كل هذا يكون بلغة الفرنجة عند الطبقة الغنية مادياً وثقافياً.
وبين مؤيد ومعارض نحاول نحن كباحثين إستقراء المشهد من أعلى، متجنبين الإنحيازات التأكيدية والمغالطات المنطقية والإنتماءات الأيديولوجية.
نرى أن المؤيدين هم أنفسهم المستخدمين لها أو الذين ولدوا في بيئة، وربما المستفيدين من ذلك بطريقة أو بأخرى، وهناك الفئة التى تتباهى بأنها ثنائية اللغة وغالباً يكونوا من الطبقة الدنيا ويتسلقون للطبقة العليا وبذلك فهم مُقلدين.
أما المعارضين وهم كُثر، فلديهم حججهم مثل أن العربية لغة أهل الجنة وهي اللغة المفضلة عند الله حيث بها أنزل القرآن على نبيهم، وهناك البعض ممن يقولون بنظرية المؤامرة وأن الدول العظمى تريد من ذلك تغريب الشرق ومحي تراثه.
في البداية يجب أن نقف على أرض مشتركة أولاً وهي تعريف اللغة. اللغة ليست مجرد أصوات تنتج من الأحبال الصوتية أي وسيلة تواصل بين البشر، بل إنها منتج حضاري وثقافي عام مشترك بين أمة ترتبط مع بعضها في تاريخ مشترك وربما فكر سياسي وديني متشابه وبذلك فاللغة هي كائن حي تولد وتنمو وتشب وتشيخ وربما تحتضر أيضاً.
قديماً كانت اليونانية هي لغة العلم والثقافة، بمعنى أن أي مواطن من أي مكان يرغب في تثقيف نفسه سواء لشغفه بالمعرفة أو التباهي فعليه دراستها، وبعد عدة قرون نرى اندثار اليونانية، وبزوغ اللاتينية وهكذا، حتى العربية كانت في فترة ما لغة الصفوة حيث نرى بعض الملوك الأوروبيين يتباهون بإتقانهم لها وهذا بعد ترجمة الكثير من الكتب العربية إلى اللاتينية على العكس من الآن حيث يحدث العكس لأن العربية لم تستطع مواكبة العصر ولن تكون لغة للعلم أو للتكنولوجيا أبداً.
ثم نهضت أوروبا من ثباتها الكهنوتي، ونرى كيف أن ترجمة مارتن لوثر للكتاب المقدس كانت حدثاً فارقاً في حياة الألمان، وأمست الألمانية هي اللغة الأهم آنذاك، وبعد الكثير من الأحداث التاريخية المتشعبة والاستعمارات الدموية والاستثمارات المجحفة، تصبح الإمبراطورية الذي لا يغيب عنها الشمس هي البقعة المميزة في العالم المعروف آنذاك، بلغتها الإنجليزية الحديثة، وبذلك نراها احتلت مكانة آثينا والإسكندرية وبغداد، في المركزية العالمية، هذا طبعاً على اختلاف تباين كل منطقة منهم عن الآخرى، اكتشاف قارة أمريكا الشمالية وما تبعه من مجازر وإبادات يشيب لها الولدان، ثم انتقال معظم الناس المتحدثين للإنجليزية إلى هناك، وهذا لأسباب سياسية واقتصادية لا داعي لذكرها الآن.
نرى زيادة في انتشار اللغة في الأراضي الجديدة، ثم بعد أفول شمس بريطانيا العظمى، وسطوع نجوم العلم الأمريكي على كل رؤوس العالم، وتفوقها في جميع المجالات تقريباً، هذا من دوره أن يعزز مكانة لغتها في نفوس باقي سكان العالم والسعي لتعلمها، خصوصًا لأنها غنية إقتصادياً وهذا معناه زيادة في الإنفاق على البحوث العلمية وهذا معناه سعي العلماء والمتعلمين للسفر إليها، وانتشار بروباغندا الحلم الأمريكي وما إلى ذلك من ألاعيب نفسية وحيل إجتماعية، ومما سبق نستنتج أن حلول اللغة الإنجليزية بديلاً عن أي لغة أخرى هو تطور طبيعي لعجلة التاريخ وهذا لن يمحى التراث، وذلك لأنه مدون وكل ما هو مكتوب لن يموت.
التعليقات