البشر لا يريدون السعادة

كلنا نسمع عبارة " ضرورة الخروج من منطقة الراحة" وأن علينا العمل مهما كان ذلك مؤلما ومتعبا، هذا ما يجعلنا في صراع دائم مع أنفسنا العميقة، فنحن لا نريد الألم ولا المعاناة، وأكثر ما نطمح له هو أن نكون حاضرين في العالم بوجودنا المتميز وسعادتنا الخاصة بعيدا عن التقلبات والآلام التي تسببها لنا الحياة، لذلك نبقى نتخبط بين ما يجب أن نفعله وما نفعله فعليا، لسبب بسيط جدا، وهو أن حلمنا في تحقيق السعادة التي نشرئب إليها مُعلق على الأفعال التي نظنها توصلنا إليها، فنجد شخصا ما يظن أن راحته ومتعته في العمل فيجد فيه حياته وذاته ، وشخص أخر يرى أن العمل شقاء وألم فيفعل كل ما بوسعه كي يتحرر منه، وهنا يبرز السؤال الأهم، ما العلاقة بين السعادة والمتعة؟ مالفرق بينهما؟ هل علينا أن نبحث عن السعادة أم عن المتعة؟

في عبارة شيقة جدا لسلافوي جيجك يقول فيها" السعادة مسألة غير أخلاقية" ، فمسألة تحقيق السعادة هي مجرد فكرة أيدولوجية لا أكثر، إن البشر في ذواتهم السحيقة لا يريدون السعادة حقا ، ولا يرغبون فيها فعليا، بل يريدون اتباع ما يحبون ويتمتعون به، فهم مستعدون للمعاناة من أجل ما حبونه ولو تمكنوا منه بدون معاناة لما رغبوا فيه أصلا، فالكاتب الشغوف بالكتابة مثلا يعاني باستمرار في البحث والقراءة ويتعب ويتألم ويموت ويولد من جديد مع كل نص جديد يكتبه لكنه مع هذه المعاناة يشعر بالمتعة الغامرة ويتلذذ بها، يقول جيجك في مثال أوضح، أن علماء الكمياء مثلا يعلمون جيدا حجم المخاطر التي تواجههم لكنهم لا يأخذون بالاعتبار احتمالية موتهم بسبب الإشعاع أصلا، لأن شغفهم بما يعملون ومتعتهم به أعلى من مخاوفهم وآلامهم الجسدية . هنا فقط تكون المتعة الحالمة والشغف أهم من السعادة وأكثر أخلاقية منها، لأنها تضحية من أجل ما نراه يستحق فعلا.

الأهم من هذا في رأي جيجك أننا لا نريد الحصول على ما نعتقد أننا نريده فعلا، وأن السعادة التي نطمح لها سرعان ما تتبين أننا لا نريدها أصلا، أليس كثيرا ما كنا نظن أننا سنصل لقمة السعادة إذا حصلنا على وظيفة أو سيارة أو هاتف أحلامنا، وبعد امتلاكه يختفي الشعور تماما وندرك أنه كان مجرد هباء؟ والامر ينطبق على الزواج والصداقة والعمل...وكل شيء نعتقد انه سعادة.

إذن في رأيك: هل فعلا الحلم والشعف أهم من السعادة؟ كيف للركض وراء سراب السعادة أن يقتل الشعف والمتعة ؟ اخبرنا عن تجربتك مع الشعف وطريقة استمتاعك به؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

اعجبتني فكرة المقال جدا .. لدرجة انها خلقت عندي الرغبة في انتحالها لنفسي .. فهي تتفق كثيرا مع فكرتي حول السعادة .

ارى ان السعادة وهم .. و الأوهام غير قابلة للتحقيق .. و دعني اختلف معك قليلا .. فليست المتعة غاية .. المتعة هي طريق يظن الأنسان انه ينتهي به الي السعادة .. و لذلك فإن تحقيق المتعة لن يجلب السعادة .. و البشر المرفهين ليسوا سعداء .. يقول تولستوي في افتتاحية روايته " انا كارنينا " البشر السعداء يتشابهون و لكل انسان طريقته في التعاسة .. و لست اعتقد انه هنا يقصد السعادة بالمعني الذي يظنه الناس .. و لكنه يقصد معنى آخر نغفل عنه .. و اقصد هنا راحة البال .. و هي عبارة يشهد بصدقها الواقع .. فقد التقيت في حياتي ببعض الناس يعيشون في حالة من السلام و الرضا تجعلهم مرتاحي البال .. و هم جميعا يتشابهون .. غنيهم و فقيرهم

لذلك فإن الحقيقة الجديرة بالبحث ليست السعادة و إنما راحة البال .

فليست المتعة غاية .. المتعة هي طريق يظن الأنسان انه ينتهي به الي السعادة .. و لذلك فإن تحقيق المتعة لن يجلب السعادة .. و البشر المرفهين ليسوا سعداء .. يقول تولستوي في افتتاحية روايته " انا كارنينا " البشر السعداء يتشابهون و لكل انسان طريقته في التعاسة .. و لست اعتقد انه هنا يقصد السعادة بالمعني الذي يظنه الناس .. و لكنه يقصد معنى آخر نغفل عنه .. و اقصد هنا راحة البال .. و هي عبارة يشهد بصدقها الواقع .. فقد التقيت في حياتي ببعض الناس يعيشون في حالة من السلام و الرضا تجعلهم مرتاحي البال .. و هم جميعا يتشابهون .. غنيهم و فقيرهم

أحسنت وأوجزت أستاذ ياسر ، بالفعل المنعة ليست بهدف ولا حتى مبدأ بل هي نهج ينتهجه المرء وصولا للعيش السوي مع ذاته، على أن لا تكون متعة فارغة فتتحول إلى لذة فارغة أيضا ثم إلى إدمان وهوس، فحتى المتعة إذا استعملت لغير ما أنيطت له تحولت إلى سعادة واهمة ثم إلى ألم منقلب عنها، فالقراءة متعة، لكن القراءة هنا منهج للتربية والتطور والبحث والعلم، فإذا استخدمت لكي تكون مهربا فجا من الواقع فقط دون غاية او ليصبح الانسان قارئ نهما فقط لاجل القراءة يصبح هنا الموضوع ادمانا ثم هوسا فارغا باللاشيء، فنجد نوع معين من القراء من يقرأ عشرات الكتب لكن لا تجد في عقله واخلاقه وسلوكاته ما نسبته 1 بالمئة منا قرأ وكأنه كان يقرأ هربا أو بريستيجا لا أكثر، هنا تتحول القراءة الى عالم وهمي تدخله كما تخرج منه فارغ الوفاض، وانا لست ضذ ان تصنع عالما خياليا لنفسك، لكن ضد أن ترغم الاخرين على عيشه معك انه حقيقة.

أختلف معك بأن السعادة وهم.، لأن الأمر يتعلق بمدى إدراك الشخص لها وطريقته للنظر إلى الحياة ويتعلق الأمر بقدرته على معرفة نفسه وبالتالي معرفة ما قد يجعله سعيداّ. من يخلق الوهم هو الإنسان وهو تبرير لعدم قدرته للوصول أو للهروب من كسله وعدم رغبته للمكافحة والعمل والجد.

اذن دليني على احد وجدها .. أو على الأقل اخبريني بمدلول واضح لتلك الكلمة

تجدها حين تشعر بالرضا بالأمور البسيطة لينتقل معك الرضا لكل ما هو في حياتك والرضا هنا لا يعني التسليم.

أنا شخصياّ أرى السعادة في الرضا ولا أفضل المفهوم الفضفاض لها الذي لا يتسعه شيء ولا يملئه أي شيء فيبقى طوال العمر ينتظر ان يمتلئ.

حسب تعليقاتك ومساهماتك السابقة على المنصة، وجدت بأنك تميل إلى جانب الفلسفي ومتأثر به، أيضًا خلود متخصصة في الفلسفة، سؤالي هنا هل من يقرأ في الفلسفة قد يتأثر بالفلاسفة بشكل كبير؟ فمثلا فكرة أن السعادة ما هي إلا وهم قد لا تكون منطقية لدى الكثيرين؟

Yasser_eb73 أضف ردا

صدقيني انها ليست فلسفة .. انه مجرد رأي بنيته على سنوات عشتها و على اناس كثير قابلتهم طوال تلك السنوات .. و لست ادعو احد الي تبني فكرتي أو الإقتناع بها.

دعينا نحاول ان نضع تعريفا للسعادة .. و لنقل مثلا انها حالة من الفرح و النشوة الدائمين .. فهل يوجد هذا الا في الجنة .. ما نشعر به حقا هي حالة مؤقتة من الفرح تنتهي بالاعتياد او بزوال السبب.

حالي مع الفلسفة هو حال السائح و ليست حال المواطن .. اقرأ فيعجبني و قد لا اقتنع و لكن يعجبني .

ما نشعر به حقا هي حالة مؤقتة من الفرح تنتهي بالاعتياد او بزوال السبب.

هذا ما يسمى بتكيف   السعادة  hedonic adaptation، ولكن يمكننا أن نجعل السعادة ترافقنا لفترة اطول وذلك من خلال الامتنان و تقدير الذات ومكافأتها، بجانب الانخراط في الاعمال المجتمعية.

يقولون انه لا مشاحة في الاصطلاحات .. ما ذكرته انت من الامتنان و تقدير الذات و مكافأتها .. هو ما اعرفه انا براحة البال و تعرفينه انت بالسعادة .. الرضا و القناعة .. و محو كلمات مثل الندم و لو .. و ان ما نحصل عليه فالحمد لله و ما فاتنا فإنه لم يكن مقدر لنا .. كل هذه الأفكار هي ما يؤدي في واقع الأمر الي راحة البال

huda_khashan19 أضف ردا

اليس الامتنان يشعرك بالرضا عن نفسك، وبالتالي ينتابك شعور السعادة

هل فعلا الحلم والشعف أهم من السعادة؟ كيف للركض وراء سراب السعادة أن يقتل الشعف والمتعة ؟ اخبرنا عن تجربتك مع الشعف وطريقة استمتاعك به؟

بعيداً عن أن لفظ "السعادة" فضفاض وكل شخص يمتلك تعريفه الخاص عن السعادة الذي لا يحق لأي شخص استجوابه عليه، ولكن السعادة في طبيعتها غير مستقرة وغير آمنة، كالإنسان تماماً لا يستقر على حال وإن استقرّ يبحث عن التغيير، لذلك يأتي الشغف في مقدمة سعيه ودافعه الأول في الحياة، لأنه لا ينضب بل هو رحلة مستمرة يشعر فيها بالرضا في كل مرحلة .

ربما الأمر يتعلق باختلاط مفاهيم السعادة والشغف والمتعة لدينا، ربما لأننا نطلق على كل ما يرضينا "سعادة" وهذا ما يجعلنا نصرح بأن هدف الإنسان الأول هو السعادة .. ما رأيك ؟

ربما الأمر يتعلق باختلاط مفاهيم السعادة والشغف والمتعة لدينا، ربما لأننا نطلق على كل ما يرضينا "سعادة" وهذا ما يجعلنا نصرح بأن هدف الإنسان الأول هو السعادة .. ما رأيك ؟

نعم المشكلة في اختلاط المفاهيم واختلاط المشاعر في آن واحد، نحن لا ندرك حقيقة الفرق بين المتعة والشغف، ولا بين اللذة والمتعة.....،ونستعملها بترادف شديد، كما اننا لا تعرف الفرق الفاصل بين ما يجعلنا سعداء وما يجعلنا مستمتعين.

هل من الضروري أن يعي الإنسان الفرق بين كل تلك المترادفات، أم البقاء بينها واستخدامها بعشوائية لن يؤثر على سير حياته ؟

هل من الضروري أن يعي الإنسان الفرق بين كل تلك المترادفات، أم البقاء بينها واستخدامها بعشوائية لن يؤثر على سير حياته ؟

الوعي بالفرق بين هذه المفاهيم هو أمر جوهري لا محالة يمكن أن يغير مفهومنا عن الحياة تماما ويعطيها بعد مختلف كليا، لانها ليست مجرد مفاهيم عامة أو حياديةبل هي البنية الفكرية التي تحكم السلوك البشري بطريقة غير واعية، فعندما نعرف أن السعادة أمر غير موجود أصلا لن نهدر كل وقتنا وحياتنا في السعي وراء وهمها دون تحقيق أي نتائج، ومعرفتنا بأن المتعة هي السعادة الت يجب ان نبحث عنها في الاشياء ستسقط إلزامية الافعال علينا، وسنبحث عن ذواتنا الحقيقة في الزمان الذي نعيشه والافعال التي نقوم بها، دون أن نأجل الشعور الجيد الى وقت او زمان اخر، وسنتوقف عن احتقار المتع اللحظية التي هي الحياة الحقيقية ، وقتها فقط سنعرف طريق النجاح، والفرح، لأن الفرح والراحة النفسية ما هي إلا تلك اللحظات المسروقة في اعمالنا التافهة اليومية وليس في ان نكون طول الوقت في غمرة من الايجابية، ولو كانت الحياة طول الوقت ايجابية ورائعة لمللناها ، ولكن حلاوتها في انها لحظات قصيرة تذهب وتجيء، هكذا سنعين باتزان ونتقبل الالم لأننا نعرف أنه مؤقت ايضا، ونعيش الفرح بملئ أنفسنا لأننا نعتبره عملة نادرة.

أيسر طريق لفقدان مفهوم السعادة؛ هو ان تجعلها غاية في ذاتها.

السعادة كالزمن تماماً في الوجود، مجرد مفهوم (شعورٌ) اعتباري، لا يمكن ادراكه بشكل مجرّد. وكما ان الزمن لا يمكن ادراكه إلا بارتباطه بالحركة، فكذلك السعادة لا يمكن ادراكها إلا بارتباطها بالمشاعر الايجابيه الحاضرة في النفس. فهي كالحاضنه لتلك المشاعر، وعلمنا بها لا يكون الا بالشعور، ومجّرد ان نذهل عن تلك المشاعر لننظر إلى السعادة؛ فقدنا المشاعر وفقدنا السعادة تبعاً لها.

فالسعادة في رأيي لا حظ لنا فيها سوى بالشعور فقط. لا بجعلها هدفاً ولا ان نصطفّها إلى جانب كل المشاعر. فهي متعاليه عليها.

 فهي متعاليه

هذا هو التوصيف الادق لما عرضت له في الموضوع فعلا، السعادة كمفهوم ترسندنتالي متعالي ، لا وجود له إلا في مخيلاتنا .

السعادة كالزمن تماماً في الوجود، مجرد مفهوم (شعورٌ) اعتباري، لا يمكن ادراكه بشكل مجرّد. وكما ان الزمن لا يمكن ادراكه إلا بارتباطه بالحركة، فكذلك السعادة لا يمكن ادراكها إلا بارتباطها بالمشاعر الايجابيه الحاضرة في النفس. فهي كالحاضنه لتلك المشاعر، وعلمنا بها لا يكون الا بالشعور، ومجّرد ان نذهل عن تلك المشاعر لننظر إلى السعادة؛ فقدنا المشاعر وفقدنا السعادة تبعاً لها.

احسنت التشبيه وان كان بعيد شيئا ما عنه حقيقة ، فالزمن وإن كان اعتباري هو موجود فعلا ولا اختلاف في حقيقة وجوده، مع الاحتفاظ به كمفهوم مختلف من مجال لمجال ومن استعمال لاخر، لكن السعادة غير موجوة اصلا، فهي تدخل في باب الميتافيزيقيات حرفيا ، لا يمكن ايجادها ولا قياسها او حتى معرفة ماهي على وجه الدقة، فهي الخلود الابدي في النعيم في الدينات السماوية، وهي الفناء الابدي في الدينات الوضعية، وهي المال والقصور في فكر وهي الاتحاد بمن نحب في فكر اخر، وهي صنيع الانسان في فكر وصنيع الالهة في فكر اخر.........الخ.

لا أتفق معكِ في النظر من هذه الزاوية يا خلود، لأنني أرى أن السعادة تشمل الشغف. يتمثّل الطائل الحقيقي من وراء الشغف واتّباعه في قدر أكبر من السعادة. وبالتالي يمكننا أن نصل إلى استنتاج واضح في هذه الحالة، أن السعادة تتبدّل بين الفينة والأخرى، وأن نوع السعادة يتغيّر. ويتوقّف على خياراتنا في السياق الذي نسير فيه. على سبيل المثال، مدمن العقاقير المخدّة يشعر بسعادة وقتية. ويقابله لاعب كرة السلّة الذي يشعر بالسعادة عند تسجيل أكبر قدر من الأهداف، ويقابلهما رائد الأعمال والكاتب والممثّل والمسوّق وعامل المصنع وخبير الحرف اليدويّة والمصمّم.. إلخ. كلٌ منهم يكوّن مفهوم عن السعادة هو المسؤول الوحيد عنه، لا السعادة نفسها.

كلٌ منهم يكوّن مفهوم عن السعادة هو المسؤول الوحيد عنه، لا السعادة نفسها.

هذه هي المتعة ، لا السعادة، السعادة خالية من كل أنواع الألم، في حين أن المتعة هي موازنة مثالية بين الألم واللذة، فصحن الطعمية والفول الذي تتلذذ بأكله، يجلب لك قدرا من الالم أيضا، وربما انتفخاخ القولون لكنك لا تأبه لذلك، التمارين الرياضية القاسية التي تمارسها يوميا رغم انها تسبب لك قدرا من الالم لكنها تجلب لك قدرا غامر من اللذة، الامر نفسه ينطرق على القراءة والعمل..الخ

كايعني ان ما نشعر به هو المتعة واللذة لا السعادة ، لأنه لا يوجد شيء واحد ممنع يمكن ان نفعله دون ان يكون فيه قدر من الالم .

أتردد في المشاركة لأني أرى أن مفتاح الكلام هو "تحرير المصطلحات" وفك التعريفات للأمور المذكورة.

أظن أن "السعادة" في كلام المساهمة وربما في النقول (جيجك) المراد بها معنى "الفرح" السرور النشوة أو ما هو قريب من ذلك. ومن ثم مقارنتها أو موازنتها مع "الراحة والمتعة". (وإن كان الأمر كذلك فلكل مقام مقال في هذه الحالة)

ولكن يهمني أن ألفت النظر إلى حقيقة معنى "السعادة" مجردة (مجردة عن مراد المساهمة والنقول) وذلك من واقع أنها جاءت في كلام رب العالمين بالقرآن الكريم مقابل "الشقاوة" والتي هي العمل المضني بدون ثمرة ونتيجة عائدة رغم بذل الجهد والتعب وتحمل الآلام (كما ذكرنا ذلك عدة مرات على ما أذكر هنا ولكن اختصارا هنا) ولذا فالبشر يشعرون أو يجدون "السعادة" لما يرون ثمرة حقيقة مثمرة نتيجة أفعالهم وكلفة جهدهم الحثيث.

وهذه السعادة نجدها في الحياة الدنيا ونعرفها وهي لم تذكر بالقرآن إلا لأهل الجنة محل السعادة الحقيقية الباقية ربنا يوعدنا والسامعين من المؤمنين آمين.

ولكن يهمني أن ألفت النظر إلى حقيقة معنى "السعادة" مجردة (مجردة عن مراد المساهمة والنقول) وذلك من واقع أنها جاءت في كلام رب العالمين بالقرآن الكريم مقابل "الشقاوة" والتي هي العمل المضني بدون ثمرة ونتيجة عائدة رغم بذل الجهد والتعب وتحمل الآلام (كما ذكرنا ذلك عدة مرات على ما أذكر هنا ولكن اختصارا هنا) ولذا فالبشر يشعرون أو يجدون "السعادة" لما يرون ثمرة حقيقة مثمرة نتيجة أفعالهم وكلفة جهدهم الحثيث

اعتذر منك أستاذ عصام لكني لا اتفق بتاتا مع ما تقول هنا، فالشقاء بالمعنى القرآني يأتي بمعنى التعب والكدح، ما يعني أن الراحة هي رديفة السعادة من منظوره، وليس كما تزعم حضرتك فالسعادة هنا غير مقترنة بعمل حتى يثمر بل هي حالة الراحة التامة والدليل هي القرائن اللفظية والصور الموجودة في القرآن الكريم من قبيل الحديث عن السرر والأرائك والزرابي ...." على سرر متكئين"...فهنا السعادة هي الخلو من التعب .

وهذه السعادة نجدها في الحياة الدنيا ونعرفها وهي لم تذكر بالقرآن إلا لأهل الجنة محل السعادة الحقيقية الباقية ربنا يوعدنا والسامعين من المؤمنين آمين.

لا اتفق هنا، الدنيا ليست دار سعادة في اي دين، بل هي دار الشقاء والكد والكدح والعمل ، لتأتي السعادة في الدار الأخرى كمكافئة على تعب وشقاء الدنيا .

لا داعي للاعتذار فهي وجهات نظر والاستفادة تأتي من استعراض وجهات النظر المختلفة.

وحقيقة لا زلت متمسكا برأيي عن قناعة تامة هنا فالاختلف معك قائم 180 درجة في النقطتين التي ذكرت:

1- لفظة "السعادة" لم تذكر في كلام تعالى بالقرآن الكريم إلا في موضعين اثنين لا ثالث لهما وقد جاءتا مقابل "الشقاء" (مقابل "مقابل" لا أدري من أين جئت بمفهوم "الترادف" أو لعل الأمر يستبان هنا للتو).

وكما ذكرت فـ"الشقاء" معناه متفق عليه على ما أظن وهو "العمل المضمني بالكد والتعب والآلام دون أي ثمرة ونتيجة في النهاية بتحصل منها". ولذا نحن نطلق على الأطفال ونطهم ولعبهم هنا وهناك (دون عائد ينتظر) بالشقاوة.

ومن هذه المقابلة السعادة (وكما جاءت في القرآن الكريم) هي ايجاد الثمرة والنتيجة للعمل في نهاية الأمر. أن تفعل الأمر ثم تجد ثمرته تقتطفها بيديك وتهنأ به وتقر بها عينيك. (ولاحظي أننا نقول في أمثلتنا الدارجة "يا سعدك يا هناك" لم أحدنا يلقى جائزة واستحسان من الآخرين)

ومن الممكن أن استفيض هنا باستخراج أصل معاني الكلمات باللسان العربي المبين. ولكني اكتفى وأحسبها كفية بنصوص ورود ذكر السعادة بالقرآن الكريم.

2- أما النقطة الثانية فعجيبة أنت نفسك بنفسك وبخط يديك أو بكبسة زرك ها تقولين "تأتي السعادة في الدار الأخرى كمكافئة على تعب وشقاء الدنيا"، فقط أنت نظنين أو تعتبرين أن معنى "السعادة" هي الراحة والرفاهية أو النعيم. ولكنها بنفس عبارتك هي مكافئة وجائزة وفوز وقطف ثمرة أو حصاد لما قدموا من عمل وتعبوا فيه وصبروا عليه.

ومن المفترض حسب طبيعة تخصصك أنه أكيد عدى عليك الشعور بـ"...." (شيء نريد أن نسميه هنا!) لما الواحد منا يسعى وراء شيء ثم ثحققه فـ"..." بانجازه ويرى الناس تقطف وتستفيد من ثمرته ونتيجته. وهو شعور من أهم المشاعر التي يسعد بها الإنسان دون منافسة أو منازع على ما أظن. (فبماذا تسميه يا ترى؟)

"فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)" سورة هود

وحتى يكون الأمر حسما بس لا يفوتنا أن نرجع لآيتي السعادة بالقرآن الكريم (وآيات "الشقاء")

هنا لاحظوا "شقوا" مبنية للمعلوم، بينما "سُعدوا" مبنية للمجهول.

فالفريقين عملوا وربما أضنوا في التعب ولكن أهل الجنة هم من لقوا ثمرة ونتيجة لعملهم (لأنه كان صالحا مؤمنا) أولئك هم الوارثين. بينما الآخرين شقوا في الدنيا ولم يجدوا في الآخر إلا العذاب بالآخرة. (كما بآية الكهف: "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي (106)"

ومثال من آيات "الشقاء" الأخرى بالقرآن الكريم لتوكيد المعنى هكذا:

  • "مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ" ﴿٢ طه﴾ صلى الله على نبينا الكريم وآله وبارك وسلم
  • "قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ﴿١٢٣ طه

لاحظوا أن "الشقاء" إن كان بمعنى مطلق التعب والكد والآلام (كما تقول وتعتبر خديجة) لحصل اشكال وتعارض مع آيات أساسية أخرى: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" البقرة ﴿214﴾، "أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ" ﴿آل عمران 142﴾

وإنما المراد بالشقاء: أن تتعب دون جدوى ويذهب جهدك هدر بلا طائل ودون جنى ثمرة له بنهاية المطاف.

وإنما سيكون المعنى الذي تريدين أنت من البداية (والنقول التي جئت بها happiness):

الفرح

السرور

المتعة ربما

شيء من هذا القبيل

وتكون مقابل الحزن أو الغم أو ما شابه

(وليس "السعادة")

هل فعلا الحلم والشعف أهم من السعادة؟

اصلا السعادة تأتي عندما نمارس بشغف، عندما نعمل امر لدينا شغف فيه ونحبه، أحلامنا يمكنها التحول غلى شغف غذا انطلقا في تنفيذها حقا وبدأنا العمل عليها ولم تبقى مجرد أوهام في عقولنا وفكرنا، أحلام نفكر بها في النوم، لا بد أن تصبح اهداف نستيقظ كل يوم لنحققها.

هل علينا أن نبحث عن السعادة أم عن المتعة؟

طبعاً المصطلحين مختلفين؛ فالمتعة من المتاع هو كل ما هو حسي يشبع به الفرد رغبة حسية تمنحه سعادة وقتية لا تلبث أن تزول بزوال موضوع المتعة نفسه. أما السعادة فهو كل ما يُسعد الفرد أو ُيعينه على غرضه وأعتقد أنها ترتبط بكل مبدأ أو فكرة أو حالة نفية روحية تجعل الفرد يعيش منسجماً بينه وبين نفسه وبينه وبين الناس وبينه وبين الكون بما فيه من مخلوقات. و أعتقد أن السعيد هو من يعتنق مبدأ أو فكرة أو منظومة قيم تحفظ عليه هذا الإنسجام تحت أي ظرف وفي أي مكان كما كان يقول يقول ابن تيمية: "ما يفعل أعدائي بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري.. إن قتلي شهادة، وسجني خلوة، ونفيي سياحة" فهو يحمل معه سعادته بين جوانحه وتلك السعادة اعتقاده بمبدأ أو فكرة وهي غير المتعة.

جميل هذا الفصل بين السعادة والمتعة.. لكن لبسا ما في تعريفك يدخلنا في متاهة مع مصطلحات اخرى شائكة ايضا، فما الفرق في ظنك بين المتعة واللذة والشهوة والفرح والمطمأنينة والسعادة؟

اليست كلها تصب في دلو واحد!

هذه كلها مصطلحات وألفاظ وأسماء قد لا تعني لنا شيئاً إلا إذا عيًناها بمسمياتها و حالاتها النفسية التي تصاحبنا. فالمتعة و اللذة و الشهوة كلها تشير إلى اللذائذ الحسية ولذا قال الله تعالى: والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام. فالله قد عطف التمتع على الأكل؛ إذن فكل المتع حسية. أما الفرح و الطمأنينة فهي حالات نفسية يشملها اسم السعادة الذي يكون بما هو غير حسي.

إذن في رأيك: هل فعلا الحلم والشعف أهم من السعادة؟ كيف للركض وراء سراب السعادة أن يقتل الشعف والمتعة ؟ اخبرنا عن تجربتك مع الشعف وطريقة استمتاعك به؟

لا أتفق في الكثير من النقاط مع ما ذكرته حول مفهوم السعادة.

إدراك مفهوم العادة وتحليلها يدخل في الحالة النفسية لكل منا وأيضا يدخل تحت طبيعة إدراكنا بشكل عام لما يمكن أن يشعرنا برضا من داخلنا. فتجد الأشخاص الذين لا يشعرون بالرضا أبداّ لا يمكن أن يدركوا السعادة أو يتقبلوها باي شكل كان حتى لو أتت زحفاّ لهم يشكون في أمرها. ولذلك أرى أنا إدراك ذلك المفهوم مرتبط بطبيعتنا وحياة وتجارب كل منا وطريقة تفكيره بالحياة. أليس كذلك؟

وتحليل المفهوم والتعمق فيه ربما بفقده شكله. فلا داعي لتجريد السعادة من الرضا أو الشغف او الحلم. فكل منهم يجعلك سعيداّ بطريقته.

لنعش برضا ولندرك أن أي مفهوم سواء سعادة أو شغف أو حلم لا يدوم للأبد. لأن كل منهما ينتهي بطريقة ما وتختلف النهايات حسب الأشخاص. وأيضاّ السعادة مفهوم ضمني مكنون داخلنا، لا نصل إليه بعينه من خلال طريق معين لكنن كل من الشغف والأمل والحلم والمتعة يصب فيها ويزيد منها وتأتي منغصات فتنقصها قليلاّ وتأتي متعة فتزيد ما نقص وهكذا.