كان يمسك غيتاره صباحًا ومساءً، يغنّي لقضيةٍ آمن بها، ويمنح صوته معنى يتجاوز اللحن. لم يكن الغناء مجرّد أداء، بل موقفًا. لكن ما إن تغيّرت الظروف، حتى اختفى الصوت، وكأنّ القضية كانت مرحلة عابرة لا أكثر.
هذه التحوّلات لا تتعلّق بالأشخاص بقدر ما تكشف طبيعة المشهد السياسي نفسه. ففي بيئةٍ تُكافئ التكيّف السريع، يصبح الثبات على المبدأ عبئًا لا ميزة، ويُنظر إلى من يرفض التبدّل كأنّه غير واقعي أو غير قادر على "فهم اللعبة".
المشكلة ليست في تغيّر المواقف بحدّ ذاته، بل في غياب خطٍّ ناظم يحكم هذا التغيّر. حين لا تكون هناك مبادئ واضحة، يتحوّل كل شيء إلى ردّة فعل ظرفية، ويصبح الموقف مجرّد أداة قابلة للتبديل حسب الاتجاه العام.
في النهاية، لا يُقاس الوعي بقدرة الإنسان على تغيير موقفه فقط، بل بقدرته على تفسير هذا التغيير دون أن يفقد بوصلته. لأنّ السياسة، مهما تعقّدت، تبقى اختبارًا حقيقيًا للثبات قبل أن تكون ساحة للمناورة.