في مملكةٍ عمتها الرخاء، كان ملوكها يتسمون بالسخاء.
لضمان إستقرار العيش، حظر الملوك ارتداء الرداء الأسود؛ مُستغلين كره الشعب له ، ورغبة في إظهار رخاء العيش كون سعره كان الأرخص.
مع مرور الأيام، وتبدل الأحوال استفحل الفقر، وصار الأسود خياراً اضطرارياً لرخص ثمنه، فأصبح زياً شائعاً؛ حتى إن الملوك باتوا يرتدونه مجاملةً لشعوبهم وتخفيفاً عنهم.
في خضم هذا الواقع، برز رجلٌ ناصح، ينتصر للمظلوم، ويدعوا الناس لترك الظلم.
حُضوره أزعج أصحاب بعض المصالح، فبدأوا يكيدون له.
اصطحبوه وكانوا يهدونه ملابس سوداء مُتقنة، لا لشيء إلا ليراكموها لديه، ويجعلوها خياره الأول عند حاجته، مترصدين زلته.
في ليلةٍ من ليالي الشتاء القارس، اضطر الرجل لارتداء ملابس سوداء تحت ثيابه للتدفئة، عازماً على ألا يخرج إلا إذا اضطر ليلاً.
في أول يوم خرج بها، واجهه من كانوا يدعون صحبته من كل فج، مسلطين أضواءهم الكاشفة عليه، ليظهروا زلته بين الناس.
ونادوا بأصواتهم حتى تجمعت الجموع: "هذا هو المتحدي للقوانين، هذا هو المتمرد على الملوك، هذا هو المخالف للحضارة!".
حاول الرجل مواجهتهم بحقيقتهم، طالباً منهم الكشف عن ثيابهم، لكنهم كانوا قد استبقوا خطوته؛ وتخلصوا من كل أثرٍ للسواد.
وحين ذكّرهم بأن تلك الثياب السوداء التي يرتديها ليست سوى هدايا منهم، أنكروا ذلك...
وسارعوا بضربه ضرباً مُبرحاً حتى اوهنوه...
حين علم الملوك بالخبر، اعتصرهم الحزن على رجلٍ عرفوه بالصدق والأمانة، لكنهم وجدوا أنفسهم عاجزين أمام "ثقافة الجموع"، وسلطة كراهية الرداء.
ومع كل سؤالٍ من عابرٍ عن حاله، كان يُدان بالرداء الأسود.
في واقعنا، غالباً ما يُغطى الظلمُ المباشر بذرائعَ واهية؛ فإذا أُصيب أحدهم بجرحٍ غائر في محيطه، ألقوا باللائمة على ضعفه الذي تسببه أهله بسهرهم معه في الليلة الماضية.
وتتكرر هذه المسرحية...
حين تنتحر موظفةٌ ناجحةٌ تحت وطأة ضغوط إدارتها، فيسارع الجميع لتعليق السبب على شمّاعةٍ قديمة: زوجٍ ظلمها قبل عشرين عاماً.
عندما نختار 'السبب المشهور' لنغتال به الحقيقة الظاهرة.
هل أصبحت 'شماعة الرداء الأسود' أداةً ممنهجة في عصرنا لتغليف الظلم، بحيث نستبدل محاسبة المخطئ الحاضر بالتركيز على مبررات المخطئ القديم الظاهر، أو العكس؟