منصب بمهام جديدة... وبنفس الراتب!

  • demane

دعني أحكي لكم واقعة من قلب أحد المشاريع الإنشائية. حيث كانت هناك مشكلة متكررة في الانضباط أو يمكن القول عنها كسل متعمد. وما جعل إيجاد حل لها شبه مستحيل هو طبيعة سكان المنطقة الصعبة بالإضافة لوجود قوانين حكومية تشترط أولوية التوظيف لأبناء المنطقة. ما جعل أي محاولة لفصل أو معاقبة عامل تؤدي إلى فوضى، وربما عصيان جماعي.

عندها جاء أحد المدراء بفكرة ظاهرها يبدو مثاليا وهي تعيين نائب عن العمال، يتولى رفع انشغالاتهم، ويكون همزة وصل بينهم وبين الإدارة.

أضفى هذا الاقتراح شعورا للعمال بأن صوتهم أصبح مسموعًا، والنائب بدا كمن يمثلهم أمام الإدارة.

لكن سرعان ما ظهرت المفارقة. النائب بدأ يتلقى امتيازات معنوية ومادية، لكنه ما زال يتقاضى نفس الراتب، مع مهام إضافية لا يمكنه رفضها. لا يستطيع التراجع، فالمكانة التي نالها مربوطة بالولاء لا بالرفض.

بعدها بدأ العمال يشعرون بأن هذا النائب لم يعد يمثلهم. لذا لجؤوا إلى محاولة التواصل مباشرة مع المدير، لكن المدير يرفض استقبالهم بحجة تواجد من يمثلهم . أما النائب، فهو لا يريد إزعاج المسؤولين، بغية احتفاظه بمزايا منصبه الجديد. وهكذا، تحوّل الحل "الذكي" إلى أداة صامتة لتحييد أي نوع من الشكاوى سواءا كان مهنيا أو غير ذلك ، والقضاء على المشكلة من الداخل... ، بل أنها أدت إلى تخفيف المسؤولية عنهم عبر إضافة مهام جديدة لمنصب جديد، بنفس الراتب.

المصدر: الواقعة رواها لي أحد السائقين المتقاعدين الذي عمل بأحد فروع هذه المؤسسة الضخمة.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لكن بصراحة، ألا يبدو هذا التصرف من الإدارة مجرد واقعية عملية في ظل الظروف الصعبة؟ لنتبنى الرأي الآخر الإدارة كانت تواجه وضعًا شديد التعقيد (مشاكل انضباط، قوانين توظيف قسرية، خطر الفوضى). في هذه البيئة، لم يكن أمامهم رفاهية الحل المثالي أو القانوني البحت. تعيين "نائب العمال" كان خطوة تكتيكية لهدف واضح هو إدارة الأزمة والحفاظ على استمرارية العمل بأقل الخسائر.

الإدارة كانت تواجه موقف معقد ومشاكل وعليها إدارة الازمة بأقل الخسائر ونائب العمال، عندما قبل المنصب بنفس الراتب والمزيد من المهام، يدرك أن مكاسبه الحقيقية ليست مادية فقط، بل هي مكانة وقرب من السلطة. لأنه أصبح جزءًا من هيكل الإدارة المسؤول عن امتصاص الشكاوى قبل وصولها للقمة.

أتذكر موقفًا مشابهًا عندما قرات عن شخص يعمل في مصنع للملابس. وعين موظف للتواصل بين العمال والإشراف. ويُحمل مسؤولية أي تأخير أو مشكلة انضباطية، ويعمل ساعات إضافية دون مقابل وعندما استمر نال لقبًا ورفع اسمه من قائمة العمال إلى الإشراف إنه تضحية بالجهد الفعلي مقابل القوة الناعمة. الأمر ليس مثاليًا، بل هو فن إدارة المتاح في بيئة صعبة.

في الواقع أنا لم أحدد من هو على صواب أو على خطأ ذكرت الواقع فقط، او ما تمت روايته لي.

في عمل سابق أتذكر أن أحد المسؤولين كان يفضل أن يبقى فريقه في حالة عدم توافق كي يبقى مسيطرا على زمام الأمور، فأي إتفاق بينهم قد يزعزع سبطرته.

الحياة ليست مثالية ولا أؤيد مثل هذه التصرفات كونها تتجاوز المهنية إلى نطاق غير أخلاقي.

ذكرتني بنقابة المعلمين، التي من المفترض أن تكون صوت المعلم والمدافع الأول عن حقوقه، لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى مجرد وسيط صامت، لا يجرؤ على المواجهة ولا يرغب في إزعاج القيادات.

تبدأ القصة بشعارات جميلة عن التمثيل والمطالبة بالحقوق، ثم تنتهي بمناصب رمزية وامتيازات شكلية لمن يمثلوننا، بينما المعلم الحقيقي في الميدان ما زال ينتظر من يسمعه، ونحن كمعلمين نطالب بحقوقنا ونطلب من النقابة أن تقف بجانبنا، لا أن تكتفي بدور المتفرج أو المبرر، فتمثيل المعلم مسؤولية لا امتياز شخصي.

demane أضف ردا

مشكلة تحتاج إلى حل

في القطاع التربوي، عندما يُضطر المعلم إلى الدخول في إضراب، لا يُنظر إليه كصاحب حق يلجأ لآخر وسيلة في سبيل المطالبة بحقوقه، بل يُصوَّر في الخطاب الرسمي والإعلامي وكأنه مجرم، يتعمد الإضرار بمنظومة بأكملها.

السلطات تُحمّله مسؤولية كل ما يحدث: من تأخر الدروس إلى قلق الأولياء، بل يُحمّل أحيانًا مسؤولية ضياع مستقبل جيل بأكمله، وكأن المعلم هو من عبث بالمنظومة، لا من عانى منها.

الضغط لا يأتي فقط من أصحاب القرار، بل حتى من أولياء التلاميذ، الذين يرون في توقف الدراسة تهديدًا مباشرًا لأبنائهم، دون النظر إلى ما أوصل المعلم إلى هذه المرحلة.

أما النقابة، فهي في كثير من الأحيان تتخذ سياسة جسّ النبض، وتراقب من بعيد قبل أن تحسم موقفها. وغالبًا ما تميل إلى الكفة التي تخدم توازناتها ومصالحها.

في نهاية المطاف، يُترك المعلم في مواجهة الجميع، وحيدًا، في مشهد عبثي يتكرر مع كل أزمة، وكأننا نعيد تشغيل نفس الحلقة دون أن نغيّر شيئًا في السيناريو. بل قد يتم انتهاج استراتجيات تعمد لتقييده عبر تجنبد معلمين احتياطيين لسد الخلل فور ظهور أي محاولة للمعلم استخدام حقه في الإضراب أو ما يتراءى لهم بمشكلة تحتاج إلى حل.

أجد أن تصرف الإدارة جيد وذكي، وكان على نائب العمال الإدراك أن المنصب شرفيًا أكثر من أي شيئ آخر وإذا كان يريد مقابلًا ماديًا كان عليه الطلب منذ البداية، وإذا لم يكن يريد المنصب كان يمكنه أيضًا رفضه منذ البداية، لكن تصرفه بأن يقبل المنصب ثم لا يعمل المطلوب منه هو شيء غير جيد وهو ما جعل هناك مشكلة وأزمة.

المشكلة هي عدم انظباط، لو تم تعين شخص كفء للمهمة خارج تلك المجموعة سيحتسب كنوع من التسلط، لكن تعين أحد الكسالى من بينهم سيسهل عملية كسب ولاءه، عبر تقديم أصغر قطعة جبن فوق الفخ.