وُلدتُ من جديد

  • demane

مشبك الورق

في قاع درجٍ صدئ، نسيَ العالم أمره، كان مشبك الورق مستلقيًا على جنبه، محنيًّا، لكنه لم ينكسر بعد. مرت عليه سنوات وهو يسمع صوت الدبّاسة يعلو من فوق الطاولة: "أنا أُثبّت النظام... للأبد." كلماتها كانت حادّة، تنغرس في ذاكرته أكثر مما كانت تنغرس في الورق. هو، الذي لطالما جمع الأوراق بلطف، لم يلقَ تقديرًا… فقط سُمي “مؤقتًا” أو “حلًا بديلًا”.

كان يظن أنه نسيها. لكنه لم ينسَ. كلماتها لا تزال تعيش داخله، كصدى معدنٍ غليظ يصرّ على أن اللين ضعف، وأن المرونة لا تبني شيئًا.

ثم جاء اليوم المختلف. دخل موظف جديد، شاب في أول مشواره، بدا عليه الملل من المكاتب المكررة، والملفات المتشابهة، والأوامر التي تُنفّذ دون أن تُفهم. وقع المشبك على الأرض في محاولة للهروب من تلك الحياة ليلمحه المدير ويعيد استخدامه، وانتقل الملف من مكتب لمكتب ليصل لذلك المستجد، وقبل أن يكبس هذا الإخير تلك الأوراق لم يحاول رمي ذلك المشبك الذي فقد الكثير من شكله كما يررمى نظيره بل تأمله، نظفه ثم وضعه في جيبه. كأن شيئًا ما أخبره أن لهذا المعدن وظيفة أخرى لم تُكتشف بعد.

في المساء، أخرج المشبك من جيبه، وجلس على مكتبه في المنزل. بدأ بثنيه بلطف، ثم شدّه قليلًا ليشكل قلبًا صغيرًا بعد أن. ضحك. “هل يمكن لشيء بسيط… أن يصنع شيئًا جميلًا كهذا؟” هكذا بدأ. شكل قلبًا، ثم نجمة، ثم زهرة، ثم جناح طائر. صبّ عليها بضع قطرات من الصمغ، ودهّنها بألوان دافئة. ثم ربطها بخيط رفيع… وولدت قلادة.

طفلته الصغيرة كانت تنتظر عودته خلف الباب. وما إن وضَع القلادة حول عنقها، حتى أضاء وجهها كما لم يفعل أي مكتب، أو وثيقة، أو مكافأة.

"أبي صنعها لي"، قالتها وهي تضحك، وتدور، وتُريها لألعابها. أما المشبك… فبكى. لا دموع له، لكنه شعر بنقطة دافئة في موضع الانحناءة التي ظنّها يومًا عيبًا. ورغم كل ذلك، كانت كلمات الدبّاسة لا تزال عالقة في داخله: "أنا أُثبّت النظام... للأبد." ضحك في سرّه، وتمتم:

"وأنا؟ أنا أُصنع من جديد… في يد فنان."

فكرة: @Salwa_sayed

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مجهول أضف ردا

لماذا لا نتحدث قليلا عن الادوات المدرسية المصابة بجنون العظمة بسبب ارتفاع اسعارها فالمقلمة ترى نفسها انها حاوية للجميع وتتكبر على الكل والمسطرة المختالة بطولها , والمدور والفرجار لا تسئل عنهما فهما من رموز المنظمات السرية ( ربما قد تضطر ان تضع عينا داخل اتحادهما لكي تبدوا ماسونيا وانت لست كذلك ) ولا تنسى المبراة الشريرة والغاضبة تنتظر دورها في سلخ جلد القلم والقلم الذي يغرق في تزيين نفسه حتى تأكله المبراة وايضا القلم الجاف تحسبه لا ينفذ تكتب به الصفحة تلو الاخرى وهو يقف ويقول لك ضاحكا مستهزئا هل اكملت كلامك وفي الاخير الكراس العنيد سواء اكان 96 او 128 او مجلد كبير من 600 صفحة مع رائحته الجديدة الجميلة التي يتبجح بها بجنب الادوات الاخرى ......هذه فكرة لكل من لا يقدر على شراء الادوات الغالية الثمن......

سعيدة جداً بهذا النص، ليس لمشاركتي به، ولكن لأن به نبرة أمل وتفاؤل حتى الصورة مشرقة.

المشكلة ليست في الأشياء إنما في العقول التي تتعامل مع الأشياء ، هناك أناس"يصنعون من الفسيخ شربات" الفسيخ عندنا في مصر سمك مملح شديد الملوحة طعمه كأنك تأكل كهرباء 😅 كما جاء في فيلم "عسل اسود"

وهناك ناس تجعل الذهب تراب، ولكن في رأيك هل الأشياء لها إرادة يعني مثلا هل هناك قطعة ذهب ترفض أن تتحول إلى تراب مهما كانت الظروف المحيطة بها!

شكرًا لكِ سلوى السيد على تعليقك العميق والمبهج. فعلًا، ليست المشكلة في الأشياء بل فيمن يراها ويتعامل معها. وبعض العقول تصنع من أقل شيء معنى، وبعضها يُفرّغ المعنى من أعظم الأشياء. أما عن الإرادة… فربما ليست في الذهب، بل فيمن يختار أن يراه ذهبًا رغم كل شيء.