على حافة الصمت

أحياناً لا يكون الصمت اختياراً، بل يسكن فينا كضيف ثقيل يفرض وجوده رغم امتعاضنا. أجد نفسي في مجالس يغمرها الضجيج والصخب، بينما أنا جالس كظلٍّ على الهامش، لا رغبة لي في الكلام، ولا شغف بي للمشاركة. الكلمات التي كانت فيما مضى تنساب بسهولة، صارت الآن ثقيلة، جافة، كأنها تحتاج إلى جهد جبّار لتخرج من بين شفتي.

هذا الانسحاب من الحوار لم يعد مجرد عادة مؤقتة، بل صار علامة على جرح داخلي أعمق. أحس أنني أفقد شيئاً من إنسانيتي حين أعجز عن مشاركة الآخرين ضحكاتهم أو أفكارهم. وهنا يبدأ الصمت يتحول إلى عزلة، والعزلة تتحول إلى شعور خانق يضغط على صدري حتى أكاد ألمس أطراف الكآبة بيدي.

أدرك أن ما أعانيه ليس قلة كلمات، بل أزمة نفسية تتفاقم شيئاً فشيئاً. الوحدة التي أهرب إليها لم تعد ملاذاً، بل سجناً مغلقاً. وفي هذا السجن، يتسع فراغ داخلي يبتلع لذة الأشياء، حتى صرت غريباً عن ذاتي.

ربما كان الحديث دواءً، وربما كان البوح بدايةً للخلاص. لكنني الآن عالق بين خوف من الانكشاف أمام الآخرين، ورغبة في النجاة من صمتي. كل ما أعرفه أن العزلة التي كانت يوماً اختياراً، باتت اليوم قيداً يجرني نحو حافة الكآبة، وكأنني أمشي على خيط رفيع بين الحياة والخذلان.

فما الحل لمعضلتي؟ هل أجد الطريق عبر البوح، أم أن الصمت قد اختارني إلى الأبد؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أفهم شعورك لكن من المهم أن تجبر نفسك على الوجود وسط الناس حتى لو لم تكن لديك رغبة حقيقية في البداية ومع الوقت ستجد أن المشاركة حتى لو كانت بسيطة تعيد لك بعض الراحة حاول أن تشغل وقتك بأشياء تحبها أو أنشطة جديدة تعرفك على أشخاص آخرين العزلة إذا طالت تصبح سجنًا أما القرب من الناس فيعطي طاقة ويكسر دائرة الصمت لا تنتظر أن يأتي الدافع من تلقاء نفسه بل ابدأ بخطوات صغيرة ومعها ستشعر أن الصمت يخف وأنك تستعيد توازنك تدريجيًا

اشكرك على النصيحة ،كل الفكرة انه مجرد شعور داخلي احذفه مباشرة باشغال نفسي بالاشياء الصغيرة كما تفضلتي

أحيانا بيكون الصمت نجاه ، في وسط تناقضات تحاوطنا من كل جانب . الصمت لغة لايفهمها إلا العاقل الواعي لما يدور حوله . في المنزل ، والعمل ، وبين الجيران والأصدقاء اختلافات ومسافات كثيرة ، فحتى لا نصتدم مع من يخالفنا الرأي اجتماعيا وسياسيا ودينيا وحتى أخلاقيا ، فنها الصمت أبلغ من الكلام

أما البوح فمرهون بثقة متراكمه ، فمع من تبوح؟ وهل تبوح بإسرارك الشخصية؟ أم بأفكار عادية ؟ أم مناقشات جوهرية في ما يحدث في حياتنا؟

ولكن خير الأمور أوسطها فلا نبوح إلى حد أن يجعلنا مكشوفين أمام المجتمع ، ولا أصمت إلى حد اليأس والكآبه . فلو خيروني بين الصمت والبوح لأخترت الصمت كملاذ آمن لما قد يترتب عليه لو تحدثت

من اختاره الصمت لا يكاد يجد طريقا الى البوح إلا عندما يسكت الأفواه الفاغرة في صدره، حتى يستطيع أن يسمع نفسه أولا، فإذا استطاع أن يسمع نفسه جيداً، وقتها فقط يستطيع أن يجد ضوءً ما يأخذه الى ذلك الطريق، التكلم الجيد ليس ذلك القادر على الكلام، بل هو القادر على أن يصمت، وليس كل صامت مستمع لنفسه وللأخرين، كثير الصامتين تنهشهم أصوات وحوشهم الداخلية، تمنعهم من سماع أنفسهم وسماع غيرهم، وعندما يبوحون لا يبوحون بأصواتهم وأفكارهم، أنما يبوحون بأفكار غيرهم التي تصدح في صدورهم وعقولهم المتقرحة، لذلك ، من يريد أن يصمت صمتاً جيد، ويبوح بوحيا جيدا، يحتاج أن يقتلع بيده تلك الديدان العالقة على صدره، ويُخرس كل الأصوات التي تعوي جواه.

أعتقد أن هذه هي الحال التي يعيشها الكثيرون في أيامنا هذه. فمع توالي الأحداث المحبطة والمتسارعة، يفقد المرء رغبته في الحديث أو حتى القدرة على البوح بما يجول في خاطره. يبدأ في التساؤل: هل للحديث معنى حقيقي؟ وهل للكتابة أي فائدة في ظل هذا الواقع؟ هل يمكن للتواصل أن يخفف من وطأة ما نعيشه؟

​عندما نعجز عن إيجاد إجابة، لا يتبقى سوى الصمت الذي يفرض هيمنته الخاصة. يصبح الصمت ملجأً وملاذًا، حيث نجد فيه فسحة للتأمل، وربما محاولة لفهم ما يحدث. قد يكون الصمت أبلغ من الكلام في كثير من الأحيان، فهو يعكس عمق الإحباط والعجز عن التعبير. لكن في هذا الصمت، يكمن نوع من المقاومة السلبية، وربما تكون بداية لإعادة ترتيب الأفكار قبل العودة للحديث مجددًا، بوعي أكبر وإدراك أعمق.

لقد سُمي الانسان انسانًا لأنه يأنس بمن حوله... وهذا الونس ضرورة حتي لأشد الناس عزلة... وأيضًا من الأشياء المُشتركة بين البشر هو الصمت... رُبما صمت اختياري أو إجباري في مثل حالتك والكثيرون مروا بهذه اللحظات ومنهم أنا شخصيًا لكن هناك فرق بين "الحزن والصمت العابر" وبين "الاكتئاب"، ولكل منهم طريقته في التعامل... وفي رأيي الشخصي من الجميل أن تكتب في مثل هذه الظروف... اكتب لنفسك وبوح بما يجول بخاطرك فقط اكتب ما تفكر به لحظ إمساك القلم.. أو تحدث إلي شخص تثق به مثل أخ أو صديق... المهم ألا تكتم شيئًا بداخلك حتى لو قلت: أنا مؤخرًا أشعر بالسوء ولا أفهم سببًا واضحًا.

  • حتي لو قلت هذا لنفسك لكن المهم أن تتحدث ولا تترك كلام يجول في خاطرك... وإذا لم تستطيع الكلام، اكتب... إذا لم تستطيع الكتابة، ارسم خربشات... واطلب المساعدة المتخصصة إذا استمر الشعور... وتذكر أن الشيطان كذاب ماهر... ويحب تضخيم الأمور كم انه لا يمل عن الحديث والوسوسة... فلا تمل انت أيضًا عن الجهاد والمقاومة.

"وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى"