حين تمنح قلبك لمن لا يشعر بثقله

قطعة قماشٍ مطويّة، موضوعة على ذلك المقعد الخشبي القديم. كلما برد الجوّ، كنتُ أتمدّد فوقه لأدفئه. وكلما تشققت أضلعه، التحفتُ به كي لا تبدو شقوقه. ضنت أن هذا تعريف للحبّ، العطاء دون أن تُسأل، أن تكون حنونًا على ما تحبّ… حتى وإن كان صامتًا.

في كل صباح كنتُ أزحف من زوايا الخزانة، وأستقرّ عليه في صمت. حتى بدأ جزء من نسيجي يتمزّق، والصرير بدأ يصدر منه حين أحيطه بنسيجي.  ومع ذلك لم يلتفت. لم يَسأل. لم يسألني يومًا لماذا أنا هنا أصلا؟ أو حتى إن كان الانكماش اليومي لأجله يؤلمني؟ انتظرت سماع ولو بعض الامتنان… أو حتى بعض الاهتمام يوم تبللتُ في ذات الشتاءٍ وبقيت عليه طوال الليل.

مر الزمن وأصبح حضوري عادة. وصمتي افتراضًا. وحين تمزّق أحد أطرافي، بدا له أن هذا الأمر طبيعي. بل اعتقد أن عليّ أن أعود في اليوم التالي كما كنت. وكانت هذه الحال إلى أن جاءت أيادٍ بشريّة. أخذتني بعناية ووضعتني في حقيبة. قالوا عني أنني قد تهالكت انتابني الرعب إلى أكملوا قولهم بأنهم سيعيدون حياكتي، وبعد فترة النقاهة التي مررت بها، ضنت أنني سأقابل بحفاوة، الخزانة طلبت مغفرتي بالرغم من أنها ليست السبب الرئيسي فيما حدث لي، أما هو، ذلك المقعد… فقد بقي كما هو، لم يحرك ساكنا ولو بالقول، لم يطلبني، لم يشعر حتى بغيابي. وقتها فقط فهمت أنِّي لم أكن عطاءً محبوبًا، بل راحة مجانية. وكان انتظاري لمقابل… هو بداية الخسارة، لا نهايتها.

الكرسي من قصة مجاملة قاتلة: هذا المقعد الخشبي لا يمثل إلَّا نفسه.
يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لماذا أشعر أن هذا الموقف الرمزي يا محمد هو حال بعض البشر الذين لا يطورون مهاراتهم حاليا في ظل وجود الذكاء الاصطناعي وقد يكون هذا حالهم في المستقبل.

وهذه وجهة نظر أخرى تُلمّح إلى أن سوق العمل قد يستبعد بعض الفئات، وإن لم تكن كل المهن خاضعة لهيمنة الذكاء الاصطناعي. إلا أن دوره الجوهري في دعم التعلم الذاتي لا يمكن إنكاره.

يسعدني حين يقدّم القرّاء زوايا تأويل لم أنتبه إليها أنا نفسي. أردت من خلال هذه القصة الإشارة إلى تلك اللحظة التي تتحول فيها العلاقات إلى شكل من أشكال 'التسليف العاطفي'، حيث يمنح أحدهم مشاعره منتظرًا عائدًا لا يأتي، فيخسر الجميع دون قصد.

لكن المقعد لم يطلب أن تتمدد قطعة القماش فوقه، ربما وجود قطعة القماش لا يريح المقعد أو يسبب له ضرر..

سأقول لك موقف حقيقي حدث معي مؤخراً للأسف: ساعدني أحد الأشخاص في شيء لم أكن أريده، بل أخبرته بوضوح أن لا يقدم مساعدة لكن أصرّ عليها ولم أحب إحراجه وهذه المساعدة سببت لي شيء من الخسارة..

لذلك أقول أن المساعدة مثلها مثل أي شيء يجب أن نعرضها لكن لا نلزم بها شخص.

لم يطلب الكرسي ذلك، ولم يرفضه أيضًا، لكنه مع مرور الوقت اعتاد على وجودها، واعتبره أمرًا مسلمًا به. وبعد انقطاعها، عاد ببساطة إلى حياته المعتادة، وكأن شيئًا لم يكن. حتى المنشفة، التي قدمت تضحيتها بصمت، لم تحدد طبيعة العلاقة، ورغم أنها كانت علاقة من طرف واحد، إلا أن شيئًا ما كان يمنعها من التوقف.

أما المسألة التي أشرتَ إليها، فإن فرض المساعدة على الآخر قد ينطلق أحيانًا من باب الاهتمام، وأحيانًا أخرى رغبة في أن يشعر الطرف المقابل بأنه دائمًا موضع حاجة ووجوده لا يُستغنى عنه

وأحيانًا أخرى رغبة في أن يشعر الطرف المقابل بأنه دائمًا موضع حاجة ووجوده لا يُستغنى عنه

وأحياناً عن سوء تفاهم: يظن الشخص أنه يعمل خيراً بهذه المساعدة.

لكنه مع مرور الوقت اعتاد على وجودها

لا أظنه اعتاد حتى على وجودها فهو لم يلحظ غيابها ولم يسعد بعودتها، هو فقط لا يبالي إن كانت موجودة أو لا.

ربما ذلك أيضا

أرى أن المشكلة لم تكن في الغطاء نفسه بل في توقعاته أحيانًا نربط قيمتنا بردود أفعال الآخرين وننسى أننا نستحق التقدير لمجرد أننا موجودون ونعطي الغطاء كان يمنح الحنان لكنه كان ينتظر المقابل وعندما لم يحصل عليه انهار ربما الدرس هنا أن نحب ونعطي دون أن نربط ذلك بتقدير من أحد لأن التقدير إذا لم يأت من الناس يجب أن يأتي من داخلنا أولًا

العلاقات المبنية على الموضوعية يمكن دراستها بحيادية، كعلاقة زملاء العمل، وأصحاب المشاريع، أو حتى الخدمات المتبادلة في المجتمع الواحد كنوع من الالتزام الاجتماعي. أما إذا تم ربط هذه العلاقات بالعاطفة، كأن يُرفَع زملاء العمل إلى مرتبة الأصدقاء، أو تُمنح الثقة العمياء بين أصحاب المشاريع، أو يُلعب على وتر الوطنية في المجتمعات، فذلك يُعد خطرًا كبيرًا. وينطبق الأمر أيضًا على مشجعي الأندية الرياضية، ومعجبي الفرق الموسيقية، ومتابعي مؤثري مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ قد تصدر عنهم أفعال غير منطقية عندما يربط المتابع علاقته بالمتبوع بالعاطفة، وقد تصل هذه العلاقة حدّ الزواج من شخصيات افتراضية.

هؤلاء يعتقدون أن ما يقدّمونه لتلك الأطياف دليل على تقديرهم لهم، كونهم "يستحقون ذلك".

ويمكنك سؤال أي شخص توقّف عن متابعة الرياضة أو بعض البرامج (خصوصًا الأفلام الهندية) عمّا كان يفعله، فغالبًا سيقول إنه نادم على الوقت الذي أضاعه.

ولا نذهب بعيدًا، فالمدخنون، الذين يمنحون التدخين قيمة في حياتهم، يجيبون عند سؤالهم عن سبب عدم التوقف بعبارة: "لا نستطيع". لكن بعد مرحلة العلاج والتوقف التام، يتساءلون: "ماذا كنا نفعل؟"

ما كتبته سابقًا يمكن إسقاطه على العديد من القصص التي تحدث في واقعنا، حين يتوفّر طرفان، يتسوّل أحدهما الحب.