من بين عديد الأوصاف التي بوسعنا استخدامها في الكشف عن الإنسان، هي وصفه بأنه (ذات خالصة) ملحوقة بالحواس والدوافع والأفكار، ليس الإنسان في معزلٍ عما يحوم حوله، إنه ليس في معزلٍ عنه بطريقة لا يمكنه تخيلها، أو توقعها، أو وصفها، المثير للانتباه في ذلك الطرح هو أن الإنسان يكون أبعد ما يكون عما حوله إذا ما ظل يتواصل مع ما حوله، ثم إنه يكون أقرب للكون من حوله إذا ما هو طفق يتواصل مع ذاته.
وإذًا، من هي الذات؟
الذات..
يبذل الإنسان مجهود ضخم في لعبة التأمل - Yoga طلبًا للصفاء الذهني، إنه تجريد العقل من الأفكار والأماني والاهتمامات اليومية للانفتاح على الذات (الخالصة)، لا يختفي الوعي بطريقة سحرية، أو يهيم اللاعب المحترف لليوجا في دنيا الأحلام، ولكن بالعكس، فهو يصبح يقظًا جدًا، على نحو يجعله مدرك لذاته الخاصة، إذ يتعرف إلى رضة شعورية تبوح بالذات الهائلة التي يتوحد بها الوجود بأثره، والحالة هذه، فإنه يتواصل مع كل شيء عبر تواصله مع ذاته، ويشعر - بطريقة لا توصف - أنه وكل ما حوله وحدة واحدة، أو أن ذاته في حقيقتها هي الكون الكامل.
الخير المُطلق
في نهاية الجلسة، يتمكن المُمارس من الشعور بخفة جسده، واختبار نشوة وسلام عاصيان على الوصف، والجاهزية لحب كل شيء وحب كل الناس، فيمكنه وهو على هذه الحال أن يفترض أن الوجود في حقيقته خيرٌ مطلق، وهو ينكشف على حقيقته تلك حين نجرده من معطياته ونخاطبه بصورته البدئية.
التعالي على الزمان والمكان
فهما وحدتان جزئيتان من الوجود، نستشعرهما طالما أننا نخاطب الكون بوعينا الشخصي الذي يتضمن اهتماماتنا اليومية، أما في الممارسات الصوفية فنحن نتجرد منها إلى حيث نلامس المطلق في وجده البدئي المتعدي للزمان والمكان، وتصنف لعبة اليوجا أنها النوع الانطوائي من الممارسات الصوفية، وأعتقد بأنها الأفضل لقناعة شخصية لدي أن السر الذي نبحث عنه مختبئ داخل كل شخص منا، وليس من الحكمة التنقيب عنه في مكانٍ آخر أو في ممارسات جماعية.
تجربتي الشخصية
مارست اليوجا للمرة الأولى منذ 5 سنوات، كنت أعاني من "رهاب الموت" و"نوبات الهلع"، بينما كنت شغوفًا بفن الرواية والفلسفة، تعرفت إلى اليوجا وبدأت أمارسها، واجهت صعوبة كبيرة في التركيز وضبط أسلوب التنفس في الجلسات الأولى، ولكن في محاولة أخرى، اختبرت حدثًا شعوريًا لا يمكنني نسيانه، حين أظلمت الغرفة بعد منصف الليل وجعلت الظلام دامسًا، ووضعت سماعتي الأذن بترددات موسيقية ,Meditation، ولما يقارب 15 دقيقة من المحاولات المضنية، بدأت أشعر بضغط الدماء في الساعدين ورأسي ودقات قلبي بتفصيلاتها المملة، من فرط تفريغ ذهني من أفكاره ومصالحه الشعورية الشخصية، فيبدو أن تركيزي انتقل إلى الوظائف البيولوجية لأشعر بها بذلك الصخب!، نشوة، ومشاعر لا أجد كلمات تصفها وصفًا دقيقًا، كأني لا شيء، كل شيء.
وبينما أمضي إلى مزيد من التعمق ساورني الخوف، ربما لأني شخصية ذات طابع قلِق، فقد هيأت لنفسي أني أمضي إلى شيء مجهول يدعو للخوف، وما أن انتابني القلق حتى انهار تركيزي وعدت تدريجيًا إلى حالتي الطبيعية، ولكن - ويا للمفاجأة - أشتاق إلى الموت، اشعر بخفة جسدي، وأني آمن، ولم تعود إلي نوبات الهلع أو رهاب الموت مرة أخرى حتى اليوم، وذلك بالرغم من أني لم أصل إلى هذه الحالة إلا مرة واحدة أخرى، وأتطلع إلى ثالثة.
فما هي وجهة نظرك في ذلك الطرح عن الذات؟ وهل تعتقد أن ما رويته عن تجربتي الشخصية حقيقي أم أني شغوف بحكي الأساطير؟
التعليقات