الحب...منتج استهلاكي

  • NohaElsayed

الحب ذلك المصطلح الذي شغل الفلاسفة والعلماء والفنانون، والأدباء، والناس جميعهم، في الحاضر والماضي وفي كل وقت، يسعى إليه البعض، يهرب من البعض الأخر، وينفي وجوده البعض، ويلعن وجوده البعض، بصراحة عندما أفكر في رموز الحب في مختلف الثقافات مثل (قيس وليلى) و(روميو وجولييت) و (ممو زين) _الأخيرة من الأدب الكردي_ وغيرهم الكثير، أو أقرأ أبيات شعر مثل

"وما عجبي موت المحبين في الهوى...ولكن بقاء العاشقين عجيب"

ولا أحتاج إلى ذكر أن معظم قصص الحب المشهورة أو المؤثرة تنتهى بنهايات مآساوية، لكن ليس هذا ما أود التحدث عنه الآن، الفكرة هي لو افترضنا أن الحب هو الفناء والوجد والعذاب و الأرق والذبول

"أيا فوز لو أبصرتني ما عرفتني لطول شجوني بعدكم وشحوبي"

أتحدث هنا عن ما عرف عنه أنه يحرم النوم ويسقم الأبدان، المستمر دون أمل أو مصلحة أو مآرب أخرى، أتوقف هنا وينتابني سؤال: لماذا قد يرغب أحدهم في أن يحب حبا كهذا؟

الروايات الرومانسية هي الأفضل مبيعا، فضلا عن الأفلام، يستمتع الناس بذكر الحب، وينشدونه، ويتلهفون للحصول عليه حتى لو بالدخول في علاقات فاشلة بحثا عنه، وينوحون ويجولون، لكن لماذا؟

يبدو من النظرة السابقة أحد أوجه المأساة البشرية، أو على الأقل مجازفة خطيرة من غير المعقول أن يختارها أحدهم متعمدا؟ فما بال الناس تستعذب ذكره، وتردد قصصه، وأهواله، وعذابه، بل وتتصنعه كثيرا وتحتال باسمه أكثر!

حسب غريزة تجنب الألم عند الانسان كان من المنطقي ألا يرغب أحد في الوقوع في الحب، واعتباره كمرض مثلا يهربون منه أو ماشابه. لكن عندما أمعنت النظر بدا كل شيء واضحا، فالقسم الأكبر من الناس يتوق لأن يُحب بمثل تلك القوة، لا أن يحبوا هم بذلك العنف، الكل يضع نفسه "ليلى" بينما لا يريد أي أحد أن يجن ك"قيس"

الكل يريد أن يحميه شخص ما ولو بحياته، لكن ماذا عن رغبتنا في التضحية بأنفسنا؟

ومن المعتاد اليوم أن نسمع عبارات مثل "أريد شخصا يهتم بي..يسمعني...يفهمني...يحب عيوبي -التي لا تحبها هي نفسها- ..ويتقبلني -بينما لا يتقبل نفسه_ ويعتني به، ويقلب حياتي رأسا على عقب...يفاجئني...يحتويني...إلخ"

أنتم تتفقون معي أن عدد (ياء الملكية) في تلك الجمل يناقض حقيقة الحب كليا، إنه احتياج عميق "للشعور بالحب" فقط.

ولم تضيع الرأسمالية الفرصة، إن الحب الأن يبدو أشبه بمنتج استهلاكي، يباع ويشترى، وله ثمن، وله مواصفات ومعايير، واختلقوا له مظاهر ليتم تحويله إلى هدايا وشكليات تحتاج الكثير من الأموال، ثم في عصر التكنولوجيا يتحول لروبوت، ولأن في العصر الحديث الانسان بالكاد يتقبل نفسه، أو يعتني بها، فهو لا يحتاج أن يحب شخصا أخر، ولن يستطيع على الأرجح، لكنه سيقع حتما في حب روبوت أو تطبيق يخبرك كل لحظة ما تود سماعه، ويتحور كما تريد

ما زلت أتعجب من موت العاشقين في الماضي حبا، لكنهم أيضا لو رأوا واقعنا ومستقبلنا لتعجبوا كيف يمكن للمرء أن يتمحور حول ذاته لتلك الدرجة، وكيف تأتينا الجرأة أن نطلق على هذا الهراء حبا.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الحب عاطفة من العواطف البشرية التي لا يمكن أن تتغير عبر الزمن, ولكن ما كان يحدث بالماضي أن الناس لم تكن لهم ملهيات كما بعصرنا الحالي, فلم يكن لهم من تسلية إلا اتخاذ العشاق, ولا موضوع بالشعر إلا عن ثنائية الإقدام بالحرب والعشق بالحب.

اليوم ومع وجود العديد من المنبهات في حياتنا صار حبنا موزعا ومشتتا بين العديد من أشكال التسلية وتعددت أهدافنا وصرنا نجد شغفنا في شتى الممارسات, وكما تفضلتِ تمّ تسليع العديد من المشاعر... ولكن مع ذلك مازلنا نحب ونعشق بعضنا البعض لأنها فطرة بشرية وأساس من أسس بقائنا على هذا الوجود, فالثقافات والحضارات تأتي وتذهب ولكن العواطف باقية لا تتغير.

نعم، عندك حق، المشاعر لن تنقرض، السعادة مثلا باقية لكن صورها وطرق التعبير عنها، وما يثيرها في النفس يختلف حسب كل زمن وثقافة. لكن قد يلاحظ مثلا انتشار الكآبة في بلد ما أو عصر ما، فكيف تجد مصير عاطفة الحب وسط مجتمع استهلاكي وعالم افتراضي؟

أعتقد أن المراهقين الأن ينحصرون غالبا بين حب التملك والسيطرة، و حب الذات والاهتمام بها كهدف أوحد

أعتقد أن المراهقين الأن ينحصرون غالبا بين حب التملك والسيطرة، و حب الذات والاهتمام بها كهدف أوحد

هذه هي قيم جيلنا أيضا...هي قيم نابعة من الثقافة الغربية منذ عقود مضت وقد اجتاحتنا في السنوات الفارطة, ولكن لن يكتب لها الدوام لأنها تؤدي بأي مجتمع للاندحار, وهذا ما يحدث فعلا بالغرب من تغول النزعة الفردانية الأنانية التي خفضت من نسبة النمو الديمغرافي بشكل مهول.

ما سيحدث أن هذه الحضارة ستنهار وتحل مكانها حضارة أكثر قوة تتبنى مبادئ وقيم تتوافق والفطرة والطبيعة البشرية قبل أن تعود وتتقهقر هي الأخرى وهكذا هي دورة الحضارات.

وإنه لأمل أنتظر حصوله، ولو أن لكل جيل أقلية، والخير والعطاء قائمين في الأرض أبدا، شكرا لتعليقك المهم.

دعيني أضيف لقوله أن ما يقوله يقاس بسنين طويلة و ربما قرورن، من سيلاحظ هذا الأمر سيعيش في فترة مغايرة تماما عن الآن، و سيحتار هو الآخر كيف أننا الآن أصحاب الحضارات اليوم مهزوزون و نعاني من عقد ومخاوف لا مثيل لها... ناهيك عن مفهومنا للحب!

مع ان الحب فطرة ولا يمكن أن تتغير ولكن أرى أنّ هناك فرق بين الحب في السابق والحب في حاضرنا، ولا أرى أي مجال للمقارنة بينهما. فعنترة وقيس وغيرهما كان حبهما بصدق وهذا ما ترجموه في شعرهم وأثناء قتالهم في المعارك ألم يقل عنترة بن شداد بيته الشعري: ولقد ذكرتك والرماح نواهل .. وبيض الهند تقطر من دمي وفي المقابل كان هناك من يقابلهم بالحب أيضًا.

اليوم هناك حب ولكن أصبح يشوبه المصالح من بعض الأطراف وكما قال جواد  موزعًا ومشتتًا بين أشكال التسلية وغيرها.

فطرة...غريزة...عاطفة..إن تعليقاتكم وحدها تحتاج لبعض التأمل، شكرا لمرورك عزيزتي هدى

أهلاً عزيزتي نهى،

الحب هو غريزة بشرية يتملكها كل منا بقدر معين. لا يطلب الفرد الحب، بل يشعر به ويعيشه. ولا يستطيع الفرد أن يخالف رغبات مشاعره إلا إذا كان عقله غالباً على قلبه. وفي حالة قيس، فإن قلبه هو المسيطر، لذلك جُنَ بليلى.

في عصرنا الحالي، لم يختلف الحب، ولكن اختلفت حياة البشر وأسلوبهم. هناك من يهتم بالماديات، فيرى الحب من وجهة نظره هدايا فاخرة، وأملاك وعقارات. وهناك من يهتم بالروح حقاً ويعشق هواها، ولكن في نفس الوقت تغمره السعادة بهدية من الطرف الآخر.

أسعدني تعليقك عزيزتي أسماء، يمكنك اعتبار تلك الخاطرة بمثابة تأمل في مشاعر هذا الجيل، والفرق بينا ما نأمله من الآخرين، وبين ما نقدمه نحن

وأنا أتفق معك حتى مع انتشار المادية سيبقى الحب.

شكراَ لكِ عزيزتي.

ربما وجود مواقع التواصل الاجتماعي، أعطت هذا الجيل نوعاً من المشاعر الزائفة. فهو من وراء شاشة الهاتف أو اللابتوب أو الجاهز اللوحي، يستطيع أن يملي مشاعره الزائفة. ولكن لا نستطع أن نعمم هذه القاعدة. وإن كنا نريد أن نلتمس الصدق في المشاعر ، فلنرى ذلك من خلال الأفعال والتصرفات. فالقول كثير ولكن الفعل لا يستطيع كل فرد القيام به.

في الحقيقة، ما يحدث الآن وما تتحدثين عنه هو تغيُّر شكل الحب، وهذا لا يعني أن الحب بذاته لم يعد موجودا، بل من الطبيعي أن يتغير شكله بتغير الزمن والأشخاص والعقليات.

قلتِ أنك تتساءلين لماذا قد يريد أحدهم أن يحب ويعرض نفسه لعذابات الحب. أقول: هذا شعور طبيعي. الحب بطبيعته يأتي في كثير من الأحيان مع الألم. مثله مثل أي شعور جميل، يجب التضحية والخسارة والتوجع في سبيل الحصول عليه. هذا لا يعني طبعا أن كل المحبين تعذبوا، هناك الكثير من قصص الحب السعيدة والجميلة، انظري حولك فقط وستلاحظينها.

ربما من المؤسف فعلا أن مفهوم الحب أصبح مشوها وملتويا في زمن الاستهلاكية هذا، لكن لا يجب أن يعمينا عن الجمال الحقيقي للحب.

بالمناسبة، هل تعتقدين أن من الممكن نشوء علاقة حب بين إنسان وآلة أو تطبيق؟

هذا ما قصدته عندما يقولون حب انسان لالة أو تطبيق أو روبوت، هذه قصة انسان غارق في حب نفسه، يذكرني الأمر بكلمات أغنية أجنبية تقول الفتاة لحبيبها

You could only love a puppet

I could never be a puppet

علاقات الانسان المعاصر معقدة للغاية، وبعضها ينذر بالخطر

ما هي في نظرك الحلول العملية للحد من مثل هذه العلاقات الخطيرة؟

لا أجد في أيدينا سوى التوعيةوالتوعية والتوعية، وأن نصمد على المعقول عندما يصبح العالم كله غير معقول، وكما قال جواد لن تصمد حضارة مبينة على الأنانية والفردية، ستسقط لامحالة، لكن متى؟ الله أعلم

عقارب الساعة المتكسرة ...!!

كيف أكتب لك الآن

كيف أخاطب فيك صوت الإحساس

وهل حقا توقفت عقارب الساعة حيث احترقت أوراقنا ذات مساء

لا أدري حقا ماذا أقول ..

لذا فكرت ألا أبعث لك هذه الرسالة

لئلا تظنيها أسلوبا جديدا آخرا في القتل

لازلت أصرخ في ليلي وحلمي

"أنتَ قاتل ..؟؟!! "

لازلت أذكرك وأنت تصرخين في وجهي

" أنت طفل شقي لا ترتاح حتى تهدم حياتك بيدك ..!! "

وأنا العاجز كنت أعتقد

أنني أنقذك من هذياني وجنوني ..

لذلك قررت أن أغادرك وأرفض البقاء في حياتك وحياتي ..

كنت أعتقد أنني أحافظ عليك وعليَّ ..؟!

كيف تصدقين الآن أنني كنت أبحث عن أي وسيلة تنقذك من كوابيس المستقبل وأنا ..؟!

قررت في ذاك الوقت أن أمنحك الحرية ..

وألا أجعل من حبنا حكاية سهلة يقرأها الجميع

وركاب القطارات السريعة ..

يفهم كل صديق أعرفه

بأني " أخسر " ضاحكا

أضحك خسرانا

مثل طفل ضاع إلى الأبد

وأنا طفلك الضائع في سراديب أوهامي ..؟!

ما أكتبه اليوم اعتذارا من كل شيء ..

أسفا على كل شيء ..

ولا أصدق اليوم ما يقال بأن :

" الحب هو ألا نقول أبداً أننا آسفون ..؟! "

كنت أعتقد أننا سعداء بهذا الفراق الكبير

لكني اليوم أعتقد أنني أكثر العشاق حزنا ..

وأكثرهم غرقا في المرارة والدموع ..

كم كنت أحبك .. ولا زلت ..

لازلت أبحث عن عقارب الساعة المتكسرة ..

كي أعيدها إلى حيث كنا ..

لنعيد الحب ..

ويحيا الحب ..

ولا نكن أبدا آسفين على الإطلاق ..

ويبقى الحب ..

وتعودين ..

د.مازن صافي

17 فبراير 2010

الله على الجمال وشكرا لمرورك الكريم أستاذ مازن،

مشكورة .. ربي يوفقك

Hadjer_azzougui أضف ردا

مقالك ذكرني بالدكتور عبد الوهاب المسيري في محاضرة له ذكر هذه النقطة، من أجمل وأفضل الأطروحات التي عالجها هي مسألة تسليع المشاعر الإنسانية في ظل الرأسمالية والمادية، أذكر أنه قال مرة مثالا عن الهدايا في الغرب، بمعنى أن الهدية في وقتنا الحالي أصبحت تقاس بقيمتها المالية وليس بمقدارها المعنوي وهذا أحد أوجه التسليع المادي و التمحور حول الذات لأن الهدف الأسمى اليوم هو دفع الناس للشراء و فقط.

كلامك في الصميم، ولخص الكثير، ولفظ "تسليع المشاعر البشرية" يصف الأمر تماما . شكرا على تعليقك البناء هاجر