"ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً .. تجاهلت حتى ظُنّ إني جاهل"، عندما قال أبو العلاء المعري هذه الأبيات كان يعيش في القرن العاشر الميلادي، لا القرن العشرين أو الحادي والعشرين!
وعلى ذكر هذا فهو لم يرى ما وصل إليه المجتمع من حالة جهل وتجهيل عامة وشاملة، أودت بجيل جديد إلى حافة الهاوية ومنحدر التهلكة في ظرف سنوات قليلة.
وهنا يأتي دورنا نحن كمثقفين وعارفين ومتعلمين في الحد من إفشاء هذا الجهل واستبداله بالتنوير، وهو الأمر الذي دفعني لمشاركتكم بهذه المساهمة حول الجهل والجُهّال.
فهل تعتقدون مثلاً أن الجهل آفة يجب الابتعاد عنها أم مرض يحتاج لعلاج سريع؟
هل تنظرون للجهلاء كطبقة أقل ينبغي علينا تجاهلها تماماً أم عنصر فعّال في المجتمع لم يجد من يوجهه في الاتجاه السليم؟
هل نحتاج لتجاهل الجاهل أم جهله؟ وهل من الأفضل التصدي للجاهل نفسه أم جهله؟!
جميع هذه التساؤلات قد لا تجد إجابة لا من سائلها ولا من قارئها مما يشوش الصورة ويبهت المفاهيم.
ولعل من المدهش أيضاً أنه مع كثرة تجاهل العارف للجاهل يظن الناس أن الشخص العارف هو الجاهل ويصبح تجاهله الجهل وابتعاده عنه سبباً في اتهامه هو شخصياً بالجهل!
فما هو العمل إذاً؟ وكيف يمكن تجاهل الجاهل؟ وكيف يجب التصدي لجهله كذلك؟
في انتظار آرائكم حول هذا الأمر وحلول للتصدي للجهل والجُهّال.
التعليقات
على حسب الشخص، أرى أن أغلب الناس اليوم يتجاهلون، ربما لتستريح أدمغتهم من عناء التفكير، أو ربما لتوفير طاقته، وربما لعلمه أن علمه لا ينفع وجهله لا يضر، فاختار جهله على علمه
أذكر مرة في نقاش حول بعض الأمور وتناول الإعلام لها، فطلبت من الرجل أن يعمل عقله قليلًا ولا يصدق أي شيء وكل شيء هكذا
فقال لي هكذا " لما أنهك رأسي طالما المعلومات تأتيني من غير جهد مني"، فأرى أن مثل هؤلاء هم الأولى بالتجاهل
أما بالنسبة لمن لا يعلم على الحقيقة فلماذا لا نناقشة وننور بصيرته دون أن نفرض عليه رأينا؟ أليس هذا في مصلحته ومصلحة المجتمع!
بالطبع الذين لا يعرفون الحقيقة رغماً عنهم بشكل أو آخر ينبغي علينا إرشادهم، فهم الأولى بالإرشاد.
أما أولئك الذين يتغافلون عما يحدث حولهم ويعيشون في حالة من اللامبالاة والجهل الذاتي عن قصد فهؤلاء أولى بالشفقة والتجاهل كما ذكرت ولن يثنيهم الإرشاد لأن الرغبة في المعرفة غير موجودة.
الشخص الذي ذكرته في مثالك قد يسمع وينقل ويتقبل كل شيء من الإعلام ويثير بلابل ويحدث ضجة من لا شيء دون دراية أو بحث، لذلك ألا ترى أن التجاهل قد يكون مفيداً لنا ولكنه خطيراً على المجتمع بشكل عام وبالنظر للمصلحة العامة؟!
نحن إن تجاهلناه، استمر في تفريطه وعدم مبالاته بشيء، وشاع الجهل في بلادنا وتغيبت العقول، وإن حاولنا إثنائه عن صنيعه هذا ربما ارتفع ضغطنا وأتلفنا أعصابنا على شخص لا يستحق، فلا أدري أيهما صواب
لكن إن وضعت أنا في مثل هذا سأحاول النصح مرتين أو ثلاثة على الأكثر، بعدها لا أدخل في جدال لا يرجى منه فائدة
حقيقة الجهل أفة خطيرة، وقد يفعل الجاهل بنفسه، ماقد لا يفعله العدو بعدوه، لكن هل الشخص الذي لا يعلم شيئا عن موضوع يعد أميا أم جاهلا؟ وكيف يمكن أن يكون الإنسان جاهلا في ظل ما يدور حول من تدفق هائل للمعلومات بفضل التكنولوجيا الرقمية؟ وهل الجهل قرار وإختيار أم قدر للإنسان بأن يكون جاهلا؟
ليس بالضرورة أن يكون الجهل عدم معرفة أو أمية يا عفيفة، فهناك من يجهل عن قصد أو لا مبالاة ومن يدعي المعرفة عن جهل ومن يدعي الجهل لنشر الشائعات والبلبلة.
والشخص الذي لا يعلم عن شيء هو جاهل به ولكن بمجرد أن يبحث ويسعى للمعرفة يتحول من كونه جاهلاً ليصبح ساعياً للمعرفة.
كما أشرتِ نحن نعيش في عصر الثورة المعلوماتية حيث يصعب التحجج بعدم وفرة المعلومات كسبب للجهل والأمية، لذلك أرى أن الجهل قرار شخصي وليس قدراً أو أمر واقع.
كما أن لكل شئ أنواع مختلفة فهؤلاء الأشخاص الذين نصفهم بالجاهلين ينقسمون إلى فئات مختلفة كذلك
فهناك الجاهل الذي لا يعلم الأمر وبمجرد أن يعلمه فإنه يتقبله ويصلح في نفسه ما أفسده جهله فهذا النوع يتقبل النصيحة ويعمل بها ومن السهل أن يستجيب إلى محاولات التوعية والتثقيف ، وهناك نوع آخر وهذا هو الأصعب ، الجاهل الذي يصر على جهله ويرفض الاعتراف أنه على خطأ ، بل ويحاول أن يُظهر الشخص العالم وكأنه هو الجاهل الذي لا يعلم من الأمر شيئًا، وأرى أن هذا النوع من الأشخاص هو الذي لايفلح معه شئ سوى التجاهل فمحاولة إصلاحه مضيعة لوقت المصلح
تصنيف ممتاز وواقعي جداً يا أسماء.
برأيي هناك أيضاً نوع آخر هو الجاهل اللامبالي، الذي يعلم بجهله مثل النوع الثاني ولكنه لا يبالي بالحقيقة أصلاً فهو يرغب في العيش في جهله ولن يحاول إثبات خطأ الآخرين أيضاً، هو فقط لا يبالي!
قد يكون هذا النوع متفرعاً من التصنيف الثاني الذي ذكرته.
ولكن في حالة النوع الثاني ألا تعتقدين أن المصلحة العامة تقتضي إيقافه عند حده حتى لا ينشر الشائعات ويخرب المجتمع ويشيع الفساد بين أفراده.
لن يجدي معه شئ
هذا النوع الثاني من الجاهلين لا يتراجع عن كونه هو من على صواب والعالم كله على خطأ ، فالشائعة بالنسبة إليه حقيقة لكن العالم يريد إخفاؤها ، والخطأ بالنسبة إليه صواب لكن لا أحد يريد الاعتراف به ، والجاهل في نظره عالم، والعالم جاهل لا يفقه شئ في الحياة
وهكذا لن تأخذ منه سوى مضيعة الوقت والجدال الذي لا جدوى منه ، لذلك أرى أن تجاهل هذا الجاهل هو الحل الأمثل بالنسبة لي
صدقتِ في هذا.
يذكرني هذا بقول مأثور لوليام ماكدو: "يستحيل هزيمة رجل جاهل في نقاش".
فهو لا يهتم بالنقاش وأصوله والحقيقة والصواب بل بكونه الفائز والعالم الفهيم مهما كان الثمن.
أرى دائما الجاهل على أنه شخص ضعيف مجني عليه، لذا ما أشعر به تجاهه هو ( الشفقة )
ومن ناحية أخرى، فكلّنا جهلاء، فإذا كنتَ عالما في الرياضيات مثلا، إذا سألتك الآن عن الفلك ربما لن تجيب على أي سؤال، وهذا يعني أنك جاهل في هذا العلم، ولكن النقطة الفاصلة هنا هو ما يفعله الجاهل.
فإذا فتحنا نقاشا في موضوع ما، وجاء شخص جاهل وبدأ يسألنا ليتعلّم أو يحاول اكتساب المعلومات أو أنه يسكت فقط ويسمع، فلا مشكلة لدى ما دام لم يسبب مشكلة، أمّا إذا جاء وبدأ يدخل في النقاش بشكل همجي ويحاول أن يظهر أنه على صواب وهو في الأساس جاهل فهنا المشكلة.
وهنا أفضّل أن يكون التعامل معه على مراحل، الأولى أن تخبره أن هناك معلومات لا يعلمها وهي كذا وكذا وكذا، وتشرحها له بهدوء، أمّا إذا تمادى واستمر في التهكّم والسخرية ( وأعتقد أن هذا ما يحدث في أغلب الأحيان ) فالأفضل هنا أن تتركه وترحل، والأيام والمواقف هي من ستظهر له كم هو جاهل وترغمه على التعلّم.
أتفق معك في أننا جميعاً جاهلون بشكل أو آخر وبحسب علمنا ومعرفتنا الضئيلة نعلم أننا مخلوقات ضعيفة وصغيرة ومحدودة الفهم جداً بالنظر لضخامة هذا الكون وفخامة مخلوقاته ولعل ما سبقنا من مخلوقات وحضارات وشعوب مثل الفراعنة القدماء يثبت ذلك.
ولكن الفصيل بين الجهل الواعي والجهل اللامبالي كما ذكرت هو استجابة الشخص لجهله وقبوله لحقيقة أنه يجهل بعض الأشياء مثل الجميع.
تخوفي الوحيد من التجاهل للجاهل اللامبالي أو المؤذي الذي يشيع جهله هو الضرر الذي يلحق بالمجتمع وأشعر بأنه هناك واجب مجتمعي علينا تجاه هذا الشخص، ألا تعتقد؟
مشاركة رائعة من جانب، و أذكر قول الإمام الشافعي : " كلما أدّبني الدهر أراني نقص عقلي و كلما ازددت علمًا زادني علمًا بجهلي”.
جميعنا نحمل الجهل في شيء أو أكثر، ولكن في رأيي الحديث حول الموضع ذاته، أي أن قد يكون الصحيح في غير موضعه خطئًا، ولذلك هناك ضرورة لمخاطبة الناس على قدر عقولهم، وهذه المخاطبة لا تعني تزييف الحقيقة أو الوقائع.
قد نتجاهل في مواقف ما قد لا تكون مؤثرة، وفي المقابل هناك مواقف أخرى تستوجب التصدي مثل التي تتعلق بالثوابت والقيم المُثلى، والتي حينما تتغير تؤدي إلى طريق الظلام.
هل في رأيك أن كل الجاهلين كان لديهم فرصة كافية للتعلم؟ أم أن هناك عوامل تشترك في تشكيل معلومات الفرد؟
كلما أدّبني الدهر أراني نقص عقلي و كلما ازددت علمًا زادني علمًا بجهلي”
أشكرك على هذا القول الرائع عزيزي عمرو، فهو يلخص المعنى بشكل واضح.
هناك مواقف أخرى تستوجب التصدي مثل التي تتعلق بالثوابت والقيم المُثلى، والتي حينما تتغير تؤدي إلى طريق الظلام.
أتفق معك في هذه النقطة فالسكوت والتجاهل هنا يعد تقاعساً وخذلان.
هل في رأيك أن كل الجاهلين كان لديهم فرصة كافية للتعلم؟ أم أن هناك عوامل تشترك في تشكيل معلومات الفرد؟
إيماني بأن الله عز وجل عادل في إتاحة وتوزيع الفرص لذلك فأنا أعتقد بوجود فرص كافية للجميع للتعلم خاصة في عصرنا هذا، وهذا لا يعني عدم وجود فرص أكثر لشخص عن آخر ولكن من تأتيه فرص أقل تكون فرص أثمن برأيي، هذه هي عدالة التوزيع.