كيف أتعامل مع مشاهد الموت اليومية كطبيب؟

حين بدأت رحلتي في الطب، كنت أظن أنني سأواجه الموت أحيانًا، في لحظات نادرة أو حالات استثنائية. لم أتخيل أنه سيكون رفيقي اليومي، يمر أمامي بصور مختلفة، دون استئذان. أدركت أن الموت ليس حدثًا نادرًا، بل مشهد متكرر. تراه في لحظة توقف جهاز، في نظرة وداع، أو في دمعة حارّة من أمٍ فقدت فلذة كبدها.

أتذكر أول مريض فقدته -طفل رضيع- حياته لم تتعدى بضع ساعات. لم يكن مجرد رقم في السجل، بل إنسان له اسم، ووجه، وقصة انتهت قبل أن تبدأ. عدت إلى المنزل يومها وأنا أشعر بثقل غريب على صدري، أتذكر ملمس جسده في محاولتي لإنقاذه، وكأنني حملت جزءًا من موته معي. مرّت الأيام، والمواقف تكررت، وأصبحت أمام خيارين: إما أن أتألم مع كل رحيل، أو أن أرتدي قناع التماسك كي أستمر.

فسؤالي الآن لكم، كيف أتعامل مع مشاهد الموت اليومية كطبيب؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

مما رأيته مع زملاء أطباء في الطوارئ مثلًا، كلهم وصلول إلى مرحلة "التعوّد"، اعتياد مشهد الموت بالنسبة إليهم أصبح ضروري، ومعه يتعاملون بأسلوب الشفقة لا التعاطف، بمعن إنهم يفصلون نفسهم تلقائيًا عن معايشة شعور الحالات، يشفقون ويهتمون، لكن لا يدخلون إلى الحالة الشعورية التي تجعل من العسير عليهم استكمال عملهم أو حتى التعايش في حياتهم اليومية.

الأمر مرهق، ولكن الاعتياد ضروري من ناحية ان يحافظ الطبيب على توازنه وحتى يستطيع مساعدة مختلف المرضى على مدار اليوم، فتخيل لو إنه -مع كل حالة تتوفى- يتألم إلى الدرجة التي تؤثر في إنجازه للمطلوب بحكم عمله الشاق طبعًا.. أتفهم المشكلة، وفي رأيي ارتداء قناع التماسك سيكون حليفك لمدة زمنية حتى تعتاد المشهد..

إذا كان الطبيب يتعوّد على مشهد الموت بشكل يومي، هل حقًا يمكن أن يستمر في تقديم رعاية طبية فعّالة إذا فقد التعاطف تمامًا؟ أليس هذا الأسلوب في الفصل العاطفي عن المريض، رغم ضرورته في بعض الأحيان، قد يؤدي إلى تراجع في الجودة الإنسانية للرعاية الطبية!!

هناك فرق بين فقدان التعاطف والشفقة، فقدان التعاطف خاطئ وهو غير مقصود، ولكن الشفقة المقصود بها أنني اتفهم مثلًا حالة المريض دون أن أنخرط في الحالة الشعورية بأكملها معه، وهذا ضروري جدًا، لأن دور الطبيب هو التعامل بموضوعية مع الحالة مهما كانت النتائج سيئة، فلو إن الأم تخشى فقدان إبنها مثلًا، والحالة تستدعي إخبار الأم إن حالة الولد نسبة إنقاذها لا تتجاوز 10%، فهل يقول لها الحقيقة أم ينكرها خوفًا على مشاعرها؟؟ بالطبع أسلوب التعامل مع المرضى أساسه فهم عواطفهم ومطلوب إنسانية التعامل، ولكن الموضوعية والرأي الطبي ضروري أيضًا والوضوح بكل التفاصيب المرضية في غاية الأهمية.

إذا كان الطبيب يعتمد فقط على الموضوعية في التعامل مع الحالات، هل يعني هذا أن الهدف النهائي يصبح مجرد نقل المعلومات بآلية، دون أن يشعر المريض بأن هناك من يهتم به بشكل إنساني؟ الطبيب الذي يركز فقط على إخبار الحقيقة الصادمة دون أي لمسة إنسانية قد يتحول إلى مجرد آلة تنقل بيانات، تاركًا وراءه المريض في حالة من الفراغ العاطفي.

  • حذف بواسطة المستخدم
raghd_agaafar أضف ردا

تجربتك تعيدنا لسؤال هايدغر الأبدي: كيف نكون مع الموت؟

نصيحتي لك، لا تجعل الاعتياد يسرق رهبة الموقف، لكن لا تجعله يشلك أيضًا. تعلم أن تحترم الموت دون أن تُقدّسه. هو جزء من الوجود، لا نقيضه.

يعني مشاعرك في تلك المواقف مرتبطة بكيف تنظر للموت وحسب. يجب أن تتصالح معه وتعلم أنه واحد من الحقائق المؤكدة في "حياتنا" وأنه قد لا يكون بتلك البشاعة.

فكرة الفراق تؤلم أكثر.

فكرة أن الشخص الذي مات لن يرى أو يقابل أحباءه مرة أخرى! إلا بالجنة طبعًا.

فهمت من كلامك أن الموت يصبح أقل تأثيرًا عندما نتعامل معه على أنه مجرد جزء من الحياة دون أن نعطيه ما يستحق من رهبة أو احترام.

لكن إذا لم نقدر الموت فعلاً كما نقدره للحياة، لن نعرف أهمية الحياة.

طبعًا. لأننا نعلم أنه أتٍ على كل حال، هذا دافع قوي جدًا لنعيش الحياة بكل تفاصيلها.

لكن لا داعي لمشاعر الخوف والألم التي تصاحبه. بعيدًا عن إنها لن تغير من الموقف شيئًا، هي تمثل الموت كما لو كان وحشًا. في حين أنه قد يكون أرحم من الحياة.

 لا داعي لمشاعر الخوف والألم التي تصاحبه!!

الطبيب ليس مجرد ناقل للمعلومات أو مُخبر بالحقائق الباردة؛ بل هو شخص يعايش التجربة الإنسانية بأبعادها المختلفة، من ألم ومعاناة وأمل. فإذا تخلى الطبيب عن مشاعره تجاه الموت، وأصبح مجرد آلة لإعطاء الحقائق بموضوعية باردة، لن يظل قادرًا على تقديم الرعاية الإنسانية الحقيقية التي تحتاجها الحالات المرضية.

لا داعي للمبالغة دكتور. أنتم تفقدون ذلك الإحساس منذ الدرس الثاني من سكشن الأناتومي وحضرتك تدري ذلك.

هذه نظرة مجتمعية خاطئة جدا، جملة لأنكم "تفقدون الإحساس" من ثاني سكشن أناتومي، مهينة لإنسانيتنا.

لماذا يرى المجتمع الأطباء أنهم بلا قلب؟؟

Nourabdelhamid أضف ردا

ربما لأنها طبيبة فلديها تجربة، لكن ارى أن التعميم هنا ليس وارد فشخصية الطبيب نفسها لها عامل كبير

صحيح، شخصية الطبيب نفسهل لها عامل. لكن القلة الذين فقدوا الاحساس هم من يسيؤون لنا. والحقيقة أن اعتراف البعض منّا بفقدان إحساسنا كأطباء هو ما جعل المجتمع يحقتر إنسانيتنا وبنى ضغينة بين المرضى والطبيب حتى قبل أن يتلاقوا.

للأسف أشعر بالأسى لأن الحل الان هو أنني أفقد إنسانيتي وأتعامل مع الأرواح أنها مجرد حالة تسجل على الورق فقط "توقيت الوفاة، سبب الوفاة" ومن ثم أذهب للحالة المقبلة بتبلد مشاعر.

raghd_agaafar أضف ردا

ليس إلى هذه الدرجة.

لكن أنت في مهنة تفرض عليك ذلك، وما باليد حيلة، سوى إيجاد طريقة للتعامل مع هذا، والحيلة التي أنصحك بها هي تغيير نظرتك للموت من الأساس.

بالطبع لن تتخلى عن عواطفك بالكامل، ولكنك ستتخلى عن جزء كبير منها.

لن تفكر في المريض الذي مات كإنسان له ذكريات وحكايات وخطط، ولكن ستفكر فيه كجهاز أو عضو ما توقف عن العمل لخلل ما به، ولم تنجح عملية إصلاحه.

لو فكرت في كل حالة تموت بطريقة إنسانية، فلتنسَ أن تعيش حياتك.

huda_khashan19 أضف ردا

أخي كانت لديه حساسية نفسية مفرطة، وللاسف صادفت تدريباته مع موجة الحرب، وبالتالي صباحًا ومساء يرى الموتى، ولكن مع التكيف والاعتياد اصبح الامر بالنسبة له وكأنه عادي، أي نعم يتأثر ويبكي في بعض الأحيان ولكن مع إدراك أن نهاية كل إنسان الموت، بدأ يتقبل ذلك، كثيرًا ما كان يتبادل مع زملائه ومعنا كعائلة بعض القصص المحزنة لهؤلاء الموتى محاولًة منه التخفيف عن نفسه و الفضفضة عن أي مشاعر مكبوتة تنتابه، وقد ينجح في ذلك. ناهيك بأن يذكر نفسه بأنه كان اخر شخص مع المريض قبل موته وبالتالي هذا يخفف عنه، اذ لم يتركه بمفرده أثناء موته.

إن ما مر به أخوك بالفعل تجربة صعبة جدًا. التحدث عن هذه التجارب والفضفضة مع الآخرين قد يكون وسيلة فعّالة للتعامل مع المشاعر المكبوتة، كما فعل أخوك مع زملائه وعائلته. ولكن إدراكه أنه كان آخر شخص مع المريض قد يخفف بعض الألم، ولكنه أيضًا يفتح بابًا كبيرًا للحديث عن كيفية تأثير هذه التجارب على النفس البشرية.

انت تتعامل مع اشخاص لحظة، مفارقتهم للدنيا ولكن في غرفة أخرى هناك دكاترة يتعاملون مع الجثث بعد موتها..... 

هناك كتاب عنوانه وللجثث رأي آخر للدكتور محمد الشيخ وهو طبيب شرعي يعمل بمشرحة "زينهم" ...

بصراحة الكتاب كله إثارة ورعب، اشخاص يتعاملون مع العالم الآخر بكل ما فيه من وحشة ورعب وغموض واحداث ليس لها تفسير الا ما يزيدها غموضاً .... 

هذا الطبيب يتعامل مع الجثث كما يتعامل الجزار مع ذبائحة وعنده ادوات كثيرة ربما تكون مخيفة اكثر من الجثث نفسها ، منشار كهربائي، ومشارط ، ووو......

برأيك كطبيب ايهما اصعب التعامل مع البشر لحظة مفارقتهم للحياة او لحظة تشريحهم ؟

ربما الطبيب الشرعي، رغم المسافة الظاهرة بينه وبين الميت، يواجه الجانب الأكثر تجريدًا ووحشية في علاقتنا بالموت، لأنه مُطالَب بأن "يفهم" ما جرى دون أن "يشعر" به، بينما طبيب الطوارئ على الأقل يعيش اللحظة ببشريته كاملة، حتى إن خسر المريض. سأختار أن أكون موجود لحظة مفارقتهم الحياة.