معكم خالد، معلم لغة إنجليزية ومترجم خبير بدقائق الترجمة. بعد أن تخرجت في كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية عملت مترجمًا لعامين في مكتب ترجمة ثم لظروف قاهرة وقتها تركتها إلى ممارسة التعليم وما زلت أمارسه. أحب التعليم وأحترف الترجمة وعملت في مواقع العمل الحر ومنها مستقل طيلة أعوام وما زلت أعمل عليها. الآن أطلقوا العنان لأسئلتكم في كل ما يخص الترجمة وأنا جاهز لإجابتكم.
مترجم في الزوج العربي الإنجليزي بخبرة تربو على عشرة أعوام. اسألني ما تشاء.
مرحبا خالد، بالنسبة للترجمة والذكاء الاصطناعي هل تجد تهديد مباشر لهذا المجال، خاصة مع وجود أدوات قوية تساعد في ذلك، وما هي نصائحك كشخص خبير بالمجال لشخص مبتدىء ولا يريد استبداله بالذكاء الاصطناعي فيما يركز ليكون متميزا؟
الحقيقة لا أجد أي تهديد للمترجم الذواقة الذي يُحسن الترجمة ويترجم عن شعور وفهم صادقين. ولأحرر القول فإني أقول أني مؤخرًا عملت على أكثر من مشروع وكان يطلب مني ترجمة أبيات شعر أو تدقيقها. كانت اللغة المصدر هل الإنجليزية فرحت أستشير تشات جي بي تي في ترجمته لأرى رأيه! الحقيقة أني ضحكت ملء شدقيّ! كانت ترجمة مضحكة ركيكية لا تعبر ولا تقترب قيد أنملة من المشاعر المبثوثة في الأبيات أو في قافيتها أو في وزنها! لذا، أجهدت نفسي لأصل إلى صوررة قريبة جداً من المعنى المراد مع إعطاء الطابع الشعري للترجمة. ولذا، فالذكاء الإصطناعي برأيي لن يتسبدل المترجم الذي يتذوق ما يترجمه ولا يرص المفردات رصاً. ثم إن هناك ما يعرف بالسمت الثقافي أو ( Cultureme) أو السمة الميزة لثقافة اللغة الهدف. هذه وحدها لا يصل أو مستحيل أن يصل إليها الذكاء الإصطناعي فلابد للمترجم أن يكون ثنائي اللغة و ثنائي الثقافة (Bicultural)
أما المبتدئ فلابد له من أن يميز نفسه عن أدوات الذكاء الصناعي بما قلته؛ بمعنى أن يكون لديه حس المترجم وأعتقد أن العميل الذي يحترم عمله لا يختار ترجمة مترجم يعتمد على الذكاء الإصطناعي ليترك المجتهد الذي يحاول أن يرقى بنفسه كل يوم.الخلاصة الترجمة تحتاج إلى متابعة كل جديد وكل ثقافة تنشأ في الزوج اللغوي الذي يتقنه المترجم.
لكن ماذا عن النصوص الأخرى الغير شعرية؟ مثل المقالات والحوارات والكتب التعليمية والوثائق والملفات وغيرها ..
اقتنعت برأيك فيما يخص روح النَص، وأن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك المهارة الكافية لفهم النص بعمق وإضافة الحالة الشعرية والشعورية على النص المترجم.
فماذا عن النصوص العادية إذا؟ أعتقد أنه يبلي فيها بلاءً حسنا، فهل صار ذلك يغنينا عن المترجمين في هذا الجانب من الترجمة؟
أهلاً خالد، شكرا لك على وجودك معنا، كيف يمكن للإنسان تعلم الترجمة خاصة إذا كان لديه مستوى جيد في اللغة
برأيي أهم شيئ -بعد اتقان اللغتين و التعرف على آدابهما - الإطلاع على المقابل الثقافي للغة الهدف. يعني نحن نفهم ثقافتنا ثقافة اللغة العربية ولكن علينا أن نفهم ثقافة اللغة المُترجم إليها. ما نفعني شخصيًا أنني كنت من سنوات حتى أيام الدراسة أقرأ روايات أو كتباً عربية مترجمة إلى الإنجليزية أو العكس. كنت أقابل بينهما وأدرسهم وكنت أحيانًا أحفظ بعض التعابير الإصطلاحية. برأيي القراءة المتعمقة هي التي تصنع المترجم. أما الفنيات فنعرفها خلال الممارسة.
مرحبا أستاذ خالد، من واقع خبرتك هل الترجمة مهنة تعتمد على الحرفة واتقان اللغات فقط، أم أنها عمل إبداعي يضاهي الكتابة نفسها؟
أنت مثلا كمترجم محترف، هل تجد نفسك تنقل النص فقط، أم أنك أحيانًا تُعيد صياغته ليحمل روحًا جديدة تناسب ثقافة القارئ العربي؟
وهل ترى أن المترجم يمكن أن يكون محايدًا تمامًا، أم أن الترجمة بطبيعتها تدخلها اختيارات ذاتية دقيقة، خاصة في النصوص الأدبية أو الفلسفية؟
أم أنها عمل إبداعي يضاهي الكتابة نفسها؟
أهلًا مجدي كيف حالك؟ أعتقد أنها أحياناً تفوق الكتابة صعوبة؛ لأنك حينما تكتب فأنت تكل القارئ إلى فهمك أم حينما تترجم فأنت مطالب أن تصل بالقارئ أن يفهمك أو يفهم النصوص المترجمة. أذكر أني قرأت طرفة حقيقة لا أذكر في أي كتاب قرأت. يقول الكاتب أن الروائي علاء الأسواني كان يستضيف في بيته ضيفة ألمانية وسعمت أغنية تقريباً لفريد الأطرض يقول فيها:
تقول لأ
وأقول آه
وتقول قلوبنا آه
مالوش حق
يقول لأ
اللي بيقصد آه
لما سألته الضيفة عن المعنى راح يترجم لها وترجم وقال (على ما أذكر):
You say no
I say No
But our hearts say yes
Why does a person say No
Though deep in his/her heart
He/she means Yes
لم تفهم الضيفة واعتربت أن تلك سخافة و قالت ما معناه: إذا كان الشخصان يحبان بعضهما البعض فلماذا يقولا ن هذا دون صراحة أو مواربة؟!!
هذا المثال يجيب على سؤاليك.
وهل ترى أن المترجم يمكن أن يكون محايدًا تمامًا، أم أن الترجمة بطبيعتها تدخلها اختيارات ذاتية دقيقة، خاصة في النصوص الأدبية أو الفلسفية؟
لا، بالطبع لا يمكن أن يكون محايد مائة بالمائة وهنا أذكر المثل الإنجليزي المنقول عن إيطالي يقول: A Translator is a Traitor. يمعنى أن المترجم لابد أن يخون النص وأن تتبدى فيه ذاتيته ولكن كلما كان بعيداً عن ذلك كان ذلك أدعى لأن يكون مترجمًا محترفاً.
الحقيقة أنها متقدمة بالفعل ولكن هناك فنيات لا يمكن الإعتماد على الذكاء الإصطناعي فيها وأعتقد أن المترجم الذي يحترم عمله لا يعتمد عليها بالمطلق. يعني ممكن يستأنس بها كعمل أولي أو Blueprint ثم يدق وينقح عمله ويضع فيه مشاعره وقلبه. لا أعرف أي المواقع أفضل ولكن تشات جي بي تي فيه غناء أيً غناء للمترجم إن كان يستعين به.
مرحباً أخي، في البداية أنا معجب بمجال عملك كثيراً وعندي رغبة قوية لتعلمه أو على الأقل تعلم اللغة لا الترجمة بعينها، وللأسف لم يحالفني الحظ لدراسة اللغة أكاديميا، فلو سأسلك طريق فردي للتعلم بماذا تنصحني أريد خريطة للأمر أو بداية واضحة
أهلًا أخي إسلام. ومن قال أن التعليم الأكاديمي أفادنا في عملنا كل الإفادة؟! أعتقد أن ذلك يعتمد على المجهود الشخصي. أهم ما أنصحك به هو كثرة السماع لمصادر اللغة يعني القنوات الإخبارية باللغة الإنجليزية هيئة الإذاعة البريطانية BBC و البودكاست بها والوثائقيات وإن كانت اللكنة صعبة شيئ ما ولكني شخصياً أحبها ثم عليك بالأفلام وبمتابعة ترجمتها ثم قرءة الاعمال الأدبية وترجمتها لمترجمين كبار موثوق في ترجتهم وحس الأدبي وأعتقد أنك بضغطة زر على جوجل يتاح لك كل ذلك.
سعيد بالمبادرة التي تقدمها أخي خالد.
وعندي سؤال لحضرتك، بفضل الله مستوى اللغة الانجليزية لدي جيد جداً، لكن على الرغم من ذلك لا استطيع التحدث مثل السكان الأصليون.
لذا بماذا تنصحني لكي أتمكن بتحدث اللغة الانجليزية كالسكان الأصليون الناطقين بالإنجليزية؟!
أهلًا أخي أندرو. ولماذا نريد أن نتحدث مثل السكان الأصليون؟! يعني إلا يكفينا أن نكون طلقاء في التحدث بلغتهم ونعبر عن أفكارنا خير تعبير ونفهمهم ونُفهمهم حين نتحاور؟!! أعتقد أن ذلك كافي جدًا. أعتقد لا يُتاح لأحدنا ممن نشأ ودرج في بلد غير ناطق باللغة الإنجليزية أن يحاكي في لهجته أهل البلاد الأصليين مائة بالمائة وإلا كانوا فعلوا هم من قبلنا بلغتنا. ولكن أنصحك بكثرة السماع. فكما يٌال في الأمثال: اللغة بنت السماع فكا تسمعه الإذن يحكيه اللسان. استمع كثيرًا إلى مواد متنوعة باللغة الإنجليزية من نكات وأفلام و أخبار وثقافة أهل البلد.
مرحبا أ. خالد
أود سؤالك عن مدى تأثر عملك ومجال الترجمة بالذكاء الاصطناعي؟ وهل تعتقد أن وظيفة المترجم ستظل موجودة بعد عدة سنوات أم سوف تُستبدل بأحد نماذج الذكاء الاصطناعي؟
وسؤال آخر من فضلك، هل قابلت في عملك أي مرة حيرة بسبب الاختيار ما بين ترجمة كلام مسيء أو مخالف للشريعة لنقل العمل كما هو وبين ترك الكلام لأنه مسيء؟
لأجيبك بمثال عملي على الفرف بين ترجمة الإنسان وقصارى ترجمة الذكاء الأصطناعي أقتطف الأبيات الشعرية التالية. ألقيهم لدى تشات جي بي تي وانتظري بما يخرج به إليك.
Young children, as we clearly see, Pretty girls, especially,
Innocent of all life’s dangers, Shouldn’t
stop and chat with strangers.
If this simple advice beats them,
It’s no surprise if a wolf eats them.
—Charles Perrault, Tales of Mother Goose
أما أنا فكانت ترجمتي كتالي:
وكما هو واضحٌ وجليٌّ لنا فالأطفال الصغار ولا سيّما
الفتيات الجميلات البريئات ممن لم يشهدن مخاطر الحياة
لا ينبغي لهن التوقف بالطريق للحديث مع غريب غير صديق
إنْ فاتتهن هذي النصيحة العادية فلا عَجَب إنْ َأكَلَهن الذئاب العاوية
كانت تلك الترجمة من كتاب عملت عليه مؤخراً وقد راق العميلة جداً. أعتقد أن هذا هو الفرق.
وسؤال آخر من فضلك، هل قابلت في عملك أي مرة حيرة بسبب الاختيار ما بين ترجمة كلام مسيء أو مخالف للشريعة لنقل العمل كما هو وبين ترك الكلام لأنه مسيء؟
نعم، عُرض علي عمل كان سيستمر لشهور لترجمة ترنيمات كنسية ولكني لم أقبلها. كان ذلك في إحدى مواقع العمل الحر الأجنبية. كما أني وجدت في أعمال أخرى أجنبية عبارات مخلة فاحترت هل أنقلها كما هي أم ألتف حول النص وأكون حينئذ غير أمين في الترجمة أو نقل المعنى؟! حينها العميل وفر علي الحيرة وقال اترك هذا الجزء ولا تترجمه. لقد كان معيبًا فاضحًا فتركته وحمدت له ذلك. اعتقد أن ذلك كان يخص ترجمة عمل لشخصية أسطورية مغربية هي القنديشا عيشة.
أستاذ خالد، في عملك كمترجم لا بد أنك واجهت نصوصًا تحتوي على عبارات أو مفاهيم لا يمكن نقلها حرفيًا إلى العربية دون أن تفقد معناها أو يتم فهمها بشكل خاطئ، في مثل هذه الحالات هل هناك معايير أو خطوات تتبعها لتحقيق هذا التوازن بين الأمانة للنص الأصلي ووضوحه للقارئ العربي؟
كثيراً ما قبلت ذلك ولكن أبرز مثال واشهره ( بالطبع لم أقابله أنا ولكن قابله مترجمون عمالقة وأساتذة جامعات قبلي) مثلاً تعريب قصيدة شكسبير الشهيرة جدًا:
Shall I compare thee to a summer's day
أفضل ترجمة لتلك القيدة وخاصة لذلك البيت كان ترجمة الدكتور محمد عناني رحمه الله فترجمه بالقابل الثقافي ولم ينقله حرفيا وإلا فلن يفهم القارئ العربي الذي يرى في الشمس و الصيف حرارة وزهق وضيق فترجمه تقريبا بالتالي:
من ذا يقارن حسنك الضافي بربيع قد تجلى.....
هذه أسلم طريقة ولكن من المترجمين من ترجمه بالصيف وقال أن على القارئ العربي أن يفهم أن هناك ثقافة غيرنا أن يدئك ذلك ولذا ترمه بعضهم: ألا تشبيهن صفا الصيف؟! ولكني أميل إلى الترجمة الأولى.
مرحبا خالد، مبادرة طيبة صراحةً أشكرك عليها.
أنا أحب قراءة الروايات المترجمة، لكن هناك تباين كبير في ذلك، فكثيرا ما أجد رواية مُترجمة مرتين من قِبَل شخصين مختلفين: أحدهما مترجم محترف والآخر كاتب روائي، وفي الأغلب يكون الكاتب الروائي - والذي بالتأكيد لم يدرس الإنجليزية أكثر من المترجم - أفضل من المترجم بمراحل.
فما سر هذا الاختلاف؟ وخصوصًا وإن وضعنا في الإعتبار أن كلاهما إن تعرضا لامتحان في الترجمة فسيتفوق المترجم بفارق كبير ..
التعليقات