قفزة مُرة

  • مجهول

يداك متشابكة خلف ظهرك دون حبل يربطها، فمك مكتوم دون كمامة، قدماك مكبلتان دون قيد على طرف لوح خشبي ممتد عبر الفراغ، يخترق الهواء البارد أضلاعك فيسري في جسدك كالكهرباء يرجف كل عضو فيك، مثبتة عيناك على هوة عميقة في القاع تحت اللوح، تتأملها برعب وكأنما تشاهد قبرك، ولا يفصل بينك وبينها إلا قفزة، يحسبك عنها الضباب الكثيف الذي يخفي الأرض من تحته.

فلا ترى من خلاله إلا أشباحً رسمها عقلك، لا تسمعها، لكنك تخشاها، ويبرر عقلك جموده بأنه لم يرى من قفز عن اللوح قبلك، ولا من يدعمك على القفز أو يقفز معك حتى، فيزيد إحساس الوحدة من ثقل قرار القفز على قلبك.

إلا أن البرد في ضلوعك، والألم في روحك، والوقت الذي يضني آكلا عمرك، وجهلك بما يخبئه عنك الضباب، كل هذا يمزقك رعباً، فتشعر أن ذلك اللوح الذي تقف عليه سيكون نعشك.

فإن كنت في كل الأحوال ميتاً، فلما لم تقفز إلى الآن؟!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

فإن كنت في كل الأحوال ميتاً، فلما لم تقفز إلى الآن؟!

هذا سؤال سألته لنفسي حين راقبت الكثير من أهالي دولنا العربية في مصر وسوريا ولبنان يعانون من جراء الصعوبات الإقتصادية كثيراً ولكن مع ذلك هم مصرّون على استخدام الحلول القديمة في مواجهة المشاكل الجديدة، فلا هم يفتحون مشروعهم الخاص ويغامرون بالأمر ولا هم يهاجرون ويغامرون، لا يريدون أن يقفزوا، هذا كنت استغربه جداً إلى أن وصلت أخيراً إلى السبب الذي يجعلهم كذلك عبر قرائتي بالصدفة لدراسة عن الضفدع حين نضعه بالنار، يقال أنك حين تضع الضفدع في الماء العادي وتشعل تحته النار وترفع حرارة الماء رويداً رويداً لن يقفز الضفدع إلا بعد فوات الأوان وتآكل العضلات، وهذا بالضبط ما يصير معنا، أن الكثير لا يقفز بسبب أنه يقول: عمر قضيت في هذه المناطق لأسافر بعدها؟! عمر قضيت في هذه المصلحة لأغلقها بعدها؟!

فإن كنت في كل الأحوال ميتاً، فلما لم تقفز إلى الآن؟!

حقيقةً ليس هناك أروع من أن يصل إلى إدراك أنه لا يمتلك شيئًا كي يخسره، وأن كل ما فوق التراب تراب، وأن الخوف سجن وهمي غير مبني على أي أساس سليم أو خاطيء.