خلال حديثي مع صديقتي التي تعمل أيضًا كمستقلة، شاركتني طريقتها في تسعير المشاريع. قالت: أنا لا أُسعّر حسب الوقت أو الجهد فقط، بل أُفكّر: هذا المشروع، كم سيوفّر على العميل؟ كيف سيساعده؟ هل سيسهم في زيادة مبيعاته أو تحسين صورته أمام جمهوره؟ استوقفتني عبارتها، فسألتها: وكيف تعرفين مسبقًا إن المشروع سيكون له هذا الأثر؟ قالت ببساطة: من خلال فهمي للهدف من المشروع، وسياقه داخل عمل العميل. لا أحتاج إلى أرقام دقيقة، لكن يكفيني أن أُدرك إن ما أقدّمه له فائدة واضحة تؤثر على عمله بشكل مباشر. كلامها جعلني أعيد التفكير في طريقتي في التسعير، وهل أحيانًا أقلّل من قيمة عملي حين أربطه فقط بعدد الكلمات أو الوقت المبذول. ما رأيكم؟ هل سبق أن فكّرتم في تأثير خدماتكم على العميل عند تحديد السعر؟ وهل التسعير القيمي يناسب مجالاتكم؟
التسعير القيمي: خطوة ذكية أم مخاطرة في العمل الحر؟
رغم أن التسعير بناء على القيمة التي نقدمها جيد لكنه يحتاج معرفة قوية بتفاصيل المشروع وبماذا سيعود كقيمة على صاحب المشروع خاصة أن من الصعب على المستقل، خاصة في المشاريع الجديدة أو الغامضة، أن يُقدّر بدقة مقدار الفائدة المالية أو النوعية التي سيجنيها العميل.
كذلك كثير من العملاء، خصوصًا في العالم العربي، ما زالوا يفكرون بالتسعير حسب الساعات أو عدد الصفحات أو حجم العمل، لا أثره.
وبالتالي تقبله لهذا النوع من التسعير لن يكون إيجابي
أتفق تمامًا معك لأن التسعير القيمي فعلاً يحتاج وعي متبادل بين المستقل والعميل وفهم عميق لطبيعة المشروع وأهدافه والواقع أن أغلب العملاء ما زالوا يفضلون المعايير التقليدية مثل عدد الكلمات أو الوقت المستغرق لأنها واضحة وسهلة في التفاوض والتقييم أما التأثير أو القيمة فهي أمور يصعب قياسها بدقة خصوصًا في المراحل الأولى من المشروع أو إذا ما كانت النتائج غير فورية لذلك أرى أن التسعير القيمي مناسب أكثر في حالات معينة ومع عملاء لديهم وعي كافٍ بقيمة ما يُقدَّم لهم
أتفق معكِ أن التسعير القيمي يتطلّب فهم عميق لطبيعة المشروع، وقد لا يكون ذلك ممكنًا دائمًا، خاصة في المشاريع الصغيرة أو غير الواضحة. لكنّي أرى أنه لا ينبغي أن نُقصيه تمامًا، بل يمكن التفكير فيه كزاوية إضافية إلى جانب الوقت والجهد، لا كبديل تام لهما. فحتى التقدير التقريبي لقيمة الأثر الذي قد يتركه المشروع على عمل العميل قد يساعدنا على تسعير أكثر عدلاً. أما عن تقبّل العملاء لهذا النوع من التسعير، فالتحدّي حقيقي خصوصًا في أسواقنا، لكن ربما من دورنا كمستقلين أن نوضح للعميل القيمة الفعلية لما نقدّمه، لا فقط ما يستغرقه من وقت. وقد لا يكون ذلك سهلاً أو سريعًا، لكنه قد يُحدث فرقًا كبيرًا على المدى البعيد، سواء في نظرة العميل لنا أو في تقييمنا لأنفسنا.
بالطبع التفكير في تأثير الخدمة علي العميل أمر مهم جداً ومن الذكاء أخذه في الإعتبار حتي يتم تحديد سعر الخدمة ولأعطي لكي مثال واقعي، لو أن أحد الناس يحتاج إلي شراء سلعة أو منتج ما باستمرار ولكن هذا المنتج مكان بيعه بعيداً عن هذا الشخص ويستهلك وقت وجهد ومال للحصول عليه، فلو أن أحد ما استطاع أن يوفر هذا المنتج بالقرب منه يجب عليه في تلك الحالة التفكير في كيف أنه سيوفر على هذا المشتري ويمكنه في تلك الحالة أن يطلب سعراً أعلي نوعاً ما عن الطبيعي لأنه سيكون قد أدي خدمة لهذا الشاري وهكذا، أيضاً بالنسبة للمستقل لو أن عمله له قيمة إضافية مثلاً أو يقدمه بشكل سيوفر على العميل مجهود وبحث أكثر فليس من العيب في تلك الحالة أن يطلب سعراً أعلى مقابل هذه الخدمة، وبالطبع سيتقبل العميل لأنه سيعلم مدى استفادته من تلك الخدمة بالخصوص.
أعجبني مثالك الواقعي، فهو يوضح الفكرة بشكل مبسّط وفعّال، خاصة حين نربط بين القيمة المضافة والتسعير. ما أشرتَ إليه يلفت الانتباه لنقطة أجدها محورية: أحيانًا لا نُقدّر نحن أنفسنا مقدار ما نوفره على العميل، سواء من وقت أو مجهود أو نتائج ملموسة، فنقع في فخ التسعير وفق الجهد فقط، لا الأثر. ربما لو بدأنا بتقدير هذه "الخدمة غير المرئية" التي نقدّمها ضمنيًا، سنتمكن من بناء نمط تسعير يعكس القيمة الحقيقية، دون أن نخشى من رفع السعر طالما كان مبررًا وواضحًا.
أعجبتني الفكرة ولفتت انتباهي لبعد جديد لم أكن أضعه في الاعتبار، بالنسبة لي التسعير يعتمد على السعر المتداول في سوق العمل، لم انظر ابدا إلى الفائدة التي ستعود على العميل، لكن هناك سؤال يدور في ذهني: بهذه الطريقة قد يرفض العميل العمل معي وقد اخسر عميل جيد لأنه قد يجد بديل أفضل وأرخص له، أيضا كيف اعلم أن توقعاتي صحيحة ربما أصلا قد يخسر العميل؟ ربما أطرح على العميل فكرة نسبة من المبيعات
تساؤلاتك في محلها، خصوصًا مع كثرة البدائل وتفاوت الأسعار في السوق. لكن التسعير القيمي لا يعني المغامرة أو رفع السعر بشكل مبالغ فيه، بل هو محاولة لربط السعر بقيمة حقيقية ملموسة تعود على العميل. هذه القيمة لا تحتاج إلى ضمانات دقيقة، وإنما إلى فهم عميق لاحتياج العميل وسياق مشروعه، وهذا ما يُمكنك توضيحه له أثناء التفاوض. أما عن فكرة النسبة من المبيعات، فهي تبدو مغرية نظريًا، لكنها في أغلب المجالات صعبة التطبيق لأنها تحتاج إلى آلية متابعة واضحة وثقة عالية بين الطرفين. كبديل عملي، يمكنك تقديم باقات مختلفة تتيح للعميل حرية الاختيار حسب ميزانيته، مع الحفاظ على تسعير يعكس القيمة التي تقدمينها في كل باقة.
الفكرة جديدة، لكن لا أعتقد أنه يمكن الاعتماد عليها بشكل كامل فنحن لا نعلم كل تفاصيل العمل وماذا ستكون النتيجة، فربما يكون النص جيدًا جدًا، لكنه لا يحقق انتشارًا عاليًا، أو قد يكون لا بأس به ويصبح ترند، فهل فهذه الحالة من حق المستقل طلب زيادة في أجره بعد تأديته للعمل وأخذ المقابل المُتفق عليه بالفعل لأن النص حقق فائدة ومكاسب أعلى للعميل؟!
أتفهم وجهة نظرك، ولكن في الحقيقة، التسعير القيمي لا يعني المطالبة بنسبة من الأرباح أو تعديل السعر بعد تنفيذ المشروع، بل هو قائم على "إدراك القيمة المتوقعة" قبل البدء في العمل، وذلك من خلال فهمي لهدف العميل والسياق الذي سيُستخدم فيه المحتوى. فبدلًا من أن أُسعّر الخدمة بناءً على عدد الكلمات أو عدد الساعات فقط، أسأل نفسي: هل هذا النص سيُستخدم في حملة إعلانية؟ في صفحة مبيعات؟ هل سيصل إلى جمهور واسع؟ بناءً على ذلك، أحدد سعر يعكس الأثر المحتمل للعمل، لا مجرد الجهد المبذول فيه. بالطبع هناك بعض المخاطرة، لكن حين أُحلل المشروع جيدًا وأفهم السوق واحتياجات العميل، يصبح القرار أكثر وعياً وعدالة لي كمستقلة.
فهل فهذه الحالة من حق المستقل طلب زيادة في أجره بعد تأديته للعمل وأخذ المقابل المُتفق عليه بالفعل لأن النص حقق فائدة ومكاسب أعلى للعميل؟
لكن في التسعير القيمي لا يحق للمستقل المطالبة بزيادة بعد إنجاز العمل وتسلّمه، حتى لو حقق نتائج مذهلة للعميل. الفكرة كلها في تقييم القيمة المتوقعة مسبقًا، وليس بأثر رجعي. بمعنى آخر، المستقل يُحدّد السعر بناءً على فهمه لتأثير العمل المحتمل في سياق مشروع العميل، ويتّفق عليه منذ البداية. أما ما يتحقق لاحقًا من نتائج، سواء جاءت أفضل من المتوقع أو أقل، فلا يغيّر من الاتفاق. ولهذا السبب، يتطلّب التسعير القيمي وعيًا حقيقيًا بقيمة ما نقدّمه، وثقة في قدرتنا على إحداث أثر واضح في عمل العميل.
من منظور تسويقي بحت أقول:
لكل مقام مقال.
استراتيجية التسعير القيمي Value based pricing مناسبة لحالات وغير مناسبة لحالات أخرى، يجب أن تبنى عملية التسعير على دراسة سوقية تؤثر فيها عوامل مثل المنافسين، القيمة الفريدة، متوسط الأسعار...
حتى إذا استخدمنا التسعير القيمي، يجب أن نستخدمه في حدود المعقول، وفي المشاريع التي يمكنها تحمل ذلك!
مثال: شغل كاتب المقالات يصعب جدا فيه تطبيق استراتيجية التسعير القيمي، بينما الكتابة لتحقيق أهداف Copywritng (مثل الكتابة الإعلانية) غالبا مبنية على القيمة وليس على عدد الكلمات أو الجهد المبذول!
أما إجابتي المباشرة على سؤالك: رأيي هو "لكل مقام مقال"، هل سبق أن فكرت...؟ نعم سبق أن فكرت في تأثر خدماتي على العميل عند تحديد السعر، في كثير من الحالات تزيد ثقة العميل في عملي عندما أرفع السعر! وأحيانا أخرى يهرب مني ببساطة هههه
هل التسعير القيمي يناسب مجالي؟ لكتابة المحتوى يناسب الكتابة لأهداف تسويقية لكن لا يناسب كتابة المقالات وسكربتات فيديوات اليوتيوب... للتسويق الالكتروني مناسب لكن يجب استعماله بذكاء وحسب المشروع، غير مناسب مع المشاريع التقليدية غالبا.
أتفق معك في أن التسعير القيمي ليس صالحًا لكل الحالات، ويحتاج إلى وعي كبير بالسوق، وبطبيعة الخدمة المقدّمة. لكن ما شدّني في حديث صديقتي وفتح أمامي بابًا جديدًا للتفكير هو الفكرة نفسها: أن أبدأ بتقدير قيمة الأثر، لا الجهد فقط. حتى في الكتابة التي لا تُصنّف مباشرة ضمن "الكتابة التسويقية"، هناك أعمال تُستخدم في بناء الصورة الذهنية للعميل، أو في شرح خدماته لجمهور جديد، وهذه لها قيمة غير مباشرة لكنها حقيقية. ربما لا يكون التسعير القيمي هو النموذج الوحيد، لكنه نموذج يدفعنا لإعادة تقييم طريقة تسعيرنا، بدلًا من الاكتفاء بالحسابات التقليدية. فهل المشكلة في التسعير القيمي نفسه، أم في استخدامه بشكل غير مدروس في المشاريع غير المناسبة؟
شخصيا: أرى أن المشكلة ليست في التسعير القيمي نفسه، وإنما في استخدامه بشكل غير مدروس؛ ليس فقط في المشاريع غير المناسبة، وإنما أيضا في طريقة استخدامه، وهذا ما أشرت إليه في تعليقي السابق:
يجب أن نستخدمه في حدود المعقول
مثلا: لا يمكن أن نطلب سعرا يتجاوز متوسط الأسعار السوق بـ 10 أضعاف دون وجود قيمة حقيقية مثبتة تبرر لنا طلب هذا السعر! مثل طلب 100 دولار مقابل كتابة مقال من 1000 كلمة على خمسات أو مستقل..
التعليقات