حين كانت القراءة جزءًا من التربية لا هواية

أتذكر أن والدتي كانت تشجعني أنا وأخوتي منذ صغرنا على القراءة.

لكن رغم البداية الواحدة، كانت النتائج مختلفة تمامًا

أنا أحببت القراءة حبًا حقيقيًا، أجد فيها عالمي الخاص، أما أختي الوسطى فاتجهت إلى الكتابة، تراها امتدادًا للقراءة، تكتب لتفهم نفسها وتعبّر عن أفكارها ومشاعرها،بينما الصغرى كانت تقرأ أحيانًا، لكنها لم تولِ الأمر اهتمامًا كبيرًا، واختارت طريقًا مختلفًا، فوجدت شغفها في الرسم.

لكن ما يجمعنا جميعًا هو أن تلك البداية الصغيرة التي زرعتها أمي مجرد فكرة أن نقرأ

شكّلت عقولنا وجعلت بيننا مساحة من الفهم والوعي والانفتاح

حتى وإن اختلفت طرقنا في التعبير.

أتساءل اليوم لماذا تراجع تشجيع الأهل على القراءة كعادة تربوية؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

اعتقد إن الأسباب كتيرة ومتداخلة منها سرعة الحياة، ضغوط الشغل، سيطرة الشاشات، أحيانا غياب القدوة — لأن الطفل لن يحب القراءة إذا لم يرى من يقرأ أمامه.

أيضاً تغيرت أولويات التربية، أصبح التركيز أكثر على المهارات العملية والتكنولوجيا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هل المشكلة في الأطفال فعلاً؟

أم في البيئة التي أصبحت لا تحتفي بالقراءة زي زمان؟ وهل ممكن نعتبر إن السوشيال ميديا قدمت نوع جديد من القراءة ام هي السبب في ابتعادنا عن القراءة الحقيقية؟

كلامك دقيق جدًا يا سلوى فعلاً غياب القدوة عامل مؤثر جدًا فالطفل لا يقرأ بما يسمع بل بما يرى.

وأعجبني سؤالك الأخير أظن أن السوشيال ميديا قدمت قراءة سريعة بلا عمق نقرأ كثيرًا ولكن لا نتوقف لنتأمل كأننا نأكل ونحن نجري 😅

في الماضي كانت هناك مشاريع تهتم بالثقافة وحاضرة أمام أعيننا في التلفاز مثل مهرجان "القراءة للجميع"، و"مكتبة الأسرة"..وكانت هناك تشجيعات للطباعة وللحركة الأدبية وهناك أسماء لامعة.

لا اجد حالياً حتى البرامج التلفزيونية تستضيف أديب أو مثقف مثل العقاد وطه حسين وأنيس منصور.

أتفق معك تمامًا يا جورج كنا نرى الثقافة في كل زاوية من حياتنا حتى البرامج الترفيهية كانت تحمل شيئًا من الفكر.

اليوم صارت الثقافة كأنها ضيف خجول نبحث عنه فلا نجده إلا في الزوايا الصغيرة من الإنترنت

فعلا وأيضًا الكتب المناسبة للأطفال أصبحت قليلة، أو صعب الحصول عليها. والمكتبات والأماكن التي تشجع على القراءة قليلة أو تكاد تكون معدومة إضافة لانشغال الأهل بمشاغل الحياة اليومية يجعل القراءة أقل أولوية. كل هذا يجعل القراءة نشاط ثانوي بدل أن تكون عادة يومية مهمة للأطفال.

حقا اختيار الكتب المناسبة للأطفال فعلاً أصبح تحديًا، وكأن السوق امتلأ بكتب إمّا معقّدة أكثر من اللازم أو سطحية بلا فائدة.

وأوافقك تمامًا أن قلة الأماكن التي تشجع على القراءة تجعلها نشاطًا اختياريًا لا جزءًا من الحياة اليومية.

أحيانًا أشعر أن الحل يبدأ من البيت، من لحظة صغيرة مثل أن يقرأ الأب أو الأم بصوتٍ عالٍ لطفلهم قبل النوم تلك اللحظات الصغيرة هي التي تصنع عادة القراءة فعلًا.

بالضبط، المشكلة تبدأ من الكتب المدرسية التي لا تشجع على القراءة أبداً، بل هي مصممة لتكون مجرد سكاتشات سطحية منفرة، أتذكر في الماضي كانت كتبنا نحن جيل التسعينات من كثر عشقنا لها وتحفيزها لنا للقراءة، كنا نعشق رائحتها ونشعر بشوق ومشاعر غامرة عند تلمسها وقراءتها، تصوري أنا شخصياً مازلت بعد أكثر من 20 سنة مازلت أحتفظ بكتاب القراءة سنة 2 أبتدائي، منذ سنة 2001.

أما الأن حتى رائحة الكتب أصبحت رائحة بترول، ولا شيء يشجع على فتحها، لا النصوص ولا الشكل .

لا أعتقد أن الطفل الآن يملك وقت للقراء، فالكتب المدرسية أصبحت مكتظة بمواد متقدمة، والطفل يذهب للمدرسة وللدروس الخصوصية وباقي الوقت يستذكر ويحل الواجبات.

أتفق معك يا جورج أن ضغط المناهج والدروس جعل وقت الأطفال مزدحمًا بشكل لا يُصدق، وكأن طفولتهم أصبحت جدول مواعيد أكثر منها مرحلة اكتشاف. لكن أعتقد أن المشكلة ليست في الوقت بقدر ما هي في البيئة المحيطة بالقراءة.

لو كانت القراءة تُقدَّم لهم بشكل ممتع وبسيط كانوا سيجدون لها وقتًا حتى وسط الانشغال. الطفل يستطيع أن يقضي ساعات أمام شاشة لأنه يستمتع، فلو جعلناه يستمتع بالقراءة بالقدر نفسه، سيجد وقتًا لها أيضًا.ربما الحل ليس أن نطالبهم بالقراءة، بل أن نعيد تعريفها لهم كرحلة خفيفة وليست واجبًا مدرسيًا.

لكن لو قرأ الطفل للمتعة لا للدراسة، لن يشعر بالتعب. القصة البسيطة التي فيها فكرة جميلة وطريقة كوميدية تجعله يبتسم وتخفف عنه ضغط الدراسة، وفي الوقت نفسه يتعلم القراءة دون أن يمل.

لكن قراءة القصص المسلية لا يفيد كثيراً برأيي، أنا نفسي كنت أقرأ قصص رجل المستحيل، وما وراء الطبيعة، وغيرها لكن لا أعتقد أنها أفادتني..

أنا أيضًا قرأت رجل المستحيل وما وراء الطبيعة في طفولتي لكن تأثيرهما عليّ كان عميقًا لا كما تقول إنهما لم يفيدا كثيرًا.

فقد ساعدتني تلك القراءات على توسيع حصيلتي اللغوية منذ الصغر وجعلتني أكثر شغفًا بالمشاركة في الإذاعة المدرسية ومسابقات الإلقاء والمسرح. تعلمت منها التعبير بسلاسة، والتفكير بطريقة أكثر نضجًا وعمقًا.

وإن نظرنا للأمر من زاوية أخرى فالانغماس في القراءة أيًّا كان نوعها يخلق بيئة ذهنية تحميك من التشتت والانشغال بأشياء غير نافعة. حين تملأ وقتك بعالم القصص والخيال، يصعب أن يجرك أحد إلى طريق سيئ، لأنك ببساطة وجدت ملاذك في عالم أفضل.

لكن في نفس الوقت الطفل الذي يتجه لكثير من القراءة والنشاط العقلي على حساب النشاط العملي والبدني خصوصاً الأولاد قد ينتهي بهم الأمر لحياة من الانطوائية والتخلي عن المشاركات الاجتماعية لأن رأس الطفل مشغول دوماً بما يقرأ، وينسحب من الحياة الطبيعية إلى حياة التفكير والخيال.

أتفهم وجهة نظرك يا جورج، والتوازن فعلًا ضروري، فالإفراط في أي جانب قد يُحدث خللًا.

لكن القراءة لا تنفي التجربة، كما أن النشاط العقلي لا يلغي الحياة العملية، بل يكملها.

حين تُقدَّم القراءة للطفل كنافذة لا كجدار، يصبح الخيال وسيلة لفهم الواقع لا للهروب منه.

القضية ليست في القراءة ذاتها، بل في كيفية توجيهها لتكون مصدر وعي لا عزلة.

نحن نرى كل يوم الأشخاص المثقفون جداً قليلو الحركة وليس فيهم بطل رياضي مثلاً، كما أن أبطال الرياضة نادراً ما يكون فيهم شخص مثقف، أعتقد أن هناك علاقة عكسية بين النشاط البدني والعقلي..

لا أعتقد أن هناك علاقة عكسية حقيقية بين النشاط العقلي والبدني يا جورج، بل المشكلة في الطريقة التي يُربَّى بها كل جانب بمعزل عن الآخر.

الذهن والجسد في الأصل يكملان بعضهما، والعقل يحتاج لجسدٍ نشط ليبدع، كما يحتاج الجسد لعقلٍ واعٍ ليتطور.

ربما المشكلة أن منظومتنا التربوية تفصل بين الاثنين: إما أن تكون دراسياً أو رياضياً، بينما التوازن بين الثقافة والحركة هو ما يصنع الإنسان المتكامل فعلًا.

ربما لأن الإيقاع العام للحياة تغير، فالأهل اليوم يريدون نتائج سريعة، درجات عالية ومهارة عملية، لا متعة فكرية طويلة المدى. القراءة بطبيعتها تحتاج صبر والأجيال الجديدة بل وحتى الكبار فقدوا هذا الصبر. ومع ذلك، ما زلت أؤمن أن لحظة قراءة حقيقية قادرة على إشعال شغف لا يطفأ بتغيرات الحياة

أتفق معك في فكرة أن القراءة تحتاج صبرًا، لكن لفت نظري قولك إننا فقدنا هذا الصبر.

أليس من الممكن أن المشكلة ليست في الصبر نفسه بل في طريقة عرض المعرفة؟

يعني ربما نحن لم نفقد الصبر بل لم نعد نجد ما يستحق أن نصبر لأجله

الناس ما زالت تقرأ لكن القراءة تغيّرت... فهل العيب في الجيل أم في نوع المحتوى الذي نقدمه له؟

لا صحيح ما يقول كريم @Kareem_Magdy اتفق معه في أن أغلبنا أو الجل الأعظم منا فقد الصبر على تعليم أولاده القراءة ونحن أنفسنا فقد الصبر على التوفر على كتاب بحيث ننتهي من مطالعته في بضعة أيام. المحتوى الجيد موجود و الجيل يمكن أن يقتدي بمن سبقوه ولكن المشكلة في وعينا نحن ككبار تجاه القراءة. لم تعد اولوية لنا ورتم الحياة السريع وغلاء الكتب و انتشار الشاشات جعل عادة القراءة تكاد تندثر. أنا اليوم كنت بطفلي لدى الطبيب لأفحصه فماذا رأيت؟ رأيت الأمهات يُمسكن بأجهزة الموبايل ويلهيين أطفالهن بالصور و الفيديوهات المضحكة التي تناسب أعمارهم. جميعهن يفعلن ذلك باستثنائي أنا وقليلات جدًا.... هذا خطأ على حواس الطفل ثم على ملكة الخيال لديه ثم إن الأمهات تفعل ذلك لأنهن فقدن الصبر على أن يتعبن مع أطفالهن لتقرأن لهن كتاب مصور مثلاً معان هذا أمتع لهن وللطفل ولكن هن يريدن السهل السريع...

أعتقد بعد تفكير أن المشكلة فعلًا من الجانبين يا خالد، لأن الكتب التي تقدم قيمة حقيقية أصبحت قليلة جدًا، وكل من هبّ ودبّ يطلق على نفسه لقب كاتب، وأغلب ما يُنشر الآن تجاري بحت، فيه قدر لا بأس به من السطحية أو حتى الكلام الفارغ

وفي المقابل، كلامك عن فقدان الأهل للصبر أيضًا واقعي، لكنه في رأيي نتيجة لتربيتهم هم أنفسهم، فلو كانوا نشؤوا على القراءة والتأمل والصبر، لورّثوا ذلك لأبنائهم.

فنعود مجددًا إلى الفكرة الأساسية: تشجيع الطفل على القراءة منذ الصغر هو ما يبني عقلية متزنة ويمنحه الصبر لاحقًا لتربية الجيل القادم.

لكن رجاءً يا صديقي @kjhj ، لا تذكرني بأسعار الكتب المبالغ فيها 😅 فكمُدمنة قراءة، أعيش هذه الأزمة يوميًا وأحاول التوفيق بين شغفي ومحفظتي

ولمَ لا تبتاعي جهاز كندل فهو تجربة محترمة جدًا للقراءة أو جهاز أونيكس بوكس أندرويد وتوفري على نفسك ويكون لديك كالمكتبة المتنقلة؟ لقد ظل معي جهازي فوق الثماني سنوات وفي الاخير تعطل سوكيت الشحن وأخطط لأشتري بديل له...

صحيح كلامك يا خالد فكرة الأجهزة مثل الكندل فعلاً عملية جدًا وتوفّر كثيرًا، لكن يبدو أنني من جيل المدرسة القديمة في هذا الأمر 😅

أحب أن أقرأ الكتب بصيغتها الورقية، وأستمتع برائحتها ولمس صفحاتها أشعر أن لها روحًا مختلفة لا يمكن أن تنقلها الشاشات. أقرأ أحيانًا كتب PDF طبعًا لكنّها بالنسبة لي تظل مجرد حل مؤقت. فالكتاب الورقي بالنسبة لي ليس مجرد مصدر معرفة بل رفيق ومكان من الهدوء وأتمنى أن يكون في بيتي دائمًا مكتبة تجمع قصصي ومعرفتي.

نعم أنا مثلك تمامًا أعشق الكتب الورقية فلا أمتع عندي من كتاب وكوب شاي في ليلة شتاء باردة............. ولكن وحتى لو تغاضينا عن أسعار الكتب التي ارتفعت فنحن بالطبع لن نجد كل الكتب التي نحبها في صورة ورقية فماذا نفعل غير جهاز كيندل يعطينا تجربة أقرب ما تكون للورق. ولكن للحق مؤخرًا بدأت أفكر في جدوى جهاز غالي مثل كيندل أو أونيكس بوكس للقراءة فقط وأفكر في شراء جهاز لوحي بمواصفات جيدة لمراعاة ظروف القراءة مثل أجهزة هواوي.

هي ظاهرة معقدة بدأت من طفل يركض لأمه لتقرأ له قصة فقالت له انا منشغلة خذ الهاتف وشاهد فيديوهات جميلة للأطفال، هذا ما نشأ عليه الأطفال في ظل وجود الشاشات الصغيرة، فلم يتربى طفل على سماع القصص وقراءتها، والسؤال عن القيمة التي اضافتها وتعلمها، فأصبح يبحث عن الاسهل، المشاهدة اسهل من القراءة، ومشاهدة الفيديوهات القصيرة اسهل من الطويلة.

فعلًا تغيّرت البدايات فصارت النتيجة مختلفة. لكنّي أؤمن أن حب القراءة يمكن إحياؤه من جديد، فقط يحتاج قدوة تُمارسها لا تُلقيها كواجب، ووقتًا صادقًا يُمنَح للطفل بدل أن يُعوَّض بشاشة. القراءة لا تموت، لكنها تنتظر من يوقظها في نفوسنا من جديد.

لأن الانشغال بالتكنولوجيا والشاشات أصبح أولوية، وأصبح الأهل يركزون على الإنجازات العملية أكثر من تنمية حب القراءة.

ربما معك حق يا أيمن لكن ألا ترى أن التكنولوجيا نفسها كان يمكن أن تكون وسيلة لإحياء القراءة لا لطمسها؟

الطفل اليوم لا يرفض القراءة هو فقط لم يجدها في الصورة التي تجذبه.

فلو استخدم الأهل الشاشات نفسها لزرع حب الكتاب، ربما تغيرت المعادلة تمامًا.

النهج تربوى تراجع كثيراً ،، ليس فى القراءة فقط ولكن فى كل شئ الا من رحم الله،،

ولكى تفهى جانب من الحقيقة انظرى للمجتمع ولتأثيراته التى فتنت الكبار قبل الصغار وستجدين أنه لا يمكن لفاقد الشئ أن يعطيه

كثيراً من الاباء والمهات لا يصلحوا لتربية اطفال .

أتفق معك في أن التراجع التربوي لم يقتصر على القراءة فقط بل شمل كثيرًا من القيم والعادات التي كانت يومًا أساس التربية.

لكن في الوقت نفسه أظن أن الصورة ليست مظلمة بالكامل فما زال هناك آباء وأمهات يحاولون بصدق رغم كل ضغوط الحياة وتغيّر الزمن. المجتمع فعلًا غيّر أولوياته وأثر على الجميع لكن ربما الحل ليس في اللوم بل في الوعي أن ندرك الخلل ونحاول إصلاحه كلٌّ من موقعه ولو بخطوات صغيرة. فالتربية ليست وظيفة فرد بل مسؤولية مجتمع كامل.

صحيح .. التربية مسئولية .. المهم أن ندرك ذلك

جميل جدًا ما قلته خالد،، لأن ما ذكرته عن ليزا ذكّرني مباشرة بأمي.

كانت تطبّق نفس الفكرة ببساطة وبدافع الحب. كانت تقرأ لنا كل ليلة تقريبًا، أحيانًا من كتب مصوّرة، وأحيانًا من قصص سمعَتها في طفولتها، وكانت تحكيها بنفس الحماس كأنها تعيشها من جديد.

الغريب أني أدركت لاحقًا أن تلك الدقائق الصغيرة كانت تبني فينا شيئًا أعمق من حب القراءة؛ كانت تصنع خيالنا، لغتنا، وحتى طريقتنا في التفكير. لم تكن تتسلى معنا، بل كانت تعامل القراءة كجزء من التربية، مثلما قلت أنت عن ليزا تمامًا وكأنها كانت تقول دون أن تنطق هذا وقت مقدّس لا يؤجَّل. ربما هذا ما نفتقده اليوم ، أن نعامل القراءة مع أطفالنا كجسر نعبُر به إليهم، لا كواجب تربوي أو نشاط جانبي. أمي لم تزرع فينا حب الكتب فقط، بل زرعت فينا عادة الإصغاء، والدهشة، والبحث عن المعنى وهذا في رأيي أجمل ما يمكن أن تهديه أمٌّ لطفلها.