رجل يرصّ الطوابيق، وآخر يبني كاتدرائية

هناك قصِّة في الأدبيات الأجنبية، وهي خيالية تقصُّ للمعنى والعبرة، تتحدَّث عن وزير زار جمع من العمّال، فقال للأول ماذا تصنع؟ فقال له أنا أرصُّ الطوابيق.

توجّه نحو العامل الثاني وسأله نفس السؤال، فأجاب: أنا أبني كاتدرائية.

هذه القصِّة توضِّح الفرق بين مدى الرؤية بين العاملين، فالأول نظرته قصيرة ومباشرة: هو يرصّ الطوابيق. إلى أين سيصل؟ متى سينتهي؟ ماذا بعد ذلك؟ كل ذلك لا يعرفه، هو منغمس تماما في اللحظة.

أمّا الثاني، فهو يعرف أنّه يرصّ الطوابيق، وهو يعمل نفس عمل الأول، لكنّه يتفوق عليه بالنظرة، إنّه يبني كاتدرائية، يعرف أبعاد الكاتدرائية، يعرف مقدار التقدّم، ويعرف متى ينتهي وينتقل للعمل الآخر.

هذه القصة يمكن أن تستخدم على كثير من الأمور في حياتنا، كالفرق بين من يعمل للمال، ومن يعمل لأجل سُمعة ونموذج ريادي تجاري مستمر على المدى الطويل.

الذي يعمل لأجل المال فقط، يحصل عليه، لكنّه عندما يفكر بهذه الطريقة، قد لا ينتبه للخطوات التي يتخذها، قد لا ينتبه أنَه بربح هذه الكمية من المال سيخسر أضعافها من الفرص، تماما كالذي يرصّ الطوابيق.

ماذا لو عملتَ لأجل الكاتدرائية؟ ستربح المال بشكل مضمون، وستضمن أيضًا أن تقوم بالخطوات التي تجعلك على المسار الصحيح دومًا.

هذه القصّة ملهمة، وتجعلني أفكِّر أيضا بمستوى ثالث ربما فات على مؤلفي القصة، مستوى أعمق من التفكير، ماذا لو ذهب الوزير إلى عامل ثالث، وسأله نفس السؤال فأجاب: أنا أتعبَّد!

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

لولا وجود الجواب الأول لما شعرت بأفضلية الجواب الثاني يا حمزة، وهذا تمامًا ما ينبغي لنا استيعابه. البشر ليسوا مثاليين، وليس على جميعنا أن نمتلك الأحلام أو الأهداف ذاتها، أو التفكير ذاته، بالعكس فرؤيتنا المختلفة لكل صغيرة وكبيرة هي ما تخلق هذا التوازن الطبيعي للحياة. وأجد أن الضغط علينا كأفراد في المجتمع للتفكير بالطريقة ذاتها وتحقيق الأمور من منظور إيجابي أو طموح للغاية هو أمر صعب التحقيق ويضعنا تحت التوتر دائمًا. فلا مشكلة لدي إن كنت أرص الطوابيق أو لنقل أبني الكاتدرائية!

لكن بالحياة قد يكون لكل منا حرية التفكير واختيار الطريقة التي تناسبنا، لكن بالعمل الأمر ليس هوائي أبدا، وتختلف أن أقول أرض الطوابيق أو ابني الكاتدرائية، الأمر ببساطة يعكس دقة الموظف أو العامل، فالأول مؤدي للمهام، لكن الثاني به صفات قيادية ويضع هدف نصب عينيه يعمل عليه، وهذا يوفر الكثير ويجعله مدرك للنموذج الذي يريد الوصول إليه، ولديه العلامات التي ستدل على وصوله للمراحل الصحيحة دون تأخر.

Shimaa_Mahmoud11 أضف ردا

هذا في حالة كان العمل رائعًا وبه الكثير من الامتيازات والترقيات التي يسعى لها العامل، ولكن ماذا يفيد العامل البسيط إن رص أو بنى، ففي النهاية يريد الأجر مقابل عمله فحسب. وأعتقد أن توصيف الأمر قد لا يكون ذا منفعة طالما كانت النتيجة المرجوة حاضرة. ففي عملنا مثلًا لا يهمني إن قلت أعمل بالصيدلية أو أساعد الناس على مداواة آلامهم، فكلاهما سيؤدي المهمة ذاتها وهي أداء العمل بإتقان.

لولا وجود الجواب الأول لما شعرت بأفضلية الجواب الثاني يا حمزة

التقاطة جميلة! :)

بالتاكيد هذا الفرق هو الذي يحدّد التفاضل بين الناس وبه تقوم الدنيا، لكن ان كنت تستطيع ان تكون افضل من غيرك فلماذا لا تحاول؟

بالتأكيد حمزة، وإن كنت أفضل التركيز على النفس وحدها دون وضعها في نطاق الأفضلية. فالأفضلية والرغبة في أخذ المركز الأول فقط لأكون افضل من غيري تؤدي أحيانًا إلى الأنانية والطمع.

هذا ما يسميه رواد الأمال الرؤية الاستراتيجية و التنفيذية و قد يعتقد البعض أن الأولى خاصة بالمدراء و القادة و الأخرى خاصة بصغار الموظفين و هذا ليس صوابا ...

في المجتمعات الأكثر تحضرا تجد أفراد المجتمع يفكرون بشكل كلي استراتيجي يعنى المجتمع الياباني مثلا يهتم بالنظافة و النظام حتى لو أدى هذا إلى فقده بعض المنافع العاجلة و لكنه يدرك الصورة الكلية لثمرات التزام المجتمع بالنظافة و النظام

و عندنا مثال قطر التي لما نظمت المونديال لم تتعامل مع المهمة تنفيذيا فقط و إنما فكرت استراتيجيا بأن جعلت هذا الحدث متعدد المنافع منها مثلا الاستفادة القصوى في تسويق الثقافة و القيم العربية و الإسلامية و محو الإسلاموفوبيا

هذا هو تحدي حقيقي لقادة الأعمال أن يستمروا في زرع تصورات كلية وأهداف طويلة المدى في عقول الجميع

و عندنا مثال قطر التي لما نظمت المونديال لم تتعامل مع المهمة تنفيذيا فقط و إنما فكرت استراتيجيا بأن جعلت هذا الحدث متعدد المنافع منها مثلا الاستفادة القصوى في تسويق الثقافة و القيم العربية و الإسلامية و محو الإسلاموفوبيا

اسقاط رائع على مونديال قطر! بالفعل قطر لم تنظِّم البطولة وحسب، بل استفادت منها بمنافع شتى.

ولم يكن الامر عمل فترة وجيزة، اتذكر اني كنتُ طفلًا اتابع قناة جيم للاطفال عندما كانوا قد فازوا بالاستضافة للمرة الاولى، ومن ذلك الوقت بدا العمل.

أخالفك في الرأي وهذا تماماً ما أختلف فيه حتى مع أصدقائي، فأنا مثلاً حين يسألوني عن حلمي في مجال الكتابة، يستغربون بأني أقول لهم: أن أكتب. يقول الواحد منهم: هذا الفعل، ماذا عن الرؤية والحلم؟ - وأنا برأيي هذه الأسئلة التي تريد النتيجة والصورة الأعم هي صورة إنسانية طماعة لا تريد أن تكتفي بما لديها، يمكننا أن نصبح رسامين بمجرّد أن نرسم، وكتّاب بمجرّد أن نكتب، هذه النتائج النهائية والتصوّرات التي تؤطّر حياتنا تمنعنا من أمرين هامّين جداً:

  • أن نستمتع ونحقق أحلامنا بسرعات قياسية وقصيرة، هذه التصوّرات تنغص عيش أي إنسان بأن تقول له كل شيء يحتاج منك إلى عمر كامل
  • الأهم طبعاً هذا البند، في أن التصور النهائي يمنعنا من تصوّر أعظم وأهم، يقفل مساحات الإبداع والطموح ولا أسوء على الإنسان السليم من هذا الأمر.
الأهم طبعاً هذا البند، في أن التصور النهائي يمنعنا من تصوّر أعظم وأهم، يقفل مساحات الإبداع والطموح ولا أسوء على الإنسان السليم من هذا الأمر.

لا ارى كيف تُفتح افاق الابداع والطموح بدون النظرة على المدى الطويل! الابداع بنظرة قصيرة المدى انما يميل لان يكون صدفة وضربة حظ!

افهم الذي تتحدث عنه، انا ايضا في دراستي عندما يسالوني عن الاختصاص اقول لهم ادرس الطب فقط، لا اعرف. وبالفعل في بعض الظروف الامور غير واضحة، تلتزم بما هو موجود عندك. لكن اذا توفرت الرؤية البعيدة فلا يجب ان نفوّتها!

لا ارى كيف تُفتح افاق الابداع والطموح بدون النظرة على المدى الطويل!

الأمر مشابه تماماً في قولنا المتكرر للأطفال: ما الذي تريد أن تصبح عليه حين تكبر؟ - هو سيجيبك بكل الأحوال ولكن هل هذا الجواب هو فعلاً غاية دراسته الحالية أو نهاياتها الأكيدة؟ لذلك أنصح مثلاً أن يصير التركيز على السنة بذاتها، على الدراسة بذاتها، على الانجاز بعينه، بدون التلفّت والبحث عن نهايات ومحصلات ونتائج للأمر منذ البداية تحدّ منه.

لعل المقصد هنا هو الرؤية الشاملة للامور وبواطن النوايا لدينا في أي عمل مهما بدا صغيرا، ولكن دعني أسجل إعجابا شديدا بجملتك الأخيرة...

ماذا لو ذهب الوزير إلى عامل ثالث، وسأله نفس السؤال فأجاب: أنا أتعبَّد!

حقا هذه هي النقطة الرئيسية والهدف الأسمى من حياتنا عموما، الام عندما تطبخ فهي تتعبد بالطهي لإنشاء أفراد أصحاء قادرون على الطاعة، والطبيب عندما يعمل فهو يداوي لينقذ الأرواح من الهلاك ابتغاء كلمة الله "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"، والمهندس عندما يبني فهو ييسر للناس منازل الراحة ليتمكنوا من العبادة.... وغيرهم في كل المهن!

لو أن هذه هي الدوافع والرؤية الكبرى لكل فرد فينا لما وجدنا كل تلك المشاكل الناتجة عن الغش أو انعدام الضمير او حتى الطمع وغيره من موبقات النفس البشرية التي طغت في عصرنا ونعاني جميعا من تبعاتها.

هى بالفعل ملهمة ، وما أستلهمته منها التخطيط الإستراتيجى ، حيث أن التخطيط الإستراتيجى هو الفارق الوحيد بين المدير الناجح بعيد النظر وبين المدير الفاشل قصير النظر . وهذه القصة تحثنا على ذلك بعد النظر فى الأمر والتخطيط للمستقبل لتحقيق النجاح .

المفارقة تكمن في أن العاملين معا يقومان بالعمل ذاته، إلا أن الأول له نظر قصير، وضع نفسه كمن أومر بأمر وهو سائر في تنفيذه دون وعي بالصورة كاملة. والثاني أعطى لنفسه الحق أن يكون جزءا من المشروع ككل، وأضفى على عمله قيمة بأهمية العمل الشامل بوعي وبعد نظر.

وهذا يوضح أهمية معرفة وإدارك العاملين بأي شركة لهدف ورؤوية الشركة ككل، وهدف كل مرحلة يعملون عليها، فهذا يجعل الأمور أكثر وضوحا، ويمكن الموظفين من العمل ضمن خطوات محددة دون إهدار للوقت والطاقة والإمكانيات المتاحة.

هذا الاختلاف هو طبيعة البشر بشكل عام، الإختلاف في الدوافع يبني الحياة. لو عشنا جمعنا مثلًا مثل الشخص بنظرته الكاتدرائية سنعيش في عالم مثالي ولا أرى أن المثالية عند الجميع أمر يمكن حدوثه فهذا يخل بتوازن الحياة.

لهذا نرى شخص يعمل من أجل قوت يومه، وآخر يعمل من أجل الوصول للثراء. والأثرياء يساعدون في توفير عمل للآخرين وهكذا.

ماذا لو ذهب الوزير إلى عامل ثالث، وسأله نفس السؤال فأجاب: أنا أتعبَّد!

وهذا النوع أيضًا موجود بأن هدفهم من العمل هو الرضا وفعل ما تحبه. جميعها استراتيجيات فعالة ولا تتغلب أحدهم على الأخرى ولكل منهم ايجابيات وسلبيات، العمل على المدى القصير تحصل على نتائج فورية ممكن لأن هدفك سيختلف بعد فترة، أما استراتيجية العمل على المدى ستحصل بها على نتائج أفضل ودائمة.

تذكرت عندما كانوا يسألون في الإبتدائية ماذا نريد أن نصبح عندما نكبر وأغلب الاجابات طبيب، مهندس، صحفي،و.. إلخ. إذًا من سيعمل في باق مهام التنظيف والخياطة والمبيعات لو جميعنا فكرنا بنفس النظرة؟

وهذا النوع أيضًا موجود بأن هدفهم من العمل هو الرضا وفعل ما تحبه. جميعها استراتيجيات فعالة ولا تتغلب أحدهم على الأخرى ولكل منهم ايجابيات وسلبيات، العمل على المدى القصير تحصل على نتائج فورية ممكن لأن هدفك سيختلف بعد فترة، أما استراتيجية العمل على المدى ستحصل بها على نتائج أفضل ودائمة.

لكن الرضا لا يكفي في عالمنا المعاصر يا غدير. إنها واحدة من المعتقدات السائدة، والتي أرى أنها تمثّل خطرًا كبيرًا على العديد من الطبقات الكادحة. لدينا على سبيل المثال النموذج الأبوي الدرامي المتأصّل في مختلف الأعمال العربية، النموذج الذي يضع حدًّا للمادة من أجل القيمة، ويضع القيمة كأولوية دون النظر للمادة. هذه النماذج لا تكفي للمنافسة القائمة في عصرنا الحالي. أظن أن مسألة الرضا عن العمل يجب أن تتحلّى بالمزيد من الطموح، وإلّا أصبحت سامّة بعض الشيء. فهل تتفقين معي في أن الرضا قد يكون سامًّا في بعض الأحيان؟

لا يكفي بالفعل لكن هذا النوع موجود وسيبقى موجود لا يمكن تغييره هذا لأن طريقة تفكيرهم تتمحور في هذا الاتجاه ولا يعرفون طريقة أخرى غيرها للتفكير.

فهل تتفقين معي في أن الرضا قد يكون سامًّا في بعض الأحيان؟

أتفق جدًا، خصوصًا لو كان الشخص في بداية حياته، لا يجب أن يتخذ الرضا بالقليل كمسار يكمل فيه، ويجب أن يضع أهدافًا اكبر، وكلما سمحت له فرصة أفضل عليه ان يستغلها وإلا لن يتقدم ولا يتطور أبدًا.

في بلدي نسبة البطالة مرتفعة والرواتب قليلة، ونسبة الحصول على عمل جدًا ضعيفة اكثر مما تتخيل، والأسوأ من هذا أنه دائمًا ما يلقون على مسامعنا الأهل بجملة "قول الحمدلله، أحسن من غيرك مش لاقي"، لدي صديق تخرج الأول على دفعته وظل عامين كاملين يبحث على وظيفة، وعندما كان يجري مقابلات إما يكون الراتب قليل او غير مناسب العمل بشكل عام، كان يتم معايرته بشكل دائم ويقولون له لماذا لا تقبل العمل وترضى فهذا واقعنا، تخيل تعب سنوات يذهب بدون فائدة كأي شخص لم يتعب ويرضى بالقليل!