12

بدأت اتجنب النقاش

أعلم أن ما سأكتبه قد يُرفض قبل قراءته، لكني سأبوح به لأتخلص منه.

مفهوم النقاش، من وجهة نظري، هو وسيلة للتعلم، وهدفه تبادل وجهات النظر واستعراض المعلومات وشرحها بطرق متنوعة، إذ إنه أسلوب فعال لربط الأفكار ببعضها، مما يعزز المعرفة والقدرة على الإبداع، وهذا هو النقاش الذي أعرفه: نوع من المقايضة المعرفية بهدف التعلم.

أما مبارزات وجهات النظر التي يقحمني فيها البعض من وقت لآخر، فلا أراها إلا معارك مستترة بثوب الحوار، غرضها الأساسي كسر شوكة الخصم أو تهميش وجهة نظره، ودائمًا ما أجد نفسي فيها أدافع عن أفكاري دون مبرر واضح.

لقد بدأت هذه "المعارك الفكرية" تستنزف صحتي النفسية وقوة تحمّلي، وتختبر صبري إلى أقصى حد، ولو لم أكن صبورًا لهذه الدرجة، لضربت من يحاورني ضربًا مبرحًا، ليس كرهًا فيه، بل لأنه لا يفكر فيما أقول، ولا يحلل كلامي، ولا يسأل عن قصدي إن لم يتضح له، بل إنه بدلًا من ذلك يرد بتلقائية وبكم هائل من المغالطات العلمية والمنطقية، لدرجة تشل عقلي عن تحديد ما يجب أن أرد عليه وما يجب أن أتجاهله.

هذا النوع من الصراع الفكري يستنزف طاقتي إلى أقصى درجة، ويشعرني كأني أتحدث مع مصاص دماء يشفط طاقة روحي مع كل كلمة، ويحدث ذلك من خلال أسلوب "الإغراق الفكري"، عبر طرح مجموعة كبيرة من الأفكار المتنازع عليها بين الطرفين، بكثافة شديدة وفي وقت قصير، لا يدع مجالًا للطرف المدافع لكي يحلل ويرد، وهذا يظهره وكأنه عاجز عن الرد لأنه في موقف ضعيف، والحق أنه لم يأخذ فرصته للتفكير أصلًا، ولم يدرك أنه في مبارزة فكرية من الأساس.

كنت أناقش أحد أصدقائي عندما واجهت هذا الأسلوب في الحوار، وعندما اعترضت، قال إنه يطرح عليّ أفكارًا يسمعها من الآخرين، ويبحث لها عن رد، فيسألني نفس أسئلتهم على لسانه.

تخيل معي أني أحادث صديقي في حوار ودي، ثم أجد نفسي أناقش عشرة عقول دفعة واحدة دون أن أدري! هل هذا عدل؟

كما أنني أواجه كثيرًا مشكلة عدم احترام التخصص، بل وإجباري على الكلام والنقاش بشروط الطرف الثاني الذي جاء ليسألني أصلًا.

على سبيل المثال: أنا متخصص في الشريعة الإسلامية، وكل كلامي مستمد من كتاب الله وسنة النبي وعلوم الدين، لكني أجد السائل يقول لي: "لا أريد أن نناقش بالقرآن"، وإذا دخلت في علم الحديث، رفض قائلًا: "ما أدراك أنه حديث حقًا؟"، وإذا تحدثت بالفقه، قال: "هذه اجتهادات"، إذاً بماذا أتكلم أنا ولماذا تسألني؟!

النقاش له أصول، ومن أصوله أن نتفق على مرجع نعود إليه عند الاختلاف، فإذا رفض الطرف المقابل هذا المرجع، فنحن لا نتحاور، بل هو يريد إثبات ما في رأسه بأي ثمن فقط، وبدون حجة واضحة.

لذا، من الأسلم ألا أخوض في هذا النقاش من الأساس، حتى لو اتُهمت بالجبن وبأنني أخشى الاختلاف، فلا بأس، سأشتري راحة عقلي وأحفظ لساني لمن يبحث عن جواب حقيقي.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أنت ترى أن النقاش الحقيقي وسيلة للتعلم وتبادل وجهات النظر، لا ساحة للانتصار. لكنك كثيرًا ما تُجرّ إلى "معارك فكرية" يغيب عنها احترام الرأي والتخصص، ويستخدم فيها الطرف الآخر المغالطات والإغراق لا الفهم.

تُرهقك هذه النقاشات نفسيًا، وتجد نفسك مضطرًا للدفاع لا للحوار، بل ويُطلب منك ترك مرجعيتك الدينية التي هي أصل تخصّصك، مما يجعل الحوار بلا أساس. لذلك قررت أحيانًا الانسحاب، ولو ظن البعض أنك تخشى النقاش.

ما ذكرته دقيق ومحترم، ويدل على وعي كبير.

ليس كل من يدّعي الحوار يستحق وقتك، ورفض النقاش العقيم ليس ضعفًا بل قوة.

النقاش المحترم لا يُبنى على فرض الآراء أو إنكار المرجعية، بل على نية الفهم والاحترام المتبادل.

حِفاظك على هدوئك وراحتك أولى من الدخول في جد

ال لا يُثمر.

أختلف مع هذا الرأي قليلا، فحتى لو كان النقاش أكثر حدة أو مرهقا، قد يكون مفيدا، ويجعلنا نرى ثغرات لم نكن ننتبه لها، طرح الأسئلة المزعجة وأحيانا استخدام المغالطات يجعلنا نراجع أنفسنا، ونراجع حجتنا، وهذا قد يخلق لدينا منظور مختلف عما كنا نرى

صحيح لن أختلف أن بعضهم لا يملكون أسلوبا راقيا بالحوار وقد يشخصنوا النقاش، لكن هذا لا يعني أن النقاش بلا قيمة، فقد تكون سببا في تغيير وجهة نظره.

لقد أعدتني بالذاكرة لسنوات مضت، كنا في أيام الثانوية، وكنا "نستمتع" بالجدال ومحاولة هزيمة الطرف الآخر. بعد شهور من المضي في طريقتنا تلك، بدأت أدرك أنها أكثر طريقة خاطئة يمكن أن تزيد من رصيدنا المعرفي، ولا حتى أن تجعلنا نبدو "أذكياء" أو "عباقرة" أو "مثقفين"! إذا كان هدفنا أن نبدو كذلك (في ذلك الوقت).

هناك من أدرك ذلك وتوقف عنه، وهناك من لم يدركه وأكمل حياته بتلك الطريقة! يناقش في كل المواضيع بدون علم وبلا منهجية، ويستمتع بممارسة " السفسطة" لإقحام الطرف الآخر وحصره في زاوية ضيقة حتى الاختناق! ويتلذذ بالصراخ والزمجرة إلى حد الاحمرار والتعرق!

أنا أتفق معك تماما فيما قلت، وأرى أن أسلوب نقل المعرفة وتحقيق الحق لا يتحقق بالجدالات العقيمة والنقاشات الدموية، بل أرى أنها مضيعة وقت ومعطلة عن السعي في بذل النفع والعلم لمن هم أكثر حاجة له، أو تعلم العلم الصحيح النقي ممن هو أهل لتعليم ذلك العلم.

بدل الجدالات: حلقة علم، دورة مفيدة، أو قراءة كتاب.

وعلى صعيد النفع: بذل النصح لأخ، أو تعليم الأهل في البيت، أو حتى كتابة منشور على منصات التواصل فيه فائدة قيمة!

أنا متفق معك تمامًا فيما ذكرته لأنني مررت بتجربة مشابهة وشعرت بنفس الاستنزاف النفسي الذي وصفته بالضبط المشكلة ليست في الحوار نفسه بل في الأسلوب الذي يتبعه البعض ممن يظنون أن النقاش معركة فكرية لا بد من كسبها بأي وسيلة سواء بالردود المتسرعة أو الإغراق بالمغالطات أو حتى بتجاهل مرجعية الطرف الآخر ما يزعجني فعلًا هو أنهم لا يبحثون عن إجابة بل يريدون فقط أن يُثبتوا أن ما في أذهانهم هو الصحيح حتى لو اضطروا لنسف كل قواعد احترام التخصص والمنهج العلمي أحيانًا أشعر أن الابتعاد عن هذا النوع من النقاشات ليس ضعفًا بل نوع من حفظ الطاقة الذهنية والعقلية لمن يستحقها فعلًا ممن يريد أن يفهم لا أن يُجادل

هذا لا يسمى حوار بل جدل عقيم والأفضل تجنبه ويصل إلى حد اللغو.

وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ" تعني أن المؤمنين الصادقين يتجنبون كل ما هو لغو وباطل في أقوالهم وأفعالهم. اللغو يشمل الكلام الذي لا فائدة منه، والأفعال التي لا طائل من ورائها، وحتى الشرك والمعاصي.

شرح الآية:

اللغو:

يشمل كل ما لا خير فيه ولا نفع، سواء كان قولًا أو فعلًا.

الإعراض:

يدل على الابتعاد والتجنب، أي أن المؤمن لا يشارك في اللغو ولا يلتفت إليه.

أهمية الإعراض عن اللغو:

يظهر أهمية الإعراض عن اللغو في أنه صفة من صفات المؤمنين الصادقين، ويدل على سمو أخلاقهم وعلو همتهم.

مقابلة اللغو بالعمل الصالح:

المؤمنون يعرضون عن اللغو لأنهم مشغولون بما هو خير وأنفع، سواء في أمور الدين أو الدنيا.

تفسيرات متعددة:

يرى بعض المفسرين أن اللغو يشمل الشرك والمعاصي، بينما يرى آخرون أنه يشمل كل ما لا فائدة فيه.

مثال:

الآية الكريمة في سورة الفرقان: "وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا" توضح أن المؤمنين لا يشاركون في اللغو بل يمرون به بكرامة، أي لا يلتفتون إليه ولا يهتمون به.

صحيح أن بعض النقاشات قد تبدو جدالًا عقيمًا في ظاهرها، لكن الحقيقة أن كثيرًا من الناس لا يقتنعون من أول حوار، بل يحتاجون إلى وقت، وتكرار، وصدام فكري يُزعزع ما يظنونه مسلّمات.

القرآن نفسه أشار إلى هذا المعنى، حين خاطب النبي:

"فذكِّر إن نفعت الذكرى" وفي موضع آخر قال: "وجادلهم بالتي هي أحسن"

فالجدال بحد ذاته ليس مذمومًا مطلقًا، بل يُذم حين يخلو من النية الطيبة والأسلوب الحسن. أما إذا اقترن بالصبر والحكمة، فقد يكون سببًا في تفكيك تصورات خاطئة تراكمت في ذهن الطرف الآخر.

وكم من شخص دخل حوارًا ليرد فقط، ثم خرج منه وقد بدأ يُفكر بشكل مختلف، ولو لم يُصرّح بذلك مباشرة.

لم أجد في حديثك أي مشكلة بالعكس فمن الواضح لي أن ردك يعبر عن تجربة شخصية مؤثرة حول إحباطات النقاش غير البنّاء، ويعكس بوضوح الصراع الداخلي الذي يواجهك خصوصاً ويواجه أي أنسان عموماً عندما يتحول الحوار من وسيلة للتعلم إلى ساحة صراع فكري. وصفك الذكي جداً للنقاش كـ"مقايضة معرفية" يظهر الهدف النبيل لتبادل الأفكار، في حين أن تصويرك لـ"المبارزات الفكرية" كمعارك مستترة يلتقط بدقة الإحباط الناتج عن الحوارات غير العادلة التي تهدف إلى الهيمنة بدلاً من الفهم وهي الطبيعة التي تغلب معظم النقاشات وتحولها لجدل. تجربتك مع أسلوب "الإغراق الفكري"، حيث يُلقي الطرف الآخر بكم هائل من الأسئلة والمغالطات دون إتاحة فرصة للرد المتأني، تعكس مشكلة شائعة في النقاشات الحديثة، خصوصًا عندما يفتقر الطرف الآخر إلى احترام التخصص أو المرجعية المشتركة أو أدب النقاش. قصتك مع صديقك الذي ينقل أسئلة الآخرين دون تمحيص تضيف بُعدًا إنسانيًا للمشكلة، حيث تشعر كأنك تواجه جيشًا من العقول بدلاً من محاور واحد، وهذا يبرز الحاجة إلى وضع حدود واضحة في الحوار. قرارك بالانسحاب من مثل هذه النقاشات حفاظًا على سلامتك النفسية يعكس حكمة ووعيًا ذاتيًا، لأنه يؤكد أن النقاش الحقيقي يحتاج إلى احترام متبادل ومرجعية مشتركة فأن تخاطب ألف عالم مع إمتلاك حجة ستغلبهم .

ربما صديقك اقتنع بالافكار التي تلاقها من الاخرين ومن شده اقتناعه يريد اقناعك بان هذه الافكار هي الصحيحه ولكنه يشعر بان هناك خطاء ما . في تلك الافكار

لذالك حدث تشتت في عقله ويرد ان ينقل لك هذا التشتت الذي في عقله عن طريق تكذيب كل الحقائق الدينيه.

لا تجعل هذا النوع من الناس ان يجعلك تهتز في قدراتك الفكريه او الدينيه وتجنب الحديث مع امثاله .

النقاش يجب أن يكون وسيلة للتعلم وتبادل الأفكار، وليس معركة تستهلك الطاقة دون فائدة. عندما يُفرض عليك تجاهل تخصصك أو مصادره، يصبح من الأفضل تجنب النقاشات غير البناءة حفظا لك و لكرامتك.

كل ما يلزم أن يعرف المرئ متى يتكلم و متى يصمت

شخصيا لا ارى جبنا في الموضوع ، من الافضل ان يبتعد الانسان احيانا عن هكذا نوع من النقاشات التي لا جدوى منها فليست الا استنزافا غير مقبول فلماذا اناقش ان كنت اريد ان اثبت وجهة نظري فقط لا ان اسمع او افهم او اقتنع؟

كما أنني أواجه كثيرًا مشكلة عدم احترام التخصص، بل وإجباري على الكلام والنقاش بشروط الطرف الثاني الذي جاء ليسألني أصلًا

صدقا مررت بأكثر من هكذا موقف بحكم تخصصي في احد المجالات الطبيه اضطر احيانا الى سماع الكثير من المعلومات الخاطئة التي يأخذونها من الانترنت وبأقتناع شديد انه على صواب حتى وان اوضحت له العكس او يأتي ليناقشني في تخصصي وهو بعيد عنه وكل الذي لديه مغلوط ولا يسمح لي بتعديله الى ان توصلت الى قناعة ان ليس كل شخص يستحق ان تناقشه او حتى ان تشرح له .

صحيح أن بعض النقاشات تُرهق، لكن الصبر عليها أحيانًا يكون بابًا لهداية شخص، أو تعديل مسار فكر، ولو بعد حين. وهذا بذاته يستحق أن يُبذل له الجهد، ما دام الإنسان يملك طاقته النفسية وأدواته العلمية، ويُفرّق بين من يستحق ومن لا يستحق

فمثلا بتخصصك يمكنك بسهولة تعديل فكرته أو رأيه، لأنه ببساطة لديك الخبرة لذلك، قد يجهدك لكن ستكوني سببا في تعديل معلومات خاطئة لديه قد تضره

انا معك في ذلك ، بالاصل انا انسانة احب جدا لغة الحوار والنقاشات حتى وان كانت طويله وحتى ان كان الشخص عنيد مستعده ان اناقشه لكن احيانا يصادفني اشخاص لا يريد النقاش وانما فقط اثبات وجهة نظره لأروي لكِ موقف في مره اخبرتني قريبتي عن معلومه طبيه سمعتها من طبيب اعتقد على التيك توك وتحاول مطابقتها مع الاعراض التي لديها وحاولت بكل جهدي ان اثبت لها ان لا علاقة هذا الامر بذاك خاصة كان الموضوع ضمن تخصصي الدقيق وانا متأكده منه وحتى رجعت الى استاذي وسألته وكلامي صح لكن بقيت مصره على ما سمعته من التيك توك انه هو الصواب وانا الخطأ .

في مثل هذا النوع انا اتجنب النقاش معه ممكن احاول لكن من يتضح ان طاقتي ستستنزف وهو لن يصغي اتخذ قرار بالتوقف او عدم الخوض في نقاش مره اخرى .

عندما ادخل في نقاشات عقيمة

ابدا باستخدام مصطلحات عميقة من المجال الذي انا خبرة فيه، بالتالي فقط لابين للطرف الاخر مستوى الفرق بيننا وان عليه ان يحترم خبرتي.