لماذا نُرضي الجميع إلا أنفسنا؟

من الصعب الاعتراف بذلك، لكن كثيرين منا يعيشون كما لو أن حب الآخرين أهم من حب الذات، وموافقة الناس أثمن من موافقة الداخل.

نضبط كلماتنا، نبتسم رغم التعب، نُلبّي الطلبات حتى حين تضغطنا، نخشى الرفض أو الخذلان، فنقدّم التنازلات باسم "الطيبة" و"الذوق" و"النية الحسنة"، لكننا في الحقيقة نبحث عن شيء أعمق: القبول.

في علم النفس الإكلينيكي، يُعرف هذا النمط السلوكي بما يسمى "إدمان التوافق" (People-Pleasing)؛ وهو نمط يتكوّن غالبًا في الطفولة نتيجة اضطرابات في التعلّق. عندما يتعلم الطفل أن الحب مشروط—بأن يكون جيدًا، مطيعًا، هادئًا، بلا مطالب أو أخطاء—يتحول مع الوقت إلى شخص يحيا على إرضاء الآخرين ليشعر بالأمان أو الاستحقاق. تصبح "نعم" طريقًا للنجاة من الهجر، وتصبح "لا" كلمة مخيفة تُهدد العلاقة أو الانتماء.

لكن هذا الإرضاء المستمر ليس بلا ثمن. تتآكل الحدود الشخصية، ويبهت الإحساس بالذات، ويبدأ الإنسان في معاقبة نفسه كلما فكر في أن يختار راحته أو يُعبّر عن رفضه. يتصادم الصدق مع الخوف، وتذبل "الأنا" تحت ثقل الالتزام بما يريده الآخرون لا ما يريده هو.

ليس الحل في التمرد أو القطيعة، بل في أن نسأل: لماذا لا نمنح لأنفسنا ما نمنحه لغيرنا؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الخوف من الرفض لا يضمن الحب، بل يضمن استنزافك. الحقيقة التي تهرب منها مَن يُشترط بقاؤهم بتنازلاتك هم مشكلة يجب أن تفقدها، لا خسارة يجب أن تخشاها.

الواقع لا يرحم: العلاقات القائمة على الإرضاء المرضي هي صفقة خاسرة أنت تدفع ثمنها وحيدًا (وقتك، طاقتك، سلامك). بينما العلاقات الحقيقية تُبنى على حدود واضحة، لا على ذوبانك كي يرضى الآخرون.

الاختيار ليس بين إرضاء الناس أو الأنانية، بل بين أن تعيش على هامش حياتك، أو تحتل مركزها.

صحيح أن الإرضاء المستمر منهك، لكن التخلي عن الأشخاص لمجرد أنهم يشترطون أو يطلبون قد يكون نوعًا من القسوة المقنعة باسم "الوعي الذاتي". العلاقات البشرية معقدة بطبعها، والمثالية التي نتمناها—حدود واضحة، وقبول غير مشروط—نادراً ما توجد خارج الكتب. أحياناً، التنازل ليس ضعفاً، بل تعبير عن حب، عن رغبة في الحفاظ على من نحبهم، حتى لو تطلب الأمر بعض الذوبان المؤقت.

ربما لأننا لم نعتد أن نُعامل أنفسنا كشخص يستحق الاهتمام، بل اعتدنا أن نكون الدور المساعد في حياة الآخرين. نمنح الدعم، ونُقدّم التفاهم، لكن ننسى أن نمنحهما لذواتنا. المشكلة ليست فقط في البحث عن القبول، بل في فقدان الشعور بأن لنا حقًا في الرفض والتعبير والراحة، دون أن يُهدّد ذلك قيمتنا.

أحيانًا نحتاج أن نعيد ترتيب أولوياتنا العاطفية: أن يكون صوتنا الداخلي هو المرجع، لا تصفيق الآخرين.

إعادة ترتيب الأولويات العاطفية كما قلت، يتطلب شجاعة وتدريبًا على الاستماع إلى ذلك الصوت الداخلي الذي تم تهميشه طويلًا. ربما البداية تكون في التعرف على هذا الصوت من جديد، والقبول بأننا لسنا مطالبين بأن نُجيد دور "الداعم الصامت" دائمًا. المشاعر التي نحاول كبتها باسم التفاهم، والاحتياجات التي نُؤجلها باسم الذوق، تستحق أن تُرى وتُحترم.

أحد أهم الأسباب برأيي هي فقدان الثقة، فيصبح مصدر مكسب ثقته هم الآخرين وبالتالي سيفعل كل شيء من أجل الآخرين حتى لو على حساب نفسه، سيضحي ويتنازل وحتى بنفسه لأن الآخر هو من يشعره بذاته وهذه مشكلة كبيرة جدا.

وهو نمط يتكوّن غالبًا في الطفولة نتيجة اضطرابات في التعلّق. عندما يتعلم الطفل أن الحب مشروط

برأيي الحب المشروط أحيانا يخلق نوع من الأنانية غير المقصودة، فلا يعطي بسهولة لأنه تعود أن يحصل على كل شيء بمقابل، فيأبى أن يعطي

تمامًا، لأن الحقيقة التي لا يُحب الكثير الاعتراف بها هي أن الحب المشروط هو القاعدة، لا الاستثناء. هذا ما نراه في البيوت، في المدارس، في أماكن العمل، وحتى في الصداقات والعلاقات العاطفية. نحن لا نعيش في مدينة أفلاطون الفاضلة، بل في عالم تحكمه التوقعات، والنتائج، والمعايير الاجتماعية.

الطفل الذي تعلم أن الحب يُربط بالسلوك الجيد أو الإنجاز، لم يُظلَم بقدر ما تجهّز للواقع. لأن العالم لا يكافئ النوايا وحدها، بل الأفعال. وحتى في أرقى العلاقات، دائمًا ما يكون هناك "مقابل" – احترام، اهتمام، التزام... لا أحد يعطي بلا حد، ولا أحد يُحب بلا شروط، وإن قال ذلك.

المقابل فكرة طبيعية ما دامت لا تؤذي، ولا يأخذ طرف فقط دون أن يعطي او العكس، المقابل ما دام بتوافق الطرفين، إذن العلاقة سوية حسب متطلبات كل طرف منها.

عامل مهم بخصوص متلازمة إرضاء الاخرين، وهو غياب أصلًا هدف شخصي يسعى الشخص لأجله، بمعنى هو لا يضع نفسه أولوية في أي شيء، فحتى استحقاقه للحب، مشروط بأن يقدمه له أحدهم، لأنه اصلًا لا يعرف كيف يحب ذاته، ولا أقصد هنا كلام تنمية بشرية وترهات لا علاقة لها بالواقع! ولكن فعلًا تلك المتلازمة تبدأ في التلاشي، حينما نسأل في كل مرة: هل هذا الفعل أريده فعلًا أو اضطر له لإرضاء الآخرين بهدف الحصول على آرائهم عني، لأنني أصلًا ليس لدَّي رأي عن نفسي؟

نحن لا نتعلم حب الذات فجأة، بل نعيد بناءه فوق طبقات من المشروطية التي بدأت منذ الطفولة. وربما من الإنصاف القول إننا لا نختار متى نضع أنفسنا أولًا، بل نُضطر لذلك بعد خيبات متكررة، حين نجد أننا أعطينا كثيرًا دون مردود يُشعرنا بالكرامة.

من هنا، يصبح "المقابل" ليس فقط طبيعيًا، بل ضرورة نفسية للحفاظ على التوازن. نحن لا نطلب مقابلًا لأننا لا نحب، بل لأننا نحب أنفسنا أيضًا، ونرفض أن نذوب في الآخر باسم التضحية.

هو ليه كل المشاكل من الطفل

في بعض الاحيان قد ينقلب الامر تماما ... يكون الطفل في طفولته يحاول دوما ارضاء الاخرين ... لكن عندما يكبر قد يثور على تلك الطريقة وذلك الاسلوب وقد تصبح النتيجة عكسية تماما ...حيث يصبح الشخص انانيا يكره الاخرين عندما يرى ان الحب غير موجود من الاساس وهذا يحدث غالبا بعد ان ينضج وتبقى لديه اثار نفسية فيفضل الوحدة والانعزال ويكره ان يقترب منه احد ... ويحاول دوما معالجة الامور بنفسه حيث انه اصبح يعرف ان الاخرين لن يقبلوه لو اظهر لهم ذلك الجزء منه فيفضل الابتعاد كليا والتخلي وعدم الرغبة في حبهم ولا كرههم يفضل ان يبقى على الحياد ليتجنب صراعاته مع نفسه وعواطفه ...

قد يختار الشخص الانغلاق لا عن وعي، بل كآلية لحماية ما تبقى من نفسه. لكنه لا يزال داخل نفس الدائرة: يحكمه الخارج، حتى وهو يبتعد عنه. فكما أن الأول يبحث عن الحب ليشعر بأنه يستحق، فإن الثاني ينسحب لأنه فقد الأمل في هذا الاستحقاق.

الحياد الذي تفضلت بوصفه ليس دائمًا حيادًا ناضجًا، بل هو أحيانًا تخدير للألم، أو محاولة للبقاء آمنًا حتى لو كان الثمن هو العزلة.