لماذا لا نُقيّم أنفسنا دون الحاجة إلى تقييمات الآخرين؟

أنجزت مشروعًا شعرت بأنه من أفضل ما قدّمت، بذلت فيه وقتًا وجهدًا وتفانيًا من القلب. لكنّي فوجئت بتقييم سلبي من العميل، دون ملاحظات واضحة أو أسباب منطقية. يومها، لم يكن مجرد تقييم سيء، بل كان صفعة على معنوياتي. تأثّرت نفسيًا بدرجة كبيرة، وقررت التوقف عن العمل الحرّ لفترة.

ننجز شيئًا نحبّه، ثم لا نشعر بالفخر إلا بعد أن يخبرنا أحدهم أنه جيد. نلبس ما يعجبنا، ثم نعيد النظر في أنفسنا إن لم نحصل على إعجاب كافٍ. نعمل ونتعب، لكن قيمة ما نفعله تظل معلّقة بردّ عميل أو إشادة مدير. كم مرة تساءلنا بصمت: هل أنا جيد بما يكفي… أم أنني فقط أبدو جيدًا في عيون الآخرين؟

هذه الحالة تسمى بـ "الاعتماد الخارجي في التقدير الذاتي" – وهي آلية نفسية تجعلنا نُقيّم أنفسنا بناءً على إشارات خارجية، لا على إحساس داخلي بالقيمة. والمشكلة هنا ليست في رغبتنا في التقدير – فكلنا نحتاجه – بل في أن غياب هذا التقدير الخارجي يجعلنا ننهار، كأن ما أنجزناه لا معنى له ما لم يُصفق له أحد.

الاعتماد المزمن على تقييمات الآخرين يُنتج نوعًا هشًا من الثقة بالنفس، أشبه ببيت من ورق في مهبّ كلمة. كلمة إعجاب ترفعنا، وكلمة نقد تُحطمنا.

فمن تجاربكم، لماذا لا نُقيّم أنفسنا دون الحاجة إلى تقييمات الآخرين؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

نعم، كثيرًا ما نجد أنفسنا عاجزين عن تقييم ذواتنا بعيدًا عن آراء الآخرين، لا لأننا ضعفاء أو لا نعرف قيمتنا، بل لأننا تربّينا منذ الطفولة على أن التقدير يأتي من الخارج أولًا.

لكنّ مؤخرا أدركت أن آراء الآخرين قد تكون انعكاسًا لمزاج عابر لا علاقة له بجودة العمل، وأن بعض النقد ليس بالضرورة انتقاصًا، بل قد يكون أداة تحفيز، أو حتى مجرد رأي شخصي لا يحمل الحقيقة المطلقة. حينها فقط بدأت أغيّر طريقتي في التقييم.

لم أعد أعلّق ثقتي على ما يُقال، بل بدأت أُقيّم نفسي أولًا هل بذلت جهدي؟ هل كنت مخلصًا فيما صنعت؟ هل تطورت؟

إن كانت الإجابة نعم، فذلك يكفيني.

أما ما يأتي من الآخرين سواء مدحًا أو نقدًا فأصبحت أستقبله بهدوء، أُصغي له، أستفيد منه، لكن لا أسمح له أن يُحدد قيمتي.

الأمان الذاتي جميل، لكن الحياة العملية تُبنى على الانطباع والتقييم. فلا يمكن فصل القيمة عن استجابة الجمهور أو العميل تمامًا، وإلا أصبحنا نكتب لأنفسنا، نُصمم لأنفسنا، ونعيش في فقاعة مغلقة لا تتحمل الرفض.

لو قرأت آخر سطر شاركت به بتعليقي ستعلم أني بهذه الطريقة لا أعيش بفقاعة معغلقة لا أتحمل الرفض، بل أركز على التعامل الصحيح مع النقد متى أستقبله وأصغى له وأستفيد منه، ومتى أتجاهله ولا أضعه بالحسبان وكل هذا في إطار تقييمي لنفسي

طرح آلان دي بوتون رأي مشابه لرأيك في كتاب "السعي إلى المكانة" لكنه أنهى ذلك الرأي بقوله أن كلامه لا يعني أن لا نكترث بآراء الغير دوماً.

وأضيف على ذلك من رأيي، أنه يجمل بنا أن نستمد قيمتنا من داخلنا في مواقف كثيرة، لكن بعض المواقف لا ينطبق عليها ذلك، ويكون رأي الآخرين مهماً.

طرح آلان دي بوتون رأي مشابه لرأيك في كتاب "السعي إلى المكانة" لكنه أنهى ذلك الرأي بقوله أن كلامه لا يعني أن لا نكترث بآراء الغير دوماً.

أعتقد أننا متشابهين إذن😅، فهذا ما ذكرته بآخر سطر بتعليقي

وأضيف على ذلك من رأيي، أنه يجمل بنا أن نستمد قيمتنا من داخلنا في مواقف كثيرة، لكن بعض المواقف لا ينطبق عليها ذلك، ويكون رأي الآخرين مهماً.

مثل ماذا؟

هناك آراء مهمة لا نستطيع تجاهلها، مثل التاجر في السوق، فسمعته تتكون من آراء الآخرين فيه، وتلك آراء لا يجمل به أن يتجاهلها لأن لها آثار كبيرة تترتب عليها.

وهناك أمثلة أخرى، مثل الرياضيين في المسابقات الفردية، رأي لجنة الحكام يحدد قيمة الرياضي ومستقبله.

لذلك قد يمكننا عدم الاعتداد بآراء الآخرين في مسائل اجتماعية، أو مسائل فكرية، أو مسائل ذوقية، لكن هناك مسائل يكون فيها رأي الآخرين هو الفيصل.

أظن أن المجتمع بأكمله يدفعنا لهذه العقلية. أن يأتي تقييمنا وتحديد مستوانا من الخارج وليس من أنفسنا. وهذا للأسف يجعلنا في دائرة مفرغة من السعي وراء الاعجاب والقبول من الآخرين، لكن ننسى أن نرضي أنفسنا ولا ننتبه لذلك إلا متأخرا جدا

BasmaNabil17 أضف ردا

وكيف لنا أن نقيم أنفسنا؟ بصراحة ربما يصلح ذلك خارج مجال العمل الحر كنوع من التحفيز الذاتي للاستمرار، لكن في العمل الحر الموضوع مختلف تمامًا، من منا لديه القدرة فعلًا على انتقاد نفسه بصدق وبشكل بناء إذا أخطأ؟ الأغلب إما يجلد ذاته أو يتجاهل الخطأ تمامًا، فنحن غالبًا ننتظر التقييم من الخارج من العميل أو الجمهور، لأنه هو من يحدد ببساطة إن كان ما نقدمه يرضي التوقعات أو لا، فالمعادلة هنا أكثر تعقيدًا مما نظن.

أتفق معك أن التقييم الذاتي في العمل الحر ليس بالأمر السهل، خاصة في بيئة تعتمد بشكل كبير على رضا العميل وتفاعلات الجمهور، لكن الاعتماد الكامل على التقييم الخارجي وحده يحمل مخاطر كبيرة. التقييم الخارجي متغير، وأحيانًا غير عادل أو غير موضوعي. عميل غاضب أو جمهور مشتت قد يمنحك انطباعًا سلبيًا لا يعكس حقيقة جودة عملك.

أتفق معك أخي أننا يجب أن لا نعتمد على تقييمات الآخرين لنا، لكن لا ينطبق ذلك على كل شيء؛ فلو فكرنا في العمل الحر، سنجد أن الهدف هو رضى العميل بما نقدمه، وتقييم العميل لنا جزء من الصفقة التي عملنا من أجلها إلى جانب النقود.

على العكس من ذلك خارج منصات العمل الحر في العمل التقليدي نتلقى أجراً وهذا هو المقابل الوحيد، لذلك نتقن العمل ونقدم أفضل ما يمكننا، وهنا يمكننا أن نستغني عن إشادة مدير أو تقييم العميل.

صحيح أن تقييم العميل هو جزء من الصفقة، لكن لو اختزلنا جودة عملنا برضا العميل فقط، نصبح في وضع هش جداً. العميل أحياناً لا يدرك قيمة ما نقدمه إلا بعد وقت، أو قد تكون توقعاته غير واقعية، أو ببساطة لا يمتلك الخبرة الكافية ليقيّم العمل بشكل عادل.

أختلف معك في ذلك أخي العزيز، العميل دفع نقود مقابل عمل يعجبه ويلائم ذوقه، سأطرح مثال بالتصميم لأنه أوضح مثال..

قد يكون نشاط العميل في منطقة شعبية وبالتالي ذوقه يناسب ذوق كل المترددين على نشاطه التجاري، فلو كان ذوق العميل يميل ناحية التصميم الشعبي، فهو محق في ذلك، لكن لو صممنا له بانرات تخضع لقواعد الفن الإنجليزي أو الفرنسي فلن يناسبه.

أتفق معك تمامًا أن ذوق العميل جزء أساسي من متطلبات أي مشروع، ومن واجبي كمستقل أن أنفذ العمل بما يتماشى مع هذا الذوق ويخدم طبيعة نشاطه وجمهوره المستهدف، حتى لو كان بعيدًا عن المعايير الجمالية المعتادة.

لكن ما قصدته في تعليقي هو حالة مختلفة: عندما ألتزم تمامًا بتنفيذ ما طلبه العميل وبحسب ذوقه وتفاصيله، ثم يفاجئني بتقييم سلبي. هنا يصبح السؤال: هل التقييم يعكس جودة التنفيذ فعلًا؟ أم ذوقًا شخصيًا متقلبًا؟ خاصة وأننا التزمنا بما تم الاتفاق عليه سلفًا.

حقيقة تعرضت لموقف يشبه ذلك، لكن حادثت العميل وقام مشكوراً بتعديل تقييمه، هل واجهتك مشكلة كتلك ولم ينفع فيها التواصل مع العميل؟ وماذا فعلت؟

عندما نعتمد على التقدير الخارجي، يصبح شعورنا بالقيمة الذاتية مرهونًا بردود أفعال الآخرين. والمشكلة لا تكمن في حاجتنا الطبيعية للتقدير – فهي حاجة نفسية أساسية – بل في أن غياب هذا التقدير يجعلنا ننهار، وكأننا لا نمتلك قيمة ذاتية من الداخل.

غالبًا ما ترتبط هذه الآلية بتاريخ من التربية القائمة على الحب المشروط، حيث يتلقى الطفل الحب والقبول فقط عندما ينجح أو يُرضي من حوله. كنت قد تطرّقت لهذا الموضوع في حسابي في مقال بعنوان "لا تقل لابنك: أنا فخور بك" ، حيث شرحت فيه كيف يتحول الإنجاز إلى وسيلة لإرضاء الأهل بدل أن يكون دافعًا نابعًا من الذات. في مثل هذه البيئة، يتطور لدى الطفل تقدير ذاتي هش، يعتمد على الخارج ويتأرجح بتأرجح التقييمات الخارجية .

لهذا، من المهم أن نتعلم كيف نعزّز من التحقّق الداخلي ، أي أن نُرضي ذواتنا أولًا، وأن نُقيّم إنجازاتنا استنادًا إلى معايير داخلية واضحة، لا بناءً على ردود أفعال متقلبة من الآخرين.

صحيح أن الهوس بإرضاء الآخرين مدمّر، لكنه لا يعني أن نرفض كل تقدير خارجي أو أن نحصر الشر في استجابة الجمهور أو الأهل أو العملاء. ربما التحدي الحقيقي ليس في الاعتماد على التقدير الخارجي، بل في التوازن بين ما نعرفه عن أنفسنا، وما يُقال لنا عنا.

ما شاركتِه يعبر عن تجربة واقعية يمر بها كثير من المستقلين والعاملين في المجال الإبداعي خاصة حين يتلقون تقييما لا يعكس حقيقة الجهد المبذول من الطبيعي أن نشعر بالإحباط عندما يقابل تعبنا بنقد غير منصف أو تقييم سلبي دون توضيح لكن الأهم هو كيفية التعامل مع هذه اللحظات

الاعتماد على التقدير الخارجي فقط في تقييم الذات يجعل الثقة بالنفس هشة تتأرجح مع كل رأي أو كلمة ولهذا يصبح من الضروري أن نبني داخلنا مرجعية شخصية نقيس بها إنجازاتنا أن نسأل أنفسنا هل قدمت أفضل ما لدي هل التزمت بالجودة والضمير إن كانت الإجابة نعم فهذا بحد ذاته إنجاز يستحق الاحترام حتى لو لم يقابل بالتقدير الذي نأمله

من الطبيعي أن نحب سماع كلمات الدعم والإشادة لكن لا ينبغي أن نربط قيمتنا بها وحدها فالثقة الحقيقية تنبع من الداخل من إيماننا بما نقدمه ومن إدراكنا أن التقييمات لا تلخصنا ولا تختصر مسيرتنا

ولعل من المهم أن نعتبر كل تجربة حتى السلبية منها فرصة للتعلم والتطوير لا دافعا للتراجع أو الانسحاب كل مبدع ناجح مر بلحظات مشابهة والفرق كان في الصبر والمثابرة

تقديري الكبير لما عبرتِ عنه وكلي يقين أن ما بدا لحظة إحباط سيكون خطوة نحو وعي وتجربة أعمق في مسيرتك المهنية

ربما أهم ما أتعلمه الآن أن الخذلان لا يعني بالضرورة أننا فشلنا، بل قد يكون دعوة للثبات أكثر، والارتكاز على يقيننا بأنفسنا.

كلماتك تحمل نضجًا كبيرًا ووعيًا عميقًا

نعم ليس كل خذلان هزيمة فقد يكون الخذلان في كثير من الأحيان كشفًا ورحمة ودرسًا في التوازن النفسي والثقة الذاتية

أن نُخذل ولا نفقد يقيننا بأنفسنا هو انتصار من نوع آخر

الثبات بعد الانكسار دليل على قوة داخلية لا تهتز بسهولة

فاستمري في هذا النور وثقي أن كل تجربة مهما كانت قاسية تعيد تشكيلنا لنصبح أقرب إلى أنفسنا وأقوى مما كنا عليه