117

تجربة شخصية: طرق ساعدتني للوصول الى قدر لا بأس به من الثقافة .. ربما تفيدك

مشكلة هذا العصر الذي نعيشه ، انك حتى تفهمه يجب أن تكون على إطّـلاع واسع بأفكـار متنوّعة تحملها الكتب والمراجع .. ليس فقط في نواحي اقتصادية أو سياسية عامة ، بل أيضاً نواحي اجتماعية وإنسانية وتاريخية عميقة.

دائماً كنت أسال نفسي ، مع هي أفضل الطرق التي تجعلني مثقفاً ، وتزيد من معدّل ( فهمي ) للمعلومات والحقائق ، وليس حفظـي لها ..

هنا ان أشاركك تجربتي الشخصية للسعي وراء الثقافة والإطلاع ، في نقاط مُركزة :

  • شراء عدد كبير من الكتب ( الرخيصة / القديمة ) .. أفضل مليون مرة من شراء كتاب او كتابين مرتفعي السعـر لكتّاب معروفين.

الكتب القديمة والرخيصة في معارض الكتب ، تعج بكنوز حقيقيـة .. رواية ( الحرب والسلام ) الأسطورية المعروفة لتولستوي ، اشتريتها من أحد معارض الكتاب بسعر 10 جنيه ( دولار ونصف وقت شراءها ) ..

في مصـر - كمثال - يوجد مشروع شديد الروعة للقراءة ، تحت اسم ( مكتبة الأسرة ) .. يقدم مجموعة من أروع وأعظم الكتب العالمية في كافة المجالات ، وكافة التصنيفات .. بأسعار زهيدة جداً .. حتى ان موسوعة ( فجـر الضمير ) الموسوعية للعبقري سليم حسن .. اشتريتها بسعر 8 جنيهـات تقريباً ، وهو مبلغ زهيد جداً مقارنة بحجم الكتاب ..

أعتقد - أتمنى ألا اكون مخطئاً - أن معظم الدول العربية لديها نوع ما من هذه المشروعات في انتاج الكتب بأسعار مخفّضة .. استهدفها !

10 كتب رخيصة قديمة مهلهلة صفراء لكتاب عالميين وموضوعات مؤثرة ، أفضل من كتاب أنيق جديد لكاتب واحد تركّـز عليه الأضواء طوال الوقت ..

  • المجلات الورقية .. حتى الآن لا استطيـع أن أجد مجلة ( العلوم ) أو الـ ( Nature ) إلا وأشتريها .. هل استفيد من كل مقالاتها ؟ .. إطلاقاً .. فقط مجرّد تصفحها سريعاً وأنا أجلس على المقهى ، يجعلني متفهماً لكل مايدور في حركة العلوم العالمية .. بدون أخذ ملاحظات من أي نوع ..

  • الروايات .. الروايات جزء مهم جداً لتشكيـل البناء الثقافي ، ولكن بحسب الرواية نفسها.. هناك روايات قراءتها ليس تضييعاً للوقت ، وإنما أيضاً تدمير لمفهوم الثقافة أصلاً .. فضلاً عن إضاعة الوقت ، والمال ، إلخ ..

  • إياك ان تعتبـر الكتب الأعلى مبيعاً دائماً ما تكون مصدراً للثقافة .. مثل كتب المؤامرات ، أو كتب التنمية البشرية ، أو كتب التحفيز .. هذه كتب لا علاقة لها بالثقافة إطلاقاً على الإطلاق بأي معنى من المعاني ..

بخصوص القراءة عموماً ، أقتـرح أن أي كتاب تقرأه أو رواية تجدها مفيدة .. أن تكتب بعض الأفكار التي وردت فيها في الصفحة الأولى أو الأخيرة ، او تكتب أرقام الصفحات التي ترى أنها مهمة جداً ويجب الرجوع لها ..

  • 3 وثائقيّات أسبوعياً .. وهي عادة أصبحت مقدّسة بالنسبة لي - رغم أنني لم اكن أحب الوثائقيات لهذه الدرجة - .. ولكن شعــورك أن هناك الكثير لتعرفه حول العالم ، مع نقص شديد في قدرتك على شراء كل الكتب وقراءة كل المقالات ، تجعل متابعة الوثائقيات أمراً حتمياً .. ورائعاً كذلك..

مثلاً : عرفت قصـة ( أوليفر كرومويل ) وثورته الملحمية على الملكية البريطانية ، بما جاء بعدها من إصلاح سياسي ديموقراطي هائل في بريطانيـا والعالم الغربي كله .. من خلال وثائقي لمدة ساعة واحدة .. وكنت ساحتاج الى كتب ضخمة ، وساعات طويلة لمعرفة أبعاد هذا الموضوع ..

بمرور الوقت أصبحت عاشقاً للوثائقيات .. ولحسن الحظ ان حركة الافلام الوثائقية العالمية تتطور سريعاً بحيث تجعل ( التشويق ) جنباً الى جنب مع المعلومات بشكل أساسي .. كأنك تشاهد فيلماً شيّقاً فعلاً..

  • الأفلام العاديّـــة .. بعض الأفلام تعتبر Shortcut لمفاهيم ثقافية وفكـرية واسعة :

فيلم ( Dangerous method ) جعلني أحيط تماماً بالصراع بين عالمي النفس الأسطورين ( فرويد ) و ( يونغ ) ، ومفهوم ( المازوخية ) كمــرض وليس كسلوك شائن كما نتصوّره جميعاً.. فيلم ( Interstellar ) هو مدخل علمي واضح لمفـاهيم النسبية ، والثقوب السوداء .. إلخ

فيلم ( Tree of life ) جعلني أفهم اكثر بخصوص مفاهيم صوفية بديعة .. فيلم ( The Big Shorts ) هو في الأساس شرح عظيم ومبدع في سياق درامي للأزمة المالية العالمية 2008 ، وتبعاتها ..

كل هذا عرفته وفهمته ، بدون ان افتح كتاباً ، وبدون أن ألزم نفسـي على قراءة هذه الموضوعات .. عرفتها من خلال متعة مشاهدة الفيلم لا أكثر .. وإن كنت قرأت عنها اكثــر فيما بعد الفيلم..

  • محاضرات TED .. يااخي لو استطعت أن اشرح لك قدر الافادة المهولة التي استفدتها من وراء هذه المحاضرات في زمن قياسي ، فيستحيـل حصـرها ..
  • اقرأ هذه المساهمـة :
  • النقطة الجوهرية هنا ان مفهوم الثقافة يعني تنوّع القراءات والإطلاعات والأهواء .. القراءة في مجال واحد وإهمال بقية المجالات ( أو حتى معاداتها ) لن يجعل منا مثقفين ، بقدر ما يجعلنا ( متخصصين ) في مجال واحد .. وفرق واسع بين الثقافة والتخصص ..

بشكل ما هذه هي حصيلة تجربتي .. لا أعرف إن كـان هناك أموراً أخرى يجب وضعها الى جانب هذه المحاور ، أو أن هذه الطرق هي الأفضـل أصلاً للوصول الى قدر جيد من الثقافة .. ولكنها تجربتي على أي حال..

فقط ذكّـر نفسك أن الثقافة وسيلة لتوسيع المدارك ، وفهم الواقع والوجود ، وليست غاية في حد ذاتها ..

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

شكراً لك أخي الكريم على هذا الموضوع، وبالمناسبة هذا أول تعليق لي على حسوب io :)

بدأت من جديد بمتابعة بعض المواقع العربية المفيدة على شبكة الإنترنت، وأقدم لك مجموعة من هذه المواقع:

-البوابة العربية للأخبار التقنية

-ساسة بوست

-الباحثون السوريون

-كل يوم معلومة طبية

-مجلة نقطة العلمية

-عالم الإبداع

-أمة بوست

وبالإضافة لقراءة الكتب

أتمنى أن أكون قد أفدتك، كنت أود أن أكتب أكثر ولكن للأسف فالوقت ضيق

سررت بقراءة مشاركتك :)

شكراً ياصديقي ..

ما أريد أن أنوّه له هنا أن المواقع المذكـورة ( مهما كانت جودتها وكفاءتها ) هي بالأساس بوّابات للمعرفة ، ولا تقدم المعرفة بالمعنى الواسع الشامل .. يمكنك أن تعتمد على أراجيك وساسة بوست والباحثون السورّيون في معرفة نتائج الموضوعات ، وفهمها بشكـل عام .. ولكن الأصــل في معرفة أي شيء هو الإحاطة به بشكـل يجعله متماسكاً في ذهنك ومداركك ..

ومن ثمّ ، أعتقد أن ثلاثية ( كتاب / فيلم / وثائقي ) هي الأصل الذي تخرج منه فروع المواقع الإليكترونية.. طبعاً مع بعض الاستثناءات..

ملاحضة جيدة، أضن أنني بدأت استفيد من هذا الموقع، من خلال التعلم من خبرات غيري

وفي الوقت ذاته تذكرت طريقة جيدة لزيادة الثقافة وهي الجلوس مع المختصين والنقاش معهم حول موضوع أو قضية ما في مجالهم، حيث جربت ذلك بنفسي، فكانت النتائج رائعة

السلام عليكم

بدأت من جديد بمتابعة بعض المواقع العربية المفيدة على شبكة الإنترنت

هل يمكنك مشاركتهم من فضلك ؟

لا أعرف "الإنترنت العربي" جيدًا. يوجد عدة مواقع أخبار كالجزيرة، ولكن لم أجد الكثير من المواقع مثل Quora أو Reddit (وجدت حسوب) ولم أجد منتدى يعجبني كثيرًا بعد.

أبحث عن مواقع يتكلمون فيها الأشخاص (مثل حسوب)، فهل تستطيعون أنت يا أخي والآخرون مشاركة المواقع المشهورة عند العرب، أو المفيدة، أو مواقع من نوع مختلف تحبونها…؟

أشكركم!!!

وعليكم السلام

بالإضافة إلى المواقع التي ذكرتها سابقاً:

-موقع اكتب للتدوين

-موقع ناقش

وإذا أردت التعلم بشكل مجاني من خلال الإنترنت في مجالات مختلفة عن طريق مجموعة من الدورات هناك عدة مواقع عربية تساعدك على ذلك:

-منصة إدراك

-منصة رواق 

منصة زادي للعلم الشرعي

وأخيراً موقع TED بالترجمة العربية -الذي تعرفت عليه مبكراً- وهو موقع لا يوصف لدرجة أنني قللت من متابعة المواقع الأخرى لكي أشاهد محاضراته الشيقة والمميزة، وأنا أنصحك به بشدة

شكرًا جزيلًا. عليّ أن أنشأ موضوعًا جديدًا لطلب المزيد من المواقع، فهل يعرف أحد المجتمع الأفضل لذلك؟

اقترح ان تنشيء موضوعاً مستقلاً لإستعراض اهم المواقع المفيدة ، في مجتمع ( مواقع مفيدة ) ، أو مجتمع ( الثقافة العامة ) ، حتى تعم الافادة ..

أتفق معك بشدة حول شراء الكتب الرخيصة، أنا أيضًا غالبًا ما أفضّل القراءة للشباب الصاعدين في الكتابة كـليلى الموسى (حسبما أذكر) والتي لديها كتابان فقط أبهرني أحدهما بروعة أدبيّاته. أما كتب الـMainstream فأتركها حتى لا يبقى لدي شيء لقراءته سواها، خصوصًا كتب بعض المجتمعات كالمجتمع القرائي المصري الذي مع الأسف غالبًا ما يركّز على كاتبٍ واحد أو كتاب لفترة ثم ينتقل للذي بعده (والذي قد يكون أسوأ أو أفضل) من أحمد خالد توفيق إلى أحمد مراد ومن الفيل الأزرق إلى هيبتا، تجد مئات الانتقادات وأضعاف ذلك من مرات الشراء على نحوٍ غريب.

أرى أن الأفلام لا تشكّل مدخلًا إلى العلم، لكنّها تحضير لطيف للنظريات المعقدة ونوعًا ما هي أمثلة تتذكرها أثناء قراءة كتابٍ حقيقي.

لدي قانونٌ يصعب علي النوم بدون تطبيقه، محاضرة-ثلاث محاضرات TED قبل النوم.

لا أحب أغلب الأفلام الوثائقية فهي عادة Out-dated وخصوصًا التي تكون عن الأسرار، فأشعر بأن كميّةً كبيرة من المعلومات قد اختصرت أو استثنيت.

قال أبي لي مرةً بأن الثقافة الحقيقية لا تبنى من تصفح جريدة علمية خلال خمسة دقائق أو قراءة مقالة مختصرة من موقع إلكتروني، هذه "طراطيش" ثقافة فقط. واليوم قبل قراءة مساهمتك هذه كنت أناقشه حول فلسفة المعرفة فقال لي بأن الثقافة الآن أصبحت سهلة الوصول وبضغطة زر يصبح الجاهل عالمًا، لكن الفائز اليوم هو من يعي ثقافته ويطبقها ويستفيد منها فعليًا.

متفق معك في كل ماذكرته زيد ، بإستثناء الوثائقيات .. اعتقد ان الوثائقيات مدخل شديد الأهمية لنواحي ثقافية ربما من الصعب حتى الوصول لها عبر الكتب .. وثائقي ( عبر الثقب الدودي ) مثلاً الذي يذاع بشكل مستمر على Science discovery ، أعتبـره واحد من أكثر الوثائقيات العلمية التي ساهمت في بناء ثقافتي العلمية بشكل كبير جداً ، أعتقد انه كان من الصعب جداً أن أصل له من خلال قراءات متخصصة لمقالات .. وربما ستكون مملة أيضاً ..

بالمناسبة، غالبًا ما أسمع في مجتمعات القراءة المصرية ونواديها اسم "سور الأزبكية" وأسماء أخرى، هل تعرف ما هو؟ وهل ذهبت إليه؟

نعم ، سور الازبكيـة كنز حقيقي لأي محب للقراءة في مصر .. تجد فيه مجلدات ضخمة لأشهر الكتاب العالميين ، وروايات وكتب شديدة التأثيـر بأسعار زهيدة جداً لا تكاد تُصدّق .. هو سوق لبيع الكتب المستعملة والقديمة بالأساس ، معظمها تكون بحالة جيّدة جداً ..

ولكن - كأي شيء في مصر - له طابع مركزي متعلق بالعاصمة القاهرة .. في مدينتي يوجد سوق موازي لبيع الكتب المستعملة اسمه النبي دانيال ، ولكنه ليس بقوة وانتشار سور الازبكية ..

سمعت بسوق النبي دانيال أيضًا، وهنالك أسواقٌ أخرى أعرفها في مصر والعراق، ليتني أجد واحدًا كهذا بالقرب منّي، في كامل الرياض لا توجد إلا مكتبة واحدة لبيع الكتب (بعدة فروع).

تقصد جرير ؟

ماذا عن العبيكان والرشد

العبيكان بعيدة عني أما الرشد فلم أسمع بهذا الاسم من قبل، ولطالما بحثت عن مكتباتٍ جيّدة ولم أجد، كما أن العبيكان أغلب كتبها لا تعجبني.

المكتبة التراثية قد تكون ما تبحث عنه ..

قال ابن رجب رحمه الله رحمة واسعة :

” فالعلم النافع من هذه العلوم كلها:

ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق، والمعارف وغير ذلك.

والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أوّلا.

ثمّ الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانياً.

وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشُغْلٌ لمن بالعلم النافع عُنِي واشتَغَل.

ومن وقف على هذا وأخلص القصد فيه لوجه الله عز وجل واستعان عليه‎؛ أعانه وهداه، ووفقه وسدده، وفهّمه وألهمه، وحينئذٍ يثمر له هذا العلم ثمرته الخاصة به، وهي خشية الله، كما قال عزوجل: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}…

وسبب ذلك أن هذا العلم النافع يدل على أمرين:

أحدهما: على معرفة اللَه وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الباهرة. وذلك يستلزم إجلاله، وإعظامه، وخشيته، ومهابته، ومحبته، ورجاءه، والتوكل عليه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه.

والأمر الثاني: المعرفة بما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه؛ من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال، فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما فيه محبة اللَه ورضاه والتباعد عما يكرهه ويسخطه:

فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا فهو علم نافع، فمتى كان العلم نافعاً ووقر في القلب فقد خشع القلب للَّه وانكسر له. وذل هيبة وإجلالا وخشية ومحبة وتعظيما. ومتى خشع القلب للَّه وذل وانكسر له قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا وشبعت به فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا…

فالشأن في أن العبد يكون بينه وبين ربه معرفة خاصة بقلبه؛ بحيث يجده قريباً منه، يستأنس به في خلوته، ويجد حلاوة ذكره ودعائه ومناجاته وخدمته. ولا يجد ذلك إلا من أطاعه في سره وعلانيته. كما قيل لوهيب بن الورد: يجد حلاوة الطاعة من عصى؟ قال: لا، ولا من هم. ومتى وجد العبد هذا فقد عرف ربه وصار بينه وبينه معرفة خاصة، فإذا سأله أعطاه، وإذا دعاه أجابه …

فالعلم النافع ما عرف به العبد ربه، ودل عليه حتى عرف ربه ووحده وأنس به واستحى من قربه، وعبده كأنه يراه…

ومن فاته هذا العلم النافع وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي صلي الله عليه وسلم: وصار علمه وبالا وحجة عليه، فلم ينتفع به؛ لأنه لم يخشع قلبه لربه. ولم تشبع نفسه من الدنيا بل ازداد عليها حرصاً ولها طلباً. ولم يُسمع دعاؤه لعدم امتثاله لأوامر ربه. وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه…

وعلامة هذا العلم الذي لا ينفع أن يكسب صاحبه الزهو والفخر والخيلاء وطلب العلو والرفعة في الدنيا، والمنافسة فيها، وطلب مباهاة العلماء، ومماراة السفهاء، وصرف وجوه الناس إليه، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن من طلب العلم لذلك فالنار النار.

وربما ادعى بعض أصحاب هذه العلوم معرفة الله وطلبه، والأعراض عما سواه وليس غرضهم بذلك إلا طلب التقدم في قلوب الناس من الملوك وغيرهم، وإحسان ظنهم بهم وكثرة اتباعهم. والتعاظم بذلك على الناس…

ومن علامات ذلك عدم قبول الحق والانقياد إليه، والتكبر على من يقول الحق خصوصاً إن كان دونهم في أعين الناس، والإصرار على الباطل خشية تفرق قلوب الناس عنهم بإظهار الرجوع إلى الحق …

ومن علامات أهل العلم النافع: أنهم لا يرون لأنفسهم حالا ولا مقاما، ويكرهون بقلوبهم التزكية والمدح، ولا يتكبرون على أحد، قال الحسن: إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه المواظب على عبادة ربه …

ومن علامات العلم النافع: أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وأعظمها الرئاسة والشهرة والمدح فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العلم النافع.

فإذا وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته بحيث أنه يخشى أن يكون مكراً واستدراجاً كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته.

ومن علامات العلم النافع: أن صاحبه لا يدعى العلم، ولا يفخر به على أحد، ولا ينسب غيره إلى الجهل إلا من خالف السنة وأهلها فإنه يتكلم فيه غضباً للَّه لا غضباً لنفسه ولا قصداً لرفعتها على أحد.

وأما من علمه غير نافع فليس له شغل سوى التكبر بعلمه على الناس وإظهار فضل علمه عليهم ونسبتهم إلى الجهل وتَنَقُّصهم ليرتفع بذلك عليهم وهذا من أقبح الخصال وأرداها…

وأهل العلم النافع : يسيئون الظن بأنفسهم، ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء ويقرون بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف عليهم وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها …

ومن علمه غير نافع إذا رأى لنفسه فضلا على من تقدمه في المقال وتشقق الكلام ظن لنفسه عليهم فضلا في العلوم أو الدرجة عند اللَه لفضل خص به عمن سبق فاحتقر من تقدمه واجترأ عليه بقلة العلم ولا يعلم المسكين أن قلة كلام من سلف إنما كان ورعا وخشية للَّه، ولو أراد الكلام وإطالته لما عجز عن ذلك…

فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام وكثرة الجدال والخصام والزيادة في البيان على مقدار الحاجة لم يكن عياً ولا جهلا ولا قصوراً وإنما كان ورعا وخشية للَّه واشتغالا عما لا ينفع بما ينفع …

فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يُقذف في القلب يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد.

وكانت خطب النبي صلى الله عليه وسلم قصداً. وكان يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه وقال (( إن من البيان سحراً )) وإنما قاله في ذم ذلك لا مدحاً له كما ظن ذلك من ظنه ومن تأمل سياق ألفاظ الحديث قطع بذلك وفي الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً (( أن اللَه ليبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها )) وفي المعنى أحاديث كثيرة مرفوعة وموقوفة على عمر وسعد وابن مسعود وعائشة وغيرهم من الصحابة فيجب أن يعتقد أنه ليس كل من كثر بسطة للقول وكلامه في العلم كان أعلم ممن ليس كذلك.

وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين انه أعلم ممن تقدم.

قال ابن مسعود: إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه.

فمن كثر علمه وقل قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم.

والسلف أقل الناس كلاماً وتوسعاً في العلوم، لكن علمهم علم نافع في قلوبهم ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك. وهذا هو الفقه والعلم النافع فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثوراً عن الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ينتهي إلى أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم الذين سميناهم فيما سبق [كابن المبارك، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، واسحق، وأبي عبيد، ونحوهم].

فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم، مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه، إلا أن يكون شرحاً لكلام يتعلق من كلامهم.

وأما ما كان مخالفاً لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعة فيه. وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة.

فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة مالا يهتدى إليه من بعدهم ولا يلم يه.

فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم.

قال الأوزاعي: العلم ما جاء به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما كان غير ذلك فليس بعلم.

وفي زماننا يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم وهو أشد مخالفة لها لشذوذه عن الأئمة وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو يأخذ مالم يأخذ به الأئمة من قبله.

وفي الجملة ففي هذه الأزمان الفاسدة إما أن يرضى الإنسان لنفسه أن يكون عالماً عند اللَه ولا يرضى إلا بأن يكون عند أهل الزمان عالماً. فإن رضي بالأول فليكتف بعلم اللَه فيه. ومن كان بينه وبين اللَه معرفة اكتفى بمعرفة اللَه إياه: ومن لم يرض إلا بأن يكون عالماً عند الناس دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: ((من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه؛ فليتبوأ مقعده من النار)).

فنسأل اللَه تعالى علماً نافعاً، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع، اللهم إنّا نعوذ بك من هؤلاء الأربع.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

ببعض التصرف من رسالته : “فضل علم السلف على علم الخلف”

https://www.sahab.net/home/...

جزاك الله خير الجزاء

هل لي أن أسأل اين الثقافة الإسلامية من كل هذا ؟

المشكلة أننا حصرنا في الإسلام في الشعائر التعبدية فقط ! الإسلام أكثر من ذلك..

جرب قراءة تاريخ الإسلام (كتاب البداية و النهاية لابن كثير مثلا)، سيرة أعظم رجل في التاريخ محمد صلى الله عليه و سلم، فضلا عن أن معرفته واجب عليك فأنت لا شك ستستفيد من عدة جوانب "موسوعية" في الأخلاق الآداب الحكمة...

لا داعي لأن نتنكر لديننا القويم و أدبنا العربي الراقي فما عند الغرب في النهاية لا يناسبنا..

موضوع رائع كالعادة ... عندي بعض الاستفسارات لو سمحت:

١) ما هي نصيحتك لمن يقرء شيئاً ثم ينسي بعد ذلك أغلب ما قرئه فيشعر حينها بأن الوقت الذي أمضاه في القراءة قد ذهب سدي؟

٢) ما هو المصدر الذي تحصل منه علي ثلاث وثائقيات كل إسبوع؟

شكراً جزيلاً

سجلت في حسوب فقط من اجل متابعة موضوعاتك الذهبية . و حقا أنا سعيد لذلك .

جزاك الله كل خير .

و الله تستحق أن أقوم ليلة ادعي لك الله فيها بالسداد و التوفيق و النجاح و الطمأنينة .

حروفك غيرت طريقة تفكيري بالمعنى الحرفي .

سعيد جدا لوجود أشخاص مثلك في عالم عربي فقد عذريته من الحروب و الجهل و المأسي .

أرجو الله من كل قلبي و جوارحي أن يرزقك قصرا في الفردوس الأعلى .

و أرجو منك أن تستمر بالكتابة الى أخر نفس لك :D

بالتوفيق :)

والله ياصديقي اخجلتني ، شكراً جزيلاً لا أستطيع أن أرد ولو بكلمة لكل هذا الإطراء ، سوى أنني أتمنى ان أكون ربع ما ذكرت..

سعيد بوجودك في مجتمع حسوب ، أعتقد أنك سوف تستفيد كثيراً جداً من الموضوعات المثارة ان شاء الله ، كما أستفيد أنا .. هنا المناقشات أكثر حرفية من مناقشات وسائل التواصل الاجتماعي ، وحتى التعليقات على المقالات التقليدية.. كما انها اسهل وأكثر تركيزاً كما ذكـرت لك ، أتمنى أن أرى مساهماتك أيضاً في القريب

الثقافه فعلا هي شيء نحتاجه يوميًّا كالاكسجين بالضبط وشعب بلا ثقافه تجره التيارات المعادية أنّى شائت، وفقك الله اخي الكريم وزادك من فضله.

شكرًا جزيلًا ! في أغلب الأحيان أدخل حسوب لأقرأ ما تكتبه فقط! :)

شكراً لك أنت يادكتور فرزت .. مقالاتك العلميّـة جزء من تكوين ثقافتي أيضاً لأنها دقيقة ومتخصصة وسهلة.. اتمنى أن تشارك بها بشكل مستمر هنا في حسوب أيضاً لتعم الإفادة :)

راقني موضوعك و هذا أول تعليق لي حقا لديك العديد من القدرات حسب اطلاعي على حسابك , أتمنى لك التوفيق أخي

أرجو منك ذكر اسم الفلم الوثائقي الذي يتحدث عن قصة أوليفر كرومويل و ثورته على الملكية في بريطانيا

ممكن تعطيني احسن اشارات مرجعية موجودا عندك او التي تفضلها بس تكون بل لغة العربية لاني الا أتقن أنكليزية