العشب المحرم


التعليقات

القوانين أداة قوية جداً: كنت أشاهد فيلم آل كابون منذ أيام، وكان الشرطي يسعى وراء المجرمين بكل قوته لأنهم يستوردون الخمور في أوقات حظر الكحول، وبعد أن قتل الشرطي مجرمين، وقتل مجرمين أكثر من شرطي وفي نهاية الفيلم سأل صحفي الشرطي أنه سمع أنه سيتم إلغاء قانون حظر الكحول فماذا سيفعل، وأجاب الشرطي: سأشرب كأساً..

هذا يوضح أن كل هذه الحماية للقوانين والمجهود من أجلها ومن ضحى بحياته من أجل تطبيقه، يمكن أن تتغير معادلة كل ذلك ليذهب هباءاً في عدة ثوان.

شكرا على الإضافة،

أنا لم أشاهد الفيلم، لكن لدي معلومة الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة ما سنّت قانون الحظر ، فمُنِع تصنيع وبيع ونقل الكحول قانونيًا. لكنه لم يُلغِ الطلب عليه، بل دفع الناس إلى تصنيع الخمور سرًا، كثير منها كان مُعدا بطرق بدائية أو باستخدام كحول صناعي مضاف إليه مواد سامة. فانتشرت حالات التسمّم وازدادت الوفيات، وازدهرت السوق السوداء وسيطرت الجريمة المنظمة على تجارة الكحول. لكن جرى إلغاؤه لاحقا.

قد يكون هذا القانون أحد الامثلة الحية على أن التشريع دون فهم الواقع الاجتماعي ينتج آثارًا عكسية،

بالرجوع إلى الشرطي فقد كان يؤدي مهمته التي أقسم عليها في اليوم الأول الذي وقع فيه عقد توظيفه، ما يلزمه بتطبيق جميع الأوامر مادام في منصبه لانفاذ القانون حتى ولو لم يكن مقتنع بها.

تخيل أن تضيع وقتك وجهدك من أجل هدف ثبت خطؤه في النهاية، أن تسير وفق نظام لاأنت قادر على مواكبته أو الخروج منه، مضطر للعيش وفق معاييره.

بتطبيق جميع الأوامر مادام في منصبه لانفاذ القانون حتى ولو لم يكن مقتنع بها.

هذا خطير بحد ذاته لأن القوانين يمكن أن تتغير في يوم وليلة، وتوقيع الشرطي على ميثاق وظيفة لن يرجع له أصدقائه الذين فقدهم في سبيل تطبيق قانون يتغير بجرة قلم.

قوة القانون يمكن أن تجعل شخص مجرم في لحظة، ويمكن أن تجعله بريء في لحظة تليها.

وهذا يعيدنا إلى نقطة، من سيدفع الثمن، سألنا قبلا الراعي، يمكنك الآن سؤال مجرمي الحروب الذين يقدمون كأبطال وتبنى لهم النصب، ولا تتم محاكمتهم لأن القوانين الحالية لن تمسهم لأنهم قاموا بذلك قبل أن تسن.

المدنيون ،منفذو القانون، حياتهم مختلفة عن بعض، السلطة قد تظهر أسوأ ما فيك. خصوصا إذا أردت نتائج فورية.

كل من المدنيين ومنفذي القانون يدفعون الثمن في لعبة الكر والفر التي يقومون بها، لكن في النهاية لا أعتقد أن هناك مجتمع يستطيع الاستغناء عن القانون رغم العوار الذي فيه، ولا يستطيع مجتمع التخلي عن منفذي القانون.

هذه حقيقة، كلما كبر المجتمع زاد تعقيده ووجب وضع ألية تحكم علاقات أفراده فيما بعض، لذا تجد العديد من أنظمة الحكم الي نشأت من هذالمنطلق والتي فوضت السلطة لأشخاص محددين، أو أن هؤلاء الأشخاص حصلو عليها عنوة. فحتى عدم وجود قانون هو قانون في حد ذاته.

الأمر لا يكون دائما مجرد سلطة تفرض نفسها بل محاولة حقيقية لحماية مجتمع كامل من الانهيار. بعد الإبادة في رواندا مثلًا عاش الناس في خوف وتوتر شديد وكان السلاح منتشر جدا في الشوارع كانت شرارة صغيرة كفيلة بأن تشعل البلاد من جديد. لذلك فُرضت قوانين شديدة ومنع صارم لأي خطاب يمكن أن يعيد الكراهية ليس لأن الدولة كانت تبحث عن السيطرة فقط بل لأن المجتمع كان هش لدرجة أن أي تساهل قد يعيد المأساة من بدايتها. هذا النوع من القرارات يبدو عنيف أو قاسي لكنه الخيار الوحيد للحفاظ على ما تبقى من الناس.

السلطة كانت لها رؤية، وفرضت التسامح على الوجه الذي بدى لها مناسبا لحظتها.

وأما المبادئ، فلكل مجتمع مرجعية. ومرجعيتنا الدين. فإذا استوردنا نموذجًا غربيًا قائمًا على فصل الدين عن السياسة دون وعي وسياق، سنجد أنفسنا أمام ميكيافيلية جديدة تبرِّر كل شيء في سبيل البقاء في السلطة.

المشكلة التي أراها هي أننا حينما استوردنا قمنا بالترقيع وكما يقول المثل لا طلنا بلح الشام ولا عنب اليمن! حتى في بعض القوانين لا يمكن أو صعب تغييرها لانها تعارض ممن ورثنا منهم التشريعات.


أفكار

مجتمع لتبادل الأفكار والإلهام في مختلف المجالات. ناقش وشارك أفكار جديدة، حلول مبتكرة، والتفكير خارج الصندوق. شارك بمقترحاتك وأسئلتك، وتواصل مع مفكرين آخرين.

91.9 ألف متابع