ثمن السلام: من يدفعه؟ ومن يقرّره؟

يُنظر إلى السلام غالبًا بوصفه حالة مثالية من الاستقرار والسكينة، ولكن ما يغيب عن الأذهان في كثير من الأحيان هو أن هذا السلام، في صورته السياسية أو الاجتماعية، لا يأتي مجانًا. إنه يتطلب ثمنًا يُدفع، ليس بالضرورة بالمال، بل أحيانًا بالكبت أو الإقصاء أو التضحية بمطالب فئة معينة من الناس.

حين ننظر إلى المجتمعات المستقرة، نجد أن هذا الاستقرار لا يعني بالضرورة عدالة شاملة أو مساواة حقيقية، بل قد يكون نتاجًا لتسويات فرضتها القوة. فـ"السلام" الذي يعيشه البعض، قد يكون قائمًا على سكوت قسري للبعض الآخر، تم إخراجهم من المشهد بالقوة أو عبر التهميش المتعمد، لأنهم شكّلوا تهديدًا لرؤية "السلام" التي تتبنّاها الجهة الأقوى في السلطة.

وبالتالي، فإن من يملك القوة هو من يحدد شكل السلام، ويقرر من يدفع ثمنه. وقد يكون هذا "السلام" في ظاهره توافقًا عامًا، لكنه في جوهره قد يخفي ظلماً صامتاً. فالدولة قد تضمن الأمن، لكن على حساب الحريات. وقد تنعم فئة بالطمأنينة، لكن على أنقاض أحلام فئات أخرى.

إن السؤال الحقيقي هنا ليس: هل نحن في سلام؟ بل: من دفع ثمن هذا السلام؟ وهل كان ذلك باختياره أم تحت الإكراه؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

إنها فكرة مؤلمة حقًا. فكرة أن الاستقرار الذي نراه في بعض المجتمعات قد لا يكون إلا غطاءً لبركان من الظلم يغلي في الأعماق. هو سلام ظاهري هش..

من دفع ثمن هذا السلام؟ وهل كان ذلك باختياره أم تحت الإكراه؟

الثمن غال، ولذلك، لا أحد يختاره باختياره، إنما نحن نتجاهل طرح هذا السؤال حتى في علاقاتنا الصغيرة، وهذا ما يزيد الوضع سوءا، اعتبار أننا في سلام فقط لغياب الحرب في محيطنا، بينما السلام الحقيقي هو وجود العدل. وأي شيء آخر هو مجرد تسوية مؤقتة.. لا برضا ولا تضحية.. تسوية.

بينما السلام الحقيقي هو وجود العدل

قد تعتبرالمطالبة بالعدالة تهديدا للأمن القومي

نعم، إنها الحجة الني يستخدمونها للحفاظ على السلم كممتلك خاص لأفراد معينين فقط. وتغيير هذا الوضع لا يتم إلا بالتمرد، بجماعة ثورية لا تحتكم لأي سلطان أو قيادة! تقتحم الحدود بلا هوادة وبلا إذن.

لكن ألا ترى أنه لم يتغير شيء تم ممارسة نفس الاستراتيجه، وستعمل السلطة الحديدثة عل استبعاد أي مظهر للسلطة السابقة وكما نعلم أن التاريخ يكتبه الناجون.أنا لا أحاول أن أضيق على الحل، لكن شئنا أم أبينا هذه سنة الحياة. قد يضحي أحدهم بحياته ليستلم السلطة من لا يفقه فيها شيئا، من استشهد تكتب له نية الكفاح ومن بقي حيا يتحمل مسؤولية التاريخ ، الحاضر والمستقبل. و أن يسلم الأمانة سلميا للجيل القادم.

هي مرحلة إنتقالية من سلم مزيف الى سلم أقل زيفا أو على الاقل يعكس الادوار ويعطي للضحايت السابقين حقهم ويدفع الهائمون في السلم الاول ضريبة تجاهلهم المتعمد لأولئك الضحايا.

لكن لن نستقر في مرحلة مستقرة فيها عدل كامل، لأن العدل الشامل ليس من صفات الدنيا.

 ليس من صفات الدنيا.

وهذا ما يجعلنا في صراع أبدي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فما قد يراه أحدهم الآن سلاما قد يصنف على أنه ديكتاتورية في الجيل الذي بعدنا أو يتمنون عودة دكتاتورهم السابق كونه أقل ضررا لأنه استرجع بعض حقوقهم على حساب حريتهم، فلو تقرأ بعض المذكرات المكتوبة في في القرون الماضية فلن تصنفهم على أنهم بشر أصلا .

لكن شئنا أم أبينا هذه سنة الحياة. قد يضحي أحدهم بحياته ليستلم السلطة من لا يفقه فيها شيئا، من استشهد تكتب له نية الكفاح ومن بقي حيا يتحمل مسؤولية التاريخ ، الحاضر والمستقبل. و أن يسلم الأمانة سلميا للجيل القادم

حينها إما أن نكون شهداء أدينا ما علينا، أو شهودا على حقبة جديدة (الله أعلم بحالها)

لكن في كل الاحوال، المحاولة شرف، والرذوخ المستمر ذل أكثر سوءا من الوضع الجديد حتى في حال لم يكن كما نحب.

إضافة لكوننا بصراحة وصلنا شبه القاع.. فاي وضع أسوء من هذا سيأتي لا أعرف

نمشي فوق الشوك بحثا عى بقعة أقل ضررا، ونحمل معنا تاريخنا وحاضرنا، ونلفه بطبقة أخرى، لا من باب تأليهه، بل من باب حمايته من النسيان مع بناء أصراح تغرس جذور ما صنعناه بعيدا عن صناعة الأوثان، اولتي تظهر بعد نجاح كل ثورة إما بتقديس الأموات أو محاولة تقديس السلطة الحالية. المحاولة هي أقل ما يقال. محاولة البقاء ثابتا رغم الخيانة، محاولة حماية أنفسنا ومن يستحق، محاولة حل سوء الفهم ومحاولة فهم أنفسنا في ضل التعتيم الاعلامي.

كلامك رائع ومثير للتفكير وأرى أن السلام غالبًا ليس مجانيًا. ثمنه يُدفع بصمت من فئات معينة من الناس سواء بالكبت أو التهميش أو التضحية بحقوقهم القوة هي من تحدد شكل السلام فتضمن الاستقرار لفئة وتفرض القيود على أخرى. لذلك السلام في كثير من الأحيان ليس حالة عدالة شاملة بل اتفاق ظاهر يغطي على ظلَم صامت

في أحيان كثيرة، ما يبدو ثمنًا للسلام قد يكون هو الثمن الطبيعي للتعايش التنازلات المتبادلة، التغاضي عن بعض التفاصيل، والبحث عن أرضية مشتركة تسمح باستمرار الحياة اليومية.بمعنى آخر ليس كل تقييد أو تضحية بالحقوق هو ظلم بالضرورة، أحيانًا يكون توازنًا اجتماعيًا هشًا يفضله الناس على فوضى الصراع. قد يقبل البعض التنازل عن أقصى مطالبه بإرادته، لأنه يرى أن الاستقرار طويل الأمد أهم من مكاسب آنية.

التنازلات المتبادلة، التغاضي عن بعض التفاصيل، والبحث عن أرضية مشتركة
الاستقرار طويل الأمد أهم من مكاسب آنية.

التنازلات في حد ذاتها غير عادلة من يقدمها ومن يستفيد منها وماذا يحددها، متوسط أعمارنا لا يكاد يتجاوز 70 سنة، وغالبية البشر مجرد أرقام تأثيرهم الفردي ضئيل وتأثيرهم الجمعوي لا يتجاوز القالب الذي وضعو فيه، وكلما تغاضينا على الخطأ أصبح هو الحقيقة، هناك من يطالب بالصبر وهناك من يطالب بالتغيير ، الطرف الأول يسترضي الطبقة الحاكمة والثاني يبحث عن الحكم، نفس الهدف لكن الطرق مختلفة، وكلما حدث خلل يتقاذفون التهم فيما بينهم ومن يمسكك زمام الأمور يتهم الآخر بالإرهاب، لا يمكننا التكهن بالأوضاع السياسية فلا توجد قوانين ثابتة تحكمها.

من كان يتوقع أن سوريا ستدخل في حرب لسنوات طويلة لأن أحدهم ضن أن الكرسي حق مشروط ومن كان يعتقد أن النظام السابق سيسقط فجأة أو هذا فقط ما تم ايصاله لنا، أغلب الشعوب العربية كانت تضع قضية غزة في جميع ملفاتها، لكن الآن القليل مازال متمسك وآخرون يعربون عن قلقهم وجيران يغلقون الحدود باسم الأمن القومي واتفاقيات تنسج منذ أعوام وشعوب نائمة.

ما يظهره النظام الحاكم مهما كانت طبيعة الحكم ليس هو الحقيقة بل ما يجب عليك تصديقه أو مفروض عليك ولا تعجب عندما يخرج أحدهم من رحم نظام ليدافع عن منظومة أو ينتقدها فقط لأن معياره الوحيد هو النفعية.

سلام آني أتفق معك طويل الأمد لا أعتقد ذلك بمتوسط أعمارنا الطبيعية ممكن، لا تقوم الحضارة إلا بالعدل ولا تدوم إلا بوجود آليات تحميه، لا أن تسن القوانين طبقيا.

ثمن السلام غالبًا ما يُدفع بصمت، من طرف من لا صوت لهم في صنع القرار. البعض يختار الصمت حفاظًا على حياته أو أمنه، بينما يُجبر آخرون على قبول واقع لا يختارونه. وهكذا، يتحوّل السلام الظاهر إلى مزيج من التنازلات القسرية والخضوع، بينما العدالة تبقى حلمًا مؤجّلًا

كلمة العدالة أصبحت شبحا هائما مخيف فقدت جوهرها منذ زمن، التجاهل أصبح هو الحل حتى ولو تعرض أحدهم للاعتداء وجب عليه طلب الصفح، يأخذ حقه بيده يحاكم بتهمة خرق القانون، يقدم شكوى ويتبع القانون وسيكون كمن يفاوض نمرا وعنقه داخل فمه، يطلب الدعم ممن يشاركونه نفس الأفكار في محاولة لنشر الحقيقة ليُتهم بتهديد الأمن القومي يتقدم مع ذات المجموعة ليتجد نفسه وحده فقد وجد عدوه أو ما يعرف حاليا بالسلطة نقاط ضعف الجميع ولنقل بصدق هو من صنعها إنها معلوماتك وتحركاتك ليست من أجل خدمتك بل للحفاظ على نفوذهم منذ أن تولد وأنت تقدم تنازلات وتتم قولبتك وحين تبلغ تطالب باحترام قوانين وضعية لم تكن جزءا من صناعتها تشكلت عبر عقود من التنازلات.

إذن، ما هي العدلة أصلا؟

صحيح، ما قلته يفتح جرحًا عميقًا.

العدالة تحولت من قيمة إنسانية أصيلة إلى كلمة فضفاضة تُستعمل لتبرير ما لا يُبرَّر. ربما ليست العدالة هي ما يُطبَّق على الورق ولا ما يُرفع في الشعارات، بل هي ما يشعر به الإنسان في قرارة نفسه حين لا يُظلم، حين يعرف أن صوته مسموع، وأن حقوقه لا تُختزل في قانون صُمِّم ليحمي مصالح الأقوى.

قد تكون العدالة في جوهرها ميزانًا داخليًا، يذكّرنا بأن الحق ليس ما تفرضه السلطة، بل ما يُنصف الإنسان مهما كان ضعيفًا. لكنها في واقعنا صارت حلمًا بعيدًا، أو كما قلتَ: شبحًا يطاردنا أكثر مما يحمينا.

إذن، ربما السؤال الأهم ليس "ما هي العدالة؟" بل: هل يمكننا إعادة المعنى إليها وسط هذا الركام من التنازلات؟

في قانون صُمِّم ليحمي مصالح الأقوى.

علينا فهم واقعنا ودراسته دراسة موضوعية، فما ندرسه في المدرسة وما نراه في الحقيقة لا يتوافقان، هل نبحث عن صوت قوي أم على صدا له، علينا اكتساب القوة لفرض العدالة، لا يمكنك المجابهة إلا أن كنت ندا أو أقوى، مع الاعتماد على مرجعية لا تفرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى.

سؤالك عميق، وطرحك أعمق...

شكل في ذهني سؤال آخر...

هل الظلم ضرورة للسلام؟خصوصا في الدولة الواحدة.

إلا يمكن صياغته بالقوانين، وتوفير الخدمات، وحماية الحقوق والحريات، وصيانة المبادئ والقيم؟

حرّم الله الظلم على نفسه وجعله محرّمًا بين الناس، وجعل للخلق جنة ونارًا.

ولعلّك سمعت بقولهم: "أضربك لمصلحتك". اسأل راعي الغنم: يبدأ بالعصا مقرونة بصوتٍ معيّن، ثم يكفي الصوت وحده لضبط القطيع. لكن حين تخرج شاة عن النظام ولا تستجيب، يضطر الراعي إلى الشدة، لا لمصلحتها، بل لأنها خالفت النظام الذي يريحه. وإن كثر القطيع استعان بالكلاب لضبطه.

الراعي بحاجة للغنم لأنها رزقه، والغنم بحاجة لحمايته. لكن حين ترى شاة مرعىً تظنه حقًا لها بالرغم من أن حدود مرعاها كافية، فإن مالكها يَحرمها منه لأنه لغيره وسيتحمل عواقب أي ضرر. وفي عالم الحيوان قد يلجأ للضرب، أما في عالم الإنسان فهناك أدوات السلطة: من التنبيه إلى السجن، بحسب ما تراه مناسبًا. وقد يستعين الراعي بـ“كلاب” لا يعلم ماذا تفعل في غيابه لفرض النظام ، وقد يكون شريكا في الأذى لأنه غض الطرف؛ فخبرته في “الحراسة” متوارثة، وفقد يشدد الحراسة علي الغنم ويضطر للعنف بمبرر أو لا وقد يذبح شاةً يراها مزعجة ليريح نفسه.

هنا تطرح الأسئلة: على أي أساس تُسنّ القوانين وتطبق؟ كيف تُقدّم الخدمات؟ وكيف تُحمى الحقوق والحريات؟ وهل تُصان المبادئ أم أمها تُستخدم كشعارات لحماية أصحاب القرار؟

حتى لو صيغت القوانين، تجد الاستثناءات التي تحمي المشرّع وتمنح فئاتٍ معيّنة امتيازات. وأما الخدمات، فتنخفض جودتها كلما ابتعدت عن مركز الحكم، وإن وُجدت فآلية رفع الانشغالات وتنفيذها تبقى محل تنازع.

الحقوق التي يكفلها القانون كثيرًا ما تُنتَهك في التطبيق. وأما المبادئ والقيم، فغالبًا ما تُستغل في الخطاب السياسي، وتُعلَّق حين تتعارض مع المصالح. كلنا يعرف أضرار المسكرات والتدخين، لكنها تُقدَّم كـحقوق مستندة إلى منظومات قيمية مستوردة.

يمكنك المطالبة بأي قانون، لكن الإشكال في كيفية سنّه وآليات تطبيقه. فإذا تملص أهل المبادئ عن مسؤولياتهم، فلمن تبقى السلطة؟

عند سنّ أو تعديل أي قانون، لا بد من مرجعية واحدة يقبلها الناس، وفي حالتنا: الدستور. فالقانون يمسّ حياة الأفراد مباشرة، كما أن تغييره يرتبط بظروف البلد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. لا يمكننا استنساخ سياسات نجحت في دول أخرى.

وقد تملك الدولة الثروات لكنها تعجز عن تقديم الخدمات بسبب سوء استغلالها، أو بسبب مؤسسات ترفض التعاون، أو أطراف تستفيد من العقود الخارجية على حساب المؤسسات المحلية والعمالة المحلية لا بحث عن عالم مثالي هذه الحياة.

المشكلة ليست في النصوص بل في التطبيق. قد تجد حرية التعبير مكفولة في الدستور، لكن القوانين تحصرها في كلمات لا تتجاوز "نهجا معينا". ويختلف تطبيق القانون على الناس باختلاف نفوذهم.

أما المبادئ، فكل مجتمع له مرجعيته، ومرجعيتنا الدين. فإذا اتبعنا النموذج الغربي القائم على فصل الدين عن السياسة دون وعي، تقدمت مبادئ ميكيافيلية تُبرّر كل شيء من أجل السلطة.