لماذا أصبح الاحترام ضريبة يدفعها الضعفاء؟

منذ صغرنا ونحن نُلقن أن الاحترام يفتح الأبواب المغلقة، لكن الواقع اليوم يخبرنا أن الاحترام قد يُغلق في وجهك باب حقك، ويجعلك تبدو في نظر الكثيرين 'صيداً سهلاً' أو شخصاً يفتقر للجرأة. هل لاحظتم أن الشخص الفج، العالي الصوت، الذي يتجاوز الحدود، هو من يُحسب له ألف حساب، بينما يُترك الشخص المهذب في آخر الطابور؟

المشكلة ليست في الاحترام كقيمة، بل في سيكولوجية الاستحقاق لدى الطرف الآخر. في بيئات العمل، في الشارع، وحتى في العلاقات الشخصية، أصبح الأدب يُفسر على أنه ضعف إمكانات أو خوف من المواجهة. وكأننا نعيش في حقبة فرض السطوة، حيث يتم تقييم الإنسان بناءً على قدرته على إزعاج الآخرين، لا على رقيه في التعامل معهم.

ذات مرة، في أحد الاجتماعات المهنية المهمة، كان هناك شخص يقاطع الجميع بصوتٍ عالٍ، يلقي بكلمات حادة، ويفرض رأيه بأسلوب يخلو من أي لياقة. في المقابل، كنتُ ألتزم بالهدوء، أنتظر دوري في الحديث، وأخاطب الحضور بـ يا فندم و لو سمحتم.

بعد الاجتماع، اقترب مني أحد الزملاء (الذي أثق برأيه) وقال لي جملة صادمة لم أنسها: أدبك الزائد جعلهم يشعرون أنك موافقة على كل ما قيل، أو أنك لا تملك حجة قوية لترد بها. في هذه الغرفة، احترامك للآخرين كان يبدو كأنه اعتذار عن وجودك

في تلك اللحظة، شعرت بمرارة شديدة. هل فعلاً تحول أرقى ما أملك إلى نقطة ضعف؟ هل يجب عليّ أن أستعير قناع الفجاجة لكي يُسمع صوتي؟

هذا الموقف جعلني أتساءل: لماذا يضطر الإنسان السويّ للاختيار بين أن يكون محترماً ومهمشاً" أو فظاً ومسموعاً ؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

المشكلة ان الاشخاص ذو الحضور الفظ يرون فعلا ان الشخص الذي يلتزم بالهدوء المبالغ فيه وينتظر دوره هو الذي يمنحه فرصة لتجاوزه. لعل هناك طريقة للموازنة بين الرقي وبين الشراسة الفكرية المطلوبة في بيئات العمل التنافسية.

​اتفهم مرارة الشعور بأن الاحترام نقطة ضعف، لكن احيانا يحدث خلط بين الأدب وبين التنازل عن الحقوق، والواقع يثبت أن من يحترم نفسه أولاً ويفرض حدوده بصرامة لا يمكن تهميشه مهما كان مهذباً، لان الانتظار السلبي في آخر الطابور هو قرار شخصي في النهاية.

بالنسبة لي على الإنسان التصرف بأدبه لكن في ذات الوقت يكون للأدب وجهان، لين مع من يشبهه وفي مثل أدبه، وحِدّة مع سيّء الأدب حتى يلزم حدّه!

وبرأيي لا يهم إحترام المستمع إن كان يهمّش المحترم ويسمع الفظ؛ لأنه بذلك لا يستحق أدب المتحدّث!

بالضبط، أن أكون محترمًا مع المحترم، وأن أضع الشخص الغير محترم في مكانه الصحيح، لكن التحدي سيكون في فعل ذلك دون الانحدار لمستواه السيء من السب والإهانة، لأن من يعيش بتلك العقلية يكون تصوره عن القوة هي أنها أخذ الحق بالذراع وبالصوت العالي وقلة الأدب، فإذا استطعنا كسر شوكته مع حفاظنا على أخلاقنا قد يكون ذلك درسًا له أيضًا.

كما يجب علينا أن نزن المواقف والأمور بعقل ونعرف متى يجب علينا الصمت ومتى يجب علينا التحدث بقوة أو بصوت عال.

اتفق 🧡🧡

صديقي اللي عايش بألمانيا من سنين قال لي شغلة علّقت براسي.

بيقول: إذا بدك تسأل حدا بالشارع هناك، لازم تحكي بصوت واضح وواثق.

مو تزعيق… بس كأنك حاضر فعلًا.

لأنك إذا حكيت بخفوت، كتير مرات ما حدا بيرد.

أول مرة استغرب. قلت يمكن قساوة أو برود.

بس هو ضحك وقال لي:

«مو هيك القصة… هنّي بس ما بيحبوا التخمين. إذا ما كنت واضح، بيحسبوك متردد أو ما بدك تزعج، فبيتركونك لحالك».

بيقول: مرة انتبهت لحالي ورفعت صوتي شوي، بنفس الأدب، فجأة الكل صار يساعد.

نفس الناس، نفس المكان، بس الفرق إني كنت “موجود”.

وختمها بجملة بسيطة:

«هونيك، ما حدا بيهمّشك لأنك ضعيف…

بس لأنك ما فرجيت إنك حاضر».

يُساء فهم الاحترام كثيراً على أنه ضعف، ولا يتمادي الفج قليل الأدب الإ إذا رأي ضعف من أمامه (فإن هذا الفج بذاته قد يكون في مواقع أخرى مستضعف، وفاقد لاحترامه لنفسه).

المحور الأساسي هو الحدود التي يضعها الإنسان لحماية نفسه من هؤلاء، فلما لا يكون الإنسان محترماً - لنفسه أولا ولمن حوله - بينما إذا حاول قليل الادب السطو عليه فيُريه ما يردعه؟