منذ طفولتي وأنا إنسانة خجولة وغير اجتماعية وأجد مشقة كبيرة في المواقف التي تتطلب التحدث أمام الناس أو حضور مناسبة اجتماعية فيها الكثير من البشر... ولكن على الجانب الآخر كنت متفوقة في دراستي، محبة للقراءة والاطلاع ومجتهدة في كل ما أكلف به من عمل... مرت السنوات وكبرت وتخرجت وعملت وتغيرت.... ولكن... لم أتغير بشكل كبير، ما زلت خجولة وغير اجتماعية إلى حد ما ولا أجيد التعبير عن نفسي وعن جهدي بشكل جيد.

تذكرت حالي وأنا أشاهد فيديو وزير النقل وهو يوبخ و يهين مهندسا لم يحسن عرض المشروع وتلعثم أمام الوزير وأمام الجمع الكبير المرافق له... الموقف أحزنني وأثار بداخلي شجونا وذكرني بنفسي.. فأنا أشبه هذا المهندس وأشعر به تماما، وعلى يقين أنه مجتهد وملم بالمشروع الذي هو مسئول عنه بشكل جيد... ذكرني هذا الموقف أيضا بموقف آخر حدث لي في فترة دراستي الثانوية.. سأقصه عليكم لتعرفوا أن هذه الشخصيات المتغطرسة قد تكون غير ذات منصب كبير، وقد يكونون أشخاصا عاديين تماما.

كانت تدرسنا مادة اللغة العربية معلمة حادة الطباع جدا، وكانت غير مشجعة على الإطلاق... وأذكر أن الجزء المتعلق بالتعبير الأدبي(الكتابة) كانت تعتبر من وجهة نظرها أنه لا يوجد من يستحق فيه الدرجة النهائية او حتى درجة مرتفعة؛ فقد كانت دائما تقول (انتم فاكرين نفسكم نجيب محفوظ عشان تاخدوا ١٠ من ١٠ في التعبير!!!!)... كنت أحب اللغة العربية والقراءة وأكتب بأسلوب جيد، ولكن لخجلي كما أخبرتكم لم أكن اتفاعل في الحصص، وبالتالي لست من الطالبات البارزات...ذات يوم طلبت منا هذه المعلمة كتابة نص أدبي عن المرأة وكان تسليم الموضوع بعد أجازة منتصف العام أي أن لدينا الوقت الكافي للكتابة... أعددت للموضوع بشكل جيد ورتبت أفكاري واستشهدت بالآيات الكريمة والأحاديث النبوية وفي النهاية أتممت موضوعا شعرت بالفخر والسعادة به... سلمنا موضوعاتنا وقبل الحصة عرفت من زميلاتي أن درجات الجميع سيئة للغاية تتراوح بين أربع و خمس درجات ومن تفوقت نالت ست درجات، فيما عدا إحدى الطالبات نالت تسع درجات من عشر، لم يخطر ببالي أنها أنا، حتى أخذت كراستي فإذا بالدرجات التسع من نصيبي، وعبرت زميلاتي عن غبطتهن واندهاشهن أن هذه المعلمة منحتني تسع درجات من عشر!!!!. جاءت المعلمة وبدأت الحصة وبالطبع تحدثت عن الموضوعات الرديئة والدرجات المتدنية المستحقة من وجهة نظرها، إلى أن سألت عن صاحبة التسع درجات من تكون... رفعت يدي... علت وجهها الدهشة... أنت؟!... ما اسمك؟!... ثم السؤال الصادم من كتب لك هذا الموضوع؟!!.. قلت: أنا... لم تصدقني وقررت إجراء اختبار لي ... حدثيني عن موضوع كذا... اضطربت بشدة وهربت مني الكلمات... نطقت بجملة فأخذت تتصيد في هذه الجملة الأخطاء النحوية.. ازداد اضطرابي، وازداد شعورها بالزهو وبأنها كانت محقة في نظرتها أن أحدا ما كتب لي هذا الموضوع... ماتت فرحتي بالإنجاز العزيز قبل أن تكتمل، وأصبحت في نظر الجميع سارقة وغير جديرة بهذا التقدير.

على الرغم من مرور زمن طويل على هذا الموقف إلا أنني أتذكره بكل تفاصيله، وتذكرته حين رأيت الموقف العسير لهذا المهندس وشعرت بحرجه وجرح كرامته وإحساسه بالفشل رغم أنه وبكل تأكيد عمل بجد، ولكن خانه الموقف وخانته طباعه الخجولة.