يظن الكثيرون أن الدموع دليل على الحزن، وأن من لا يبكي لا يحب. لكن الحياة تعلمنا أن البكاء ليس دائمًا شعورًا تلقائيًا. أحيانًا يكون أداة يصنعها العقل ليهدي نفسه متنفسًا وسط ضغوط النفس والخوف والفراغ، أحيانًا نبحث لأنفسنا عن سبب لنبكي، حتى لو لم نفهم السبب بالكامل. أحيانًا يكون البكاء إرادة عقلية لتنظيم المشاعر وليس مجرد شعور تلقائي.

ذهبت للعيش مع جدتي بعد حصولي على البكالوريا، ليس اختيارًا بل واجبًا، بعد وفاة جدي وابتعاد أخوالي وخالاتي بسبب الزواج. كانت جدتي مريضة، تحتاج رعاية مستمرة، وكنت أنا وحدي معها. ثلاث سنوات قضيتها في صمت العزلة، حيث كان البيت ساكنًا، والكلمات تتوقف في فمي قبل أن تخرج، والجامعة ابتعدت عني. شعور عميق كان يملأ قلبي، شعور لم أستطع تفسيره، فأخرجه أحيانًا بالبكاء، لكن كل دمعة كنت أطلقها بإرادتي، أجد لنفسي سببًا لأبكي، لأفرغ ما يثقل قلبي، لأعيش مع خوفي الدائم من لحظة لا أرغب في مواجهتها: أن أستيقظ يومًا وأجد جدتي قد رحلت.

وجاء يوم 21 جانفي، يوم تحقق خوفي الأكبر. كانت جدتي مريضة، لكن ليس بيولوجيًا، فالأطباء لم يجدوا شيئًا. فاتصلت بخالتي لتعتني بها، ثم نمنا. استيقظت على صوت خالتي تناديني: “جدتك…” مناديتها لم تجب. شعرت بالخوف وذهبت لأراها لأن خالتي كانت خائفة. عندما أدرت جسدها، رأيت وجهها متجمدًا، فيه بعض تحجر الدم، ولمست رجليها فاحسست بالبرودة. عرفت في اللحظة نفسها أنها ماتت. هدأت خالتي، أخفيت الخبر عن خالاتي وأخوالي وقلت لهم إنها مريضة حتى لا يصدموا. بعد قليل، ومع حضور أخوالي، قمنا بحملها لتغسلها خالاتي، ثم حملناها مع أخوالي إلى الدفن.

الغريب أنني لم أبكِ تلقائيًا، لم أشعر بانهيار عاطفي، كنت أضحك أحيانًا وأصبّر الجميع، بينما داخلي كان مليئًا بسكون غريب وعمق مشاعر لم أرَ لها مظهرًا. لم يكن غياب الدموع دليلًا على أني لم أحبها، بل لأن البكاء طوال السنوات السابقة كان إرادة مني، كنت أستهلك مشاعري قبل اليوم الأخير. تعلمت أن البكاء أحيانًا ليس مجرد شعور، بل اختيار واعٍ، وأن الحب الحقيقي قد يكون صامتًا، أعمق من كل دمعة، يظهر في الصبر، في الحماية، وفي أفعالنا قبل أي انفعال ظاهري.

والآن، أسألكم أيها القراء: هل تعتقدون أن الحب يحتاج دائمًا للدموع ليظهر، أم أن بعض الحب أعمق من كل دمعة؟