من الألم إلى المعنى

لم يكن ألمي حدثًا عابرًا،

بل نتيجة منطقية لتأجيل الذات زمنًا طويلًا.

سادت لديّ قناعة بأن الصبر يحلّ كل شيء،

وأن التغاضي شكل من أشكال الحكمة،

وأن العناية بالآخرين تسبق العناية بالنفس.

غير أن التجربة كشفت لي أن بعض الصبر

ليس فضيلة، بل تأجيلٌ مؤلم لمواجهة الحقيقة.

ما كان أكثر إيلامًا

لم يكن أذى الآخرين وحده،

بل ما سمحتُ به وأنا أُقنع نفسي أنني “أتجاوز”.

تجاوزتُ حدودي بصمت،

حتى أصبح التجاوز عادة،

وأضحى التعب اللغة الوحيدة التي يستخدمها الجسد

ليُلفت الانتباه.

حين بدأ الجسد ينهار،

اتضحت الرسالة التي تجاهلتها طويلًا:

لا أحد يستطيع أن يعيش ضد نفسه

دون أن يدفع الثمن.

المعنى الذي خرجتُ به بسيط وحاسم:

الطيبة لا تعني الاستباحة،

والصبر لا يبرر الصمت الدائم،

ووضع الحدود ليس قسوة،

بل ممارسة واعية لاحترام الذات.

اليوم، لا أسعى إلى تعويض ما فات

ولا إلى تبرير ما حدث،

بل إلى نمط عيش أكثر صدقًا:

أن أستمع إلى الجسد قبل أن يصرخ،

وإلى الشعور قبل أن يتحول إلى ألم،

وأن أختار نفسي دون حاجة إلى تبرير.

إن كان للألم معنى،

فهو هذا الوعي الذي يولد منه؛

وعي يُعيد ترتيب الأولويات،

ويجعل العطاء أصدق،

والتوقف في الوقت المناسب

فعلَ نجاة لا ضعف.

Fatima Zahra sougtani

باحثة في الصحة النفسيةو الإرشاد.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

تأجيل الذات عن قهر واستسلام لرغبات الآخرين هو عين الضعف والظلم للنفس. ولكن لو تأملنا "تأجيل الذات" من زاوية أخرى لوجدناه فضيلة عظيمة.

هناك جار لي مات أبوه وهو صغير، كان هو أكبر أخوته وأخواته، فحمل مسؤولية نفسه وأخوته وأمه، فعمل مبكرا، زوَّج أخواته وسفَّر أخ له وبنى بيتاً للآخر وزوج الآخر، وأنفق عمره من أجل الآخرين.

الآن إذا تحدث عن حياته تحدث بمنتهى الرضا والسعادة، وكأن تأجيل الذات وإنكارها من أجل الآخرين أوصله في النهاية لتحقيق ذاته

أخطر ما في هذا النوع من الصبر الذي وصفتِه، هو أنه يخدعنا بقدسيته؛ فنظن أننا نمارس فضيلة أخلاقية، بينما نحن في الحقيقة نمارس نوعا من الخيانة الصامتة لأنفسنا.

​الجسد هو الكاشف الوحيد الذي لا يجيد المجاملة؛ قد يقنع العقل نفسه بمبررات التضحية والإيثار، لكن الجسد يرسل الفاتورة فورا وبقسوة، معلنا أن رصيد التحمل قد نفد. الوصول لمرحلة وضع الحدود دون شعور بالذنب هو قمة التعافي والنضج النفسي

الكثير من الزوجات وخاصة الامهات تتخلى عن كل شيء فى ىسبيل الأسرة والاولاود تضحى بصحتها وقتها وربما عملها من أجل استقرار الأسرة وعندما يكبر الاولاد ربما لا يكونوا مقدرين بقدر كافة ما فعتله الام لذلك يمكن أن تؤدى واجبها وتجعلهم اولويه ولكن لا تنسي نفسها