لقد تعرفت على الموتى في سن مبكرة، عندما كنت في الثامنة من عمري، وبينما أعود من المدرسة ، دعاني أبي لأذهب معه، قال سترين جدك، لقد مات وعليك توديعه، لم يكن يعني لي ذلك شيء رغم حبي لجدي، لكن لم أكن أعرف ما معنى أن يموت أحدهم، وفعلاً أمسكني أبي من يدي، وأدخلني إلى غرفة فارغة لأرى النعش لأول مرة، أقترب قليلا، لأرى إزاراً أبيض يلفه من كل الجوانب، يقترب أبي ويعري وجهه، وإذا برائحة المسك تفوح منه، جدي الجميل نائم بسعادة بعد حمام عطر خلاب، لم يكن بالنسبة لي سوى شخص نائم نوم الطفل البريء، وقتها عرفت أن الموت ليس مخيفاً، لا بل ربما هو جميل بجمال نوم جدي وراحته وتعطره.
بعدها بخمس سنوات سيموت أخي الصغير، وهنا سأتعرف على الموت باعتباره زائراً مفاجئ، وقتها كنت في 13، استيقضت باكراً، حملته ورضعته واسكتته لعبت معه واعطيته لأمي حتى تنيمه بكل فرح وحب، وذهبت للمدرسة، وتركت كل شيء في حالة مثالية ، عند عودتي وجدت لأول مرة في حياتي جنازة في بيتنا، عشرات الأشخاص يقدمون العزاء والكل يبكي، مالأمر؟
لقد توفي أخوك الصغير، قال الطبيب أنه " خناق الأطفال" ! أي خناق، لقد تركته في تمام الصحة قبل اربع ساعات فقط ؟
لم أرى دلك الجميل، ولم أودعه، لأنه على ما يبدوا تم دفنه قبل وصولي، ولكني أذكر ضحكته الساحرة عندنا أنظر في وجه أي رضيع اليوم، وحتى هنا كان الموت أمراً غريباً ومخيف وغامض لكنه لم يكن ليأثر على عقلي أو حياتي.
لكن عندما أصبحت في السابع عشرة من عمري، سأرى موت أخر، لم يكن موتاً سعيداً أو مريح، بل كان موجعاً وصادماً، عمي العزيز الذي كان العم الأقرب إلى قلبي هذه المرة هو من يرقد في ذلك النعش، هذه المرة لم يكن شيخاً ولا طفلاً بل كان شاباً في مقتبل العمر والقوة، لا نعرف كيف مات، لقد أخبرونا أنه حادث مروري مدبّر، ففي يوم مشؤوم يخرج ذلك العزيز إلى العمل ككل مرة، ينوي أن يوصل أبنه الصغير معه إلى أخولك ثم ينطلق للعمل بعدها، وفي الطريق ستضربهم سيارة مقابلة لشخص يعرفونه، تدور السيارة وتتشقلب، حتى تطير محتويات السيارة للخارج ومنها الإبن الصغير الذي طار من النافذ إلى الرصيف البعيد، أما السائق فسوف تتكسر عضامه وتطحن أمعائه وأعضائه الداخلية وتهشم جمجمته بشكل شبه كلي، حتى يتشوه وجهه ولا يعوذ قابل للتعرف عليه بسهولة، لم يمت حينها، لذلك سيتم نقله للعناية المركزة وسموت بعدها بساعات قليلة.
أتت لحظت الوادع، يدخل أفراد الحماية والجيش ليسلموه لأهله، في جو مهيب، أتقدم بصعوبة إلى ذلك النعش، لكن هذه المرة لا مسك، فقط رائحة الموت والدم، ولأول مرة لم تكن لذي جرأة الرؤية، وقفت هناك أكثر من دقيقتين أحاول أن أجبر نفسي على النظر لسبب واحد، أن كل من كان يرى منظره كان ينهار أو يغمى عليه خصوصا أمي التي كانت تدخل في نوبات صرع طويلة، أخيراً استجمعت قواي، قررت أن أودع وجه عمي العزيز بطريقة لائقة، لكن عيناي لم ترى سوى مجموعة من الضماضات التي تريد أن تمنع الدم من الخروج، و عشرات من الجروح والخياطات في كل ناحية من الوجه، لم يكن وجها على أي حال، لقد أصبح كتلة من اللحم غير واضح الملامح، ذلك اليوم كنت أعرف الموت لكني لم أستطع أن أنظر إليه أو أرغب في فهمه ولقائه، عكس أول مرة التي كنت لا أعرف ماهو الموت أصلا.
بقيت تلك الصورة في عقلي لأكثر من سنتين، لم أكن أستطيع أن أخرج رائحة الموت من أنفي، لدرجة أني كنت أٌعذب في كل مرة أقوم فيها بغسل الدجاج أو اللحم أو لمس أي شيء فيه دم، كنت أرى الموت في كل ركن، كل الحياة كانت مجرد مسرح كبير من الظلام، وكثير من الأصوات في عقلي تقول أن الموت قريب، وضحكات عالية بصوت عمي العزيز و أحلام يزورني فيها بشوق، وقتها قررت أن أكره كل أهلي وأبتعد عنهم حتى لا أعذب عندما يرحلون، كنت أقبل أن أعيش منطفئة باردة، على أن أعيش مع الأطياف والخيالات لأشخاص أحبهم، وقتها تغيرت شخصيتي ولاحظ الجيمع ذلك في المدرسة، حتى أن زميلاتي وأساتذتي كانوا يشكون من أني تغيرت ولم أعد تلك الفتاة المرحة المنطلقة، بل أصبحت امرأة هرمة فجأة .
بعد فترة كافية من الحزن قررت أن أداوي نفسي بالقراءة والشعر، وبدأت بالكتابة إليه، عن شوقي وحرقتي وصدمتي، حتى بدأت أراه مجدداً في أحلامي وهو يفخر بي، وبقيت على هذا الحال الى أن تحولت شخصيته في أحلامي إلى صديق يمكن أن أراه في مواضع عدة لكن ليس باعتباره عمي الميت ، بل باعتباره شخصاً يجلب لي السرور في أي منام.
لقد استعدت ضحكتي مجدداً واختفت كل الاشباح وروائح الموت، قلة العتمة، لكن قررت من وقتها أني لن أرى أي ميت بعد ذلك،وفعلا مات بعد ذلك جدي من أمي، ولم أسمح لنفسي بحضور جنازته لهذا السبب، ثم ماتت خالتي الصغرى وهي أقرب وأحب شخص إلى قلبي ، ولم أحضر جنازتها، بل وحضرت العزاء بعد موتها بثلاث أيام حتى لا أرى هول الجنازة خصوصا وأنها ماتت بسبب المرض، ومع ذلك كنت أراهما طول الوقت بسعادة واتذكرهما بكثير من الفرح والحب والدفء، كأن لم يفارقاني لليوم.
لن أقول أني تجاوزت تماما فكرة الموت، بل على العكس، لقد أصبحت فكرة مصاحبة لي يومياً كصديق ثقيل، لكن عرفت أن الموت على مرارته جزء من الحياة، نعم مازلت أخشى الموت واخشى الفقد، وليس علي أن أحبه أصلا ولا أن أتصالح معه، لكن ليس علي أن أعيش مع أشباحه الغاضبة والمخيفة، لقد روضت تلك الأشباح وتعايشت معها، مازالت معي في الذاكرة، لكنها في مكان خلفي هناك، حيث يجب أن تكون.
كل ما تمناه هو أن أكون غير موجودة عندما يحضر الموت، وسأكون سعيدة به مادمت لا أقابله وجها لوجه، ونعم، لست جريئة بما يكفي لأكون أمامه بدون أسف.
أعرف أنه نص طويل، لست ملزم بقراءته، لكنه هدية لنفسي أولا، و عزاء لكل من تألم من تجارب مشابهة، أتمنى أن تشاركوها معنا .
التعليقات