رحيل آخر جيل
برحيلها، أُغلِق آخر باب من أبواب الأجداد في عائلتنا. لم تكن مجرد امرأة من زمن مضى، بل كانت الذاكرة الحيّة التي ربطتنا بجذورنا الأولى. كانت آخر خيط يمتد بيننا وبين زمن لم نعشه، لكنه ظلّ يسكن في صوتها، في دعواتها الهادئة، وفي يديها اللتين حملتا من العمر ما يكفي لملامسة كل الأجيال.
من بين جميع الأجداد، كان لها مكان مختلف. لم تكن "إحدى الجدّات"، بل كانت الجدة بمعناها الكامل بمعجمها الدافئ الذي يجمع بين الحنان والحب، بين القصص القديمة التي لا تُملّ، والنصائح التي لا تشبه أي حكمة نقرأها في الكتب.
عرفت من خلالها فقط ما يعني أن تكون للإنسان "جدة": ذاك الحنان غير المشروط، وتلك اللهفة الصافية حين تراك بعد غياب قصير وكأنها رأتك بعد عمر كامل. كانت تمثل في حياتي معنى البيت حين يفقد البيت معناه، ومع رحيلها بدا العالم أقل دفئًا، وأكثر صمتًا.
لم يبقَ أحد من جيلهم الآن. انتهى زمن كان يُغلفنا بطمأنينة لا نعرف مصدرها. رحلت آخر من كانت تعرف كيف تجمع القلوب بكلمة، وتواسي الحزن بصمت، وتحوّل حضورها البسيط إلى أمانٍ لا يُعوَّض.
التعليقات
البقاء لله، الله يرحمها ويرحم جميع موتى المسلمين
دائما ما كنت أتمنى لو لي جدة أو جد أشعر معها بهذه المشاعر، ولكن لم يحالفني الحظ فقد توفوا جميعا قبل مولدي، ولكن كنت أرى حجم حبهم لأحفادهم مع زملائي، ربما أحن من الأم والأب أنفسهم، كنت عندما أزورهم نجلس وتقص علينا الجدات حكايات قديمة عن حياتهم تشعر وكأنك بعصر مختلف تماما، أتذكرها حتى الآن
لكن الملفت أسامة أن طبيعة هذه العلاقة الآن لم تعد كما كانت قديما، يعني أرى أجداد لا يروا أحفادهم إلا بالمناسبات، وآخرين لا يأبهوا لهم من الأساس، ويعاملونهم حسب علاقاتهم بصهرهم يعني قد لا يفضلوهم لو كانت والدتهم مكروهه منهم وهكذا، فحتى العلاقات فقدت ما يميزها مع الوقت.