سبع سنوات في حنجرة الريح
وصلت العائلة إلى قرية نائية شبه مهجورة، ترابها ناشف كأنه لم تطأه قدم من قبل.
وجوه يعلوها الشك، وابنية رمادية كئيبة، والناس لا يرحبون، ولا يبتسمون، صفتهم الأساسية هي العنصرية.
تلك القرية كانت أشبه بثقب رمادي في قلب الخريطة، منسي بلا ملامح.
وبدأت تلك السنوات السبع، واحدة تلو الأخرى، كأن القدر أرادها امتحانًا بلا معلم.
كل عام بيت جديد، بيت من صفيح، ثم بيت من غرفة واحدة، ثم بيت لا سقف له إلا السماء.
كانت العائلة تنتقل كأنها غيمة تائهة، لا أرض لها.
الشتاء فيها كان قاسيًا، كان الريح هناك تحب أن تتسلل من كل شق في الجدران، وكانوا ينامون بجانب بعضهم لا لأن الغرفة ضيقة، فحسب، بل لأن البرد خائن لا يرحم من ينام وحيدًا.
أمهم كانت الجدار الوحيد الذي ظل ثابتًا في ظل هذه الحرب.
تضحك وتطمئنهم، رغم أن الخراب قد استقر في قلبها إلى الأبد.
إنها كانت تبني في قلوبهم قصورًا من الحب والأمان.
مرت السنوات كأنها موجة طويلة من الظل، كل يوم يشبه الآخر.
إلا أن شيئًا في قلب ليان كان يتمرد وينضج.
كان كل ضيق يزرع في داخلها بذرة صبرٍ ستنبت ذات يوم بطريقة لا تصدق.
كيف لا، وهي ابنة تلك المرأة التي صبرت على ما لا يستطيع عشرة رجال تحمله.
كيف لا وهي ابنة تلك المرأة التي صبرت على ما لا يستطيع عشرة رجال تحمله.
في سنتهم الأخيرة في تلك القرية، صار الجميع يتجنب الكلام، حتى ليان التي كانت تكتب كل شيء، جف حبرها.
ذات يوم نظرت إلى أمها وقالت لها:
"ماما، هل تذكرين بيتنا؟ أنا لا أستطيع تذكره."
أجابتها الأم: "أذكر رائحته."
و مع انقضاء السنوات السبع، قرروا الانتقال إلى مدينة يسكنها بعض الأقارب، لعله كان القرار الأنسب منذ سبع سنوات مضت،
فوجدوا بعد كل هذا الغياب أن المشهد كان أشبه بباب يفتح بعد أن اقتنعنا أنه جدار.
ومن هناك بدأت الرحلة نحو حياة أخرى.
بين خطوات الحلم وهاوية القلب
المدينة كانت جديدة، والسماء فيها أوسع، وفي زواياها شمس لا تعرف الحرب، وليل لا يقصف.
ليان لم تكن تعرف إن كانت تنتمي لها فعلًا، لكنها تعلمت أن تمشي.
وفي داخلها كانت تبني نفسها رويدا رويدا.
حملت كتب البكالوريا، وخاضت بها معركة يومية.
في خضم هذه المعركة ارتبطت بسامر، اسمه كان يقول كل شيء من الأول: "سام" - "مر".
كان كل شيء مثاليًا أو بدا كذلك، لم يلبث طويلًا قبل أن يكشف عن وجهه البشع.
فقد كانت ليان تضع ثقتها في يد لا تدري إن كانت ستشد على يدها أم ستفلتها.
كان رجلًا، أو بالاحرى ذكر مزقته عقده، ولفّه الكبرياء، كما يلتف اللبلاب حول جذع ميت لا حياة فيه.
بارع في الهروب، يتقن الصمت حين يتطلب الأمر صدقًا، بالكاد كانت تدري، كيف تمر الأيام، وكأن الزمن قرر أن يمضي دونها
استفاقت ذات صباح تبحث في هاتفها عن رسالة، عن أي تفسير، لكن الصمت كان أبلغ. لم يُرسل شيئا، لم يقل حتى وداعا. فقط اختفى كما يذوب الحبر في ماء راكد، بلا أدنى شعور بالمسؤولية.
و أنا لن أستفيض بالحديث كثيرًا عن شخص كهذا، لأنه صراحة لا يستحق أن أكتب فيه و لا ربع كلمة، و أرجو من كل شخص يقرأ الآن أن يبصق عليه.
غرقت في موجة صمت طويل، صارت تمشي في البيت كظل بلا جسد. عيناها اللتان كانتا تشتعلان بالأمل أصبحتا مرآة لحزن لا يوصف.
قالت أمها ذات يوم تمسح على كتفها:
يا ابنتي، لا يستحقك من يغادرك هكذا، يا ابنتي، المرء لا يهرب من الحب إلا إن كان لا يعرفه.
كانت فرحتها بنجاحها في الثانوية العامة كصورة بلا لون، و كانت تجر أيامها كسجين يجر قيوده.
و مع هذا، كانت بدايات الشفاء كامنة في حضن عائلته
سند
مرت الأشهر، و كانت تمشي في ردهات الجامعة و قد استقر التعب في ملامحها، إلى أن وصلتها رسالة على مسنجر
من شخص كان في غياهب النسيان و لم تتوقع يومًا أن يكلمها.
مرحبًا
أهلًا، كيف حالك؟
الحمدلله، كيف حالك أنت؟ سمعت أنك فسختِ الخطوبة؟
والله، الحمدلله، خلصت.
الحمدلله، عندما سمعت من أهلي أنكِ انفصلتِ، فرحتُ لك
رأت الرسالة هذه و استغربت لماذا سيفرح هو لخبر كهذا
عادت الى البيت و القت بنفسها على السرير حتى رأت في منامها
انها ترتدي فستان ابيض قصير و شعرها مفرود على كتفيها و كانت ترقص امام كوخ على رأس الجبل و تقف امام هذا الكوخ سيارة سوداء
نزل من السيارة شخص لم تر وجهه لكنها فتنت في تفاصيل جسده
خاصة انه كان يرتدي الاسود
ما ان استيقظت حتى وجدت رسالة على هاتفها منه لفت نظرها صورته الشخصية التي كان يرتدي فيها لون اسود و يقف امام سيارة سوداء تشبه ما رأته في منامها
مساء الخير
مساء النور كيف حالك اليوم
الحمدلله و انت
اخبريني عنك اكثر
بدأت تسرد له القصص
و استمر الحال هكذا لاسابيع قبل ان يتصل و يخبرها بصراحته التي اعتادت عليها لاحقا
في مساء خريفي هادئ و الغيوم كانت تغزل وشاحا رماديا فوق المدينة رن هاتف ليان كان الاسم المضيء على الشاشة كنبض مفاجئ ايقظ شيئا ساكنا في صدرها "سند"
اجابته بصوت دافئ كأنها تخفي خلفه ارتباكها الذي لا يرى دار الحديث بينهما كسرب طيور يحلق على مهل خفيفا هادئا
ثم جاءت الجملة كصاعقة شتوية
ليان أريد أن أتزوجك
صمت ثقيل هوى بينهما كستارة مسرح تسدل فجأة
ارتجفت كلماتها قبل أن تولد و اهتز قلبها كغصن بلله المطر
ثم نطقت بصوت مشوب بالخذلان القديم
لا أستطيع لا زلت أحمل ندوب قصة لم تندمل بعد
مرت لحظات ربما كانت دقائق و ربما دهرا ثم انقطع الاتصال كان شيئا انكسر داخله
أسبوع كامل مر كانت فيه ليان تسير بين الذكريات
كيف كانت كلماته بلسما و صمته أمانا
كل لحظة معه عادت كأطياف تزورها في المنام
تطوقها و تهمس في أذن قلبها أليس هو الخير؟
لم يكن اسمه مجرد مصادفة بل انعكاسًا لما كان عليه حقًا
رجل حضوره يشبه لحظة مطر تهطل على أرض عطشى
قال لها ذات مرة حين لمح بكلماتها الحزن: "الحزن لا يليق بك"
لقد أعاد لها ثقتها بنفسها
لم يكن يكمل فراغات الغائبين
بل بنى لها عالما جديدًا لا وجود فيه إلا للصدق و النبل
فاستجمعت قلبها و رفعت كفيها إلى السماء
صلّت و دعت و استخارت
ثم جاءها يقين ناعم كنسيم الفجر
و في ليلة مقمرة حملت هاتفها بين كفيها
و كأنها تحمل قلبها نفسه
و ضغطت على اسمه
حين أجاب لم تنتظر كثيرًا
فقد قالت بصوت فيه الطمأنينة ما يفوق كل الكلمات:
"سند أنا موافقة"
و صمتت ليكمل صوته بقية الحكاية
بدأت معه فصلًا جديدًا فيه نضج و طمأنينة
ضحكتها تعود رويداً رويداً كزهرة قررت أن تزهر من جديد بعد شتاء قاس،
وفي حديث دار بينها وبين أمها قالت:
"سند لا يشبه أحداً، جاءني حين لم أعد أؤمن بالحب،
فغمرني دون أن أطلب شيئاً، أحبني كما أنا، بألمي، بضعفي،
فصرت معه أقوى.
اليوم فقط شعرت أن الله لم يخذلني أبداً، بل كان يعد هذا الفرح لي بصبر."
سافروا سوياً إلى إيطاليا التي كانت حلماً لكليهما،
شوارعها تضج بالحياة وحدائقها تشبه دفاتر رسم مفتوحة على مصراعيها،
ومعاً بدآ فصلاً جديداً لا يشبه أي شيء عاشته من قبل.
لقد كان فارس الأحلام حقاً، لقد كان دعوة مستجابة دعتها بقلب صادق.
وفي مساء دافئ وتحت أضواء الشموع والورد الأحمر الجوري المنثور حولهما،
أقاما حفل زفاف أشبه بحكايات ألف ليلة وليلة،
وكأن حب الكوكب كله اجتمع ليتوج هذه اللحظة.
ووقف سند بجانبها ينظر إليها وكأنها القصيدة التي طالما تمنى أن يكتبها،
وقال لها وهو يضع خاتم الزواج في إصبعها:
"أعدك أن تكوني لي سعادتي في كل المواسم،
وأن أبني في قلبك وطناً لن أهجره أبداً."
فقالت وعيناها تلمعان كنبع صافٍ تحت ضوء القمر:
"وأعدك أن أكون لك قلباً لا يعرف الضياع، وسنداً كما كنت لي دوماً."
مرت الأيام كأغنية لا يُملّ منها،
حتى رزقا بطفلة اسمياها "حياة".
لم يكن الاسم اعتباطاً، بل لأنها كانت الحياة ذاتها.
"حياة" كانت أشبه بفجر جديد،
ترسم بضحكتها الأمل على جدران البيت،
وتنسج بين والديها روابط الألفة والفرح.
كل حركة منها، وكل نظرة،
كانت شهادة على أن العوض الجميل لا يأتي مسرعاً،
لكنه آتٍ لا محالة.
التعليقات