تجمّعنا في الممر، وجلين صامتين ننتظر مصيرنا، وقد تقدَّم إلينا أستاذ يُذيع اسامي الأطباء الذين يمتحنونا، كل 5 طلّاب على طبيب واحد، هذه اللحظة ستحدِّد سعادتك من بؤسك لمدّة ساعة في الامتحان، وأيّام ما بعده.

في هذا الموقف كانت الطير تقف على الرؤوس من دون أن تثير الانتباه، فتقدَّم إلينا رئيس فرع الأطفال بخطوات متسارعة، وهو يحمل هاتفه ويصوِّر من بعيد: إن شاء الله هذا آخر خامس إلكم!

ألتفتُّ عليه وأريته ضحكتي تقديرًا! نكتة خفيفة الدم! خصوصًا عندما تصدر من شخص في مكانته، يقصدُ بها الرجل دعاءً تهكميًا أنّه لن تعيدوا سنتكم الخامسة في الطبِّ مرة أخرى والذي يحدث بعد الرسوب في امتحان الأطفال! 

سهام القُرعة

وقعت القرعة على طبيب أحُبِّه، وقد يكون أكثر من أعددتُ نفسي لملاحظاته وأسئلته، أمّا خمسة آخرين فقد تخطَّفتهم طبيبة مخيفة، وقد رأيتُ شحوبَ وجه صديقي، وقنوط آخر، وقد حيّانا آخر بالضحك والتهليل، حِيلة دفاعية يلجأ لها البشر حين يحوطهم الهمّ من كل جانب.

فاطمة

دخلتُ على فاطمة، طفلة 4 شهور، ترتدي زيًا ورديًا زاهيًا، وقد أصابها قيء وإسهال، وقد كان عليَّ أن آخذ التاريخ المرضي من أمِّها لمدّة 45 دقيقة، وأفحص علاماتها الحيوية والجسدية، ومخطَّط النمو وجداول اللقاحات.

نسيت التاريخ!

تركني الطبيب وحيدًا ومضى، سيلاقيني بعد 45 دقيقة، وقد ابتلعني هول الحدث، رغم ما أعددتُ له، حتّى نسيتُ تاريخ اليوم، وهو ضروري في التاريخ المرضي، سألتُ والدة الطفلة فلم تتذكَّر، أردتُ أن ألطم خدِّي: وي! لكنِّي تمالكتُ أعصابي، وعرفت أنِّي أستطيع أن أعود لهذه الفقرة بعد قليل، بدأت باستجواب أمِّها عن الأحداث المرضية، وبعد أن هدأ الموقف لربع ساعة، طلبتُ من أمّ مريضة ثانية أن تعطيني تاريخ اليوم، فوجدته على الهاتف، 25/4 أيّها الشقي، أتنسى هذا؟! ثمَّ تمنّنت عليَّ بمعلومتها تلك وقد رأت قلقي فقالت: أتراكَ تكونُ طبيبًا متكبرًا بعد سنوات؟ كن هكذا كما أنت اليوم.

عِبرة رقم 1

أعرفُ أن القلق لا يستمرُّ طويلًا، وقد عاينتُ هذا من سنين متابعتي للاعبي التنس المحترفين، أحبُّ رافائيل نادال، وقد خبرتُ منه أنَّك لو دخلتَ مباراة وملؤك التوتِّر، فلا تشقى، انتظر وسيذهب منك، شوط، شوطين، ثلاثة؟ افعل الأشياء الصحيحة وستسعيد مستواك شيئًا فشيئًا! وقد خطر هذا على بالي في اللحظة التي نسيتُ فيها التاريخ، وقرّرت أن أكمل الأسئلة الأخرى لحين هدوئي، ولو ظللتُ أبحث عن سؤال التاريخ، لزدتُ قلقي في هذا الوقت، ولضاع وقتي. لا تُصارع، احترم ما تمرُّ به! 

اطارات حديث البشر

وقد سألتُ ‏كثير من الأسئلة وقد أجابتني الأم باقتضاب في أحيان، وبسعة في أحيان أخرى، احتجتُ دائما لتذكير الأم بالعودة إلى السياقات التي وضعتها في بالي لتسلسل الحدث

— ماذا حدث في البداية؟

— ماذا حدث قبل زيارة اول طبيب؟

— ماذا حدث قبل دخولكم للطوارئ؟

— ماذا حدث في ردهة المستشفى؟

وقد أعدتُ الأم مرارًا وتكرارا إلى هذه النقاط، كنت كمذيع يحاول أن لا يخرج ضيفه عن النص. 

عبرة رقم 2

التاريخ المرضي، وحتّى محادثاتنا مع البشر، تتضمّن الاستماع والاهتمام بما يقوله الآخر، بنفس الوقت أنت لا تريد أن تسمع كلّ شيء، لا يهمّني إن كان أخوها قد قطع رضاعته بعد 6 شهور كما قالت، لهذا تملّك هذا الاطار الذي يجعلك تستقي أكبر قدر ممكن من الفائدة هو الذي سيحوِّل هذا الاستماع إلى تجربة ناجحة.

لا تسرِّب القلق فتُقلِق

‏عادتي أن أكون هادئًا في هذه المواقف، خصوصًا عندما لا أكون في جو الامتحان، لكنّي اليوم كنت قلقا وشعرت بأن قلقي تسرب إلى الأم. حاولت في بعض الأحيان أتصنَّع جوًا فكاهيًا، فحينما سألتهم عن سِعة دارهم ومساحتها، ورأيتُ أنّها تُجيب باستغراب:

— ايه لا تستغربين، رح ندزلكم معتمد عقاري يقيِّم بيتكم! 

فتضاحكت وقالت أنّها فكّرت بنفس الموضوع، ثمّ شرحتُ أثر هذا السؤال في معرفة عمّا إذا كان جوّ البيت مكتظًا ممّا يسبب أمراضًا تنفسية.

عبرة رقم 3

لا يعرف الناس ما تمرُّ به، فلا تحاول أن تسرِّب لهم قلقك، التعاملات القلقة لا تسير بسلاسة. بنفس الوقت، لا تسأل أسئلة غريبة! مساحة بيتكم سؤال يبدو غريبًا بداية، لكنّي حينما شرحتُ للأم فائدة السؤال، شاركتني بمعلومات جديدة، هي دائما في غرفة مكتظّة، أخوها الصغير يقبِّلها كثيرًا، وغيرها من المعلومات. لو سألتُ سؤال المساحة بعد سؤال الاكتظاظ، لكان أقل غرابة، لا تبدأ بالغريب! 

حان وقت السؤال

وقد انتهت الـ 45 دقيقة، وقدم إليّ الطبيب وأدخلني في قاعة، أسمعته "يالله، يالله، بسم الله!" بصوت عالٍ، لم أكن خائفا بعد هذه الفترة، تعوّد جهازي العصبي على هذا القلق، لكنّ العون يُطلب من ربِّه في كلّ حين، وقد أعلمُ من حضوري لمحاضرات هذا الطبيب، أنّه ذو دين، من الأمثلة والأحداث التي يقصُّها، فقلتُ لعلّ قلب المؤمن يحنُّ على أخيه! 

ولعلّه تحنّن! فقد سمع كلماتي ثمَّ ردّد ورائي: يالله، يالله!

سؤال وجواب

‏قصصت عليه التاريخ الماضي كله وقد سألني بعض الأسئلة ولم يغمض لي جفن عنها، ومنها لماذا نضع الماء قبل الحليب في زجاجة الرضاعة، ولا نضع الحليب قبل الماء، مادام العنصرين يذوبان! هلعت! كان سؤالًا أعرفه، وقد سأله لطالب قبلي قبل سنة، لكنِّي نسيت! أهكذا يضيعُ تعب التحضير للطبيب بسؤال سهل؟ استجمعتُ ذاكرتي، وأجبته: لأنّ الحليب قبل الماء يؤثّر على دقّة قياس عدد مليلترات الماء اللازمة، فالماء المتضارب بالحليب قد يُوهم الأم بأنّه أقل أو أكثر فتزيد أو تنقص. وقد أعجبه جوابي. 

عبرة رقم 4

تحضّر دائمًا! لسنا عباقرة! لا أنا ولا الذي يقرأ لي بذكاء خارق (على أنّك بذكاء عال لأنّك تقرأ هذه الجملة!) ولو لم أكن حضّرت لأسئلة الطبيب لما نجوت، وقد علمتُ أنّه يحبّ فحص الطفل بحضن أمّه، فحينما أمرني بالفحص، قلتُ له: يجب أن أضعها بحضن أمّها أولًا! فأطراني وطلب أن أتوقف. حضِّر دائما، لأي موقف وحدث، لأي شخص يهمّك أمره! 

أخذني العجب

وقد أخذني العُجب بنفسي، وحسبك هذا شرًا! وظننتُ أنّ كل اجاباتي اليوم ستكون صحيحة، فعندما ‏طلب منِّي أفحص علامات الجفاف Skin Turgor والذي يتضمّن قرص جلد الطفل، قرصت الطفلة قرصة خفيفة، كانت نائمة، فما أردتُ ايقاظها. 

‏—هاي منو علَّمك هذا الفحص؟ 

‏— (وقد كنتُ مزهوًا بنفسي): قريت ملاحظات 

‏— اصلا غلط!

‏— مو خطية نايمة

‏— درجاتك الخطية

يستمر النزف

وحينما تنزف، تنزف أكثر! طلب منّي تحديد مكان ضربات القلب من على الصدر، فلم أجده لخفوته! 

— مداحسّه.. يلا فطومي، ساعديني! 

— شتساعدك، شنو مدتلكاه؟ 

— لا، مديجي ويايه.

— وإذا شوفته لك؟ 

— بعد إنت كبيرُنا، أكيد رح تلكاه.

— أدري كبيرنا بس غير تتعلّم مني؟

ثمّ ذهب ووجده، وقال لي هاك ضع يدك هنا! وقد كان خافتًا جدًا. ثمّ سألني سؤالًا يتبعُ هذه النقطة، وقال أنّه لتعوِّض ما فاتك، فأجبته ثمَّ انتهى الامتحان.

عبرة رقم 5

حضِّر واستخدم علم النفس! أعلمُ أنّه يحبّ الكلمات الفصيحة، فقلتُ له "أنت كبيرنا" وضممتُ الراء تأكيدًا. وكانت هناك فرصة 25% أن يكون هذا الطبيب مُمتحني، فحاولت احترام هذه الفرصة، ودخلتُ كلّ محاضراته قبل الامتحان، وسألته، وهززتُ رأسي استجابة، وضحكتُ على نكاته، كلّ هذا يُساهم في تكوين انطباع جيِّد.

لجوج حتى النهاية

حتّى أنِّي لم أتركه يقرّر الدرجة وحده! ذهب ولم يحدّد درجتي بعد، فقلتُ لعله سيضعها في الغرفة، فسرتُ معه على الممر، وقلت له:

— دكتور، محاضرتنا الأخيرة وياك الخميس لو الاسبوع القادم؟

كل هذا لأوحي له أنّي طالب مجد، وأهتمُّ بالعلم للعلم، والامتحان كان "عادي" وهمّي التعلم، والحقُّ أنِّي أهتم بالدرجات البرّاقة، لكنّه رجل حاذق، يعرف هذه الألعاب، وأراهن أنّه قد رأى من طِينتي اللجوجة الكثير، فردّ ببرود:

— أي الخميس، ليش الاسبوع الجاي؟ نخلصها الخميس.