أحيانًا تتخذ الشركات قرارات تبدو ذكية ومدروسة، لكنها عند التطبيق في السوق تأتي بنتائج عكسية. على سبيل المثال، قامت شركة Wendy’s في أمريكا بتجربة رفع الأسعار في أوقات الازدحام، معتبرة ذلك وسيلة مبتكرة لزيادة الأرباح، لكن الزبائن رأوا في الخطوة استغلالًا لهم، فانتشرت موجة من الغضب أضرت بصورة الشركة أكثر مما أفادتها. وفي حالة أخرى، تعتمد Apple منذ سنوات على سياسة التسعير الجغرافي، حيث تبيع أجهزة iPhone بأسعار مختلفة من بلد إلى آخر، بناءً على الضرائب والقوة الشرائية وظروف السوق. القرار من الناحية الاقتصادية يبدو منطقيًا، لكن المستهلكين عندما يكتشفون الفروق الكبيرة بين الأسواق يشعرون بعدم العدالة. وهنا يطرح سؤال للنقاش: ما الأسباب التي تجعل بعض القرارات الذكية نظريًا تفشل عند مواجهة ردود فعل السوق؟
لماذا تبدو بعض القرارات الذكية غير مناسبة في السوق؟
في حالة أبل مثلاً أرى أن هذا راجع في قسط كبير منه إلى سوء تقدير الثقافة والسياق الاجتماعي يعني مثلاً بعض الأسواق حساسة جدًا لفكرة العدالة والمساواة مثل أسواق أوروبا الشمالية بينما هنالك أسواق أخرى تتقبل فروقات الأسعار أو حتى تتوقعها كما يحدث لدينا في بعض الدول العربية حيث التفاوت أصبح عادة وقد استفادت أبل من هذا جزئيًا، لكن تزايد وعي المستهلك جعل الفوارق تبدو تمييزًا جغرافيًا وليس مجرد انعكاس للتكاليف.
أعتقد ان السبب الرئيسي هو أن القرارات على الورق وبالأرقام تختلف عما يحدث عندما توضع على أرض الواقع، لأننا على الواقع لا نتعامل مع أرقام واحصائيات، بل نتعامل مع بشر، وكل شخص لديه وجهة نظر، وهناك من سيدعم القرار وهناك من سيرفضه، ومن سيرفض قد ينشر هذا الرفض على مواقع التواصل ليصبح الأمر موضع نقاش للعالم كله
وهناك من سيرفضه، ومن سيرفض قد ينشر هذا الرفض على مواقع التواصل ليصبح الأمر موضع نقاش
هذه نقطة شائكة يا كريم لأننا أصبحنا فعلا في زمن يُؤثر فيه رأي المستخدم خصوصا لو كان سلبيا ليس فقط على منطقة جغرافية محدودة وإنما قد يصل التقييم للعالم كله. لكن المشكلة أنّنا لا نضع فارقا لاختلاف الثقافات والعادات الشرائية من شعب لآخر وحتى بين طبقات الشعب الواحد. برأيك ومع انفتاح الدول والأسواق كيف نختبر فاعلية أي استراتيجية خصوصا استراتيجيات التسعير مع اتساع الرقعة الجغرافية؟
بالعكس أرى أن قرار شركة Wendy’s كان غبيًا جدًا، وليس ذكيًا حتى من الناحية النظرية. كيف يُعقل أن أرى سعر المنتج الذي أرغب في شرائه يتغير على مدار اليوم وكأنني في مزاد؟! هذا النوع من السياسات لا يُظهر مرونة تسويقية، بل يُظهر استغلال واضح لاحتياج الزبون، خاصة في أوقات الذروة.
وما الذي يجبرني كمستهلك على التعامل مع شركة تبدو أمامي بهذه الصورة الانتهازية؟ أما في حالة Apple، فرغم تحفظي على فروقات الأسعار الكبيرة، إلا أن الأمر على الأقل مفهوم إلى حد ما نظرًا لاختلاف الضرائب والحالة الاقتصادية من بلد لآخر. لكن تسعير ديناميكي داخل نفس السوق ولمجرد الزحمة؟ هذا ليس ابتكار بل استفزاز.
هذا النوع من القرارات يوضح لنا أن الحسابات الاقتصادية وحدها لا تكفي في عالم يعتمد على ثقة المستهلك وتجربته العاطفية مع العلامة التجارية أحيانا الشركة ترى القرار عبقريا بالأرقام لكنه يغفل جانب المشاعر فالمستهلك لا يفكر فقط في السعر أو المنطق بل في إحساسه بالعدالة والشفافية ما حدث مع Wendy’s مثال واضح الزبون شعر أنه يُعاقب لأنه اختار وقت الازدحام بينما المفترض أن الخدمة في وقت الذروة تعني تقديرًا لا استغلالا ونفس الشيء مع Apple صحيح أن فروق الأسعار مبررة اقتصاديا لكن عندما يعرف المستهلك أنه يدفع أكثر من شخص آخر لنفس المنتج يولد هذا شعورًا بعدم المساواة أظن السبب الأساسي وراء فشل هذه القرارات هو غياب التواصل مع العملاء وعدم إدراك البُعد النفسي في تجربة الشراء السوق لا يتعامل مع الأرقام فقط بل مع البشر والبشر تحركهم العاطفة قبل المنطق
أرى أن السبب الرئيس في فشل بعض القرارات، على الرغم من كونها تبدو ذكية من الناحية النظرية، هو أن الشركات غالبًا ما تحسب الأمر على الورق فقط دون أن تراعي سلوك المستهلك وردود أفعاله. فما يبدو منطقي من الناحية الاقتصادية قد لا يكون مقبول نفسيًا أو عاطفيًا عند الناس. فالمستهلك حين يشعر أن القرار ينطوي على استغلال أو ظلم، سيرفضه بطبيعة الحال مهما كان مبرره عقلانيًا. برأيي، أي قرار ناجح لا بد أن يُبنى على فهم عميق لتجربة العميل واحتياجاته، لا على الأرقام والمعادلات وحدها.
برأيي، أي قرار ناجح لا بد أن يُبنى على فهم عميق لتجربة العميل واحتياجاته، لا على الأرقام والمعادلات
المشكلة الأكبر يا إسراء هي أننا أحيانا عندما نسأل العميل قد يبدو راضيًا وقد يكون سلوكه مختلفا حتى عن تعبيراته فنسأل أنفسنا لماذا فضّل التضليل وكتمان المشاعر؟ مع أنه قد يكون في مصلحته ومصلحتنا أن يبوح برأيه دون أي تضليل متعمد أو غير متعمد.
التعليقات