في خضم التحوّلات الرقمية، أصبحت قيادة الفرق عن بُعد واقعًا يوميًا، لا مجرد خيار تنظيمي. لم يعد القائد ذاك الشخص الذي يتجول بين المكاتب ويقرأ وجوه الموظفين ويلاحظ مزاجهم أو يطمئنهم بإيماءة. بل أصبح عليه أن يُتقن قراءة الصمت الرقمي، وأن يتحسس نبض الفريق من خلف الشاشة، بالكلمات لا بالنظرات، وبالاستماع لا بالمراقبة.
في عام 2022، نشرت شركة GitLab، وهي شركة تعتمد بالكامل على العمل عن بُعد، تقريرًا عن ثقافة العمل لديهم. كان لافتًا أن أغلب الموظفين ذكروا أن أكثر ما يعزز شعورهم بالانتماء هو الشفافية المتبادلة، وليس عدد الاجتماعات ولا أدوات التواصل. إحدى الموظفات شاركت في التقرير تجربتها مع مديرها الذي كان يفتتح كل اجتماع دوري بجملة صادقة: "أنا هنا لأفهم، لا لأحكم". هذه العبارة، على بساطتها، كانت مفتاح ثقة امتدت لاحقًا لفريق كامل من عشرات الموظفين المنتشرين في أربع قارات.
لكن هناك من يظن أن فرض الكاميرا طوال ساعات العمل، أو إرسال تقرير يومي بكل تفصيلة، هو الحل لحفظ الانضباط. والواقع أن الإفراط في الرقابة لا يولد الانضباط، بل يولد الشك. والفريق الذي يعمل وهو يشعر أنه تحت المجهر لن يُنتج إبداعًا، بل أداءً متوترًا تحكمه الغرائز لا الرؤية.
هنا تتجلّى القيادة الحديثة, لا في صرامة المتابعة، بل في قدرة القائد على منح الثقة قبل أن يطلبها. في خلق بيئة يشعر فيها الموظف أن غيابه لا يُفهم كاستهتار، وأن سؤاله لا يُفسّر كضعف، وأن صوته، وإن خالف، يُسمع.
كيف يمكن للقادة في بيئات العمل الرقمية أن يؤسسوا علاقات قائمة على الثقة والتواصل العميق مع فرقهم، رغم البُعد الجغرافي وغياب التفاعل الشخصى المباشر؟
التعليقات