في هذا الوجود الفسيح الذي يبقى محدوداً، غير أنه تتجلى فيه آيات الحق بين الظهور والخفاء، حين تباغتنا العجائب وتشرق في عقولنا شمس الاكتشافات، ننساق أحياناً خلف كبرياءٍ بشري خفي للأبد يكون معنا ظانين أنه قوة وهي مهلكة المهالك نتوهم معه أننا قد 'اخترعنا' العجلة أو 'أوجدنا' الجمال من عدم. بيد أن الحقيقة الأعمق هي أننا لم نفعل سوى 'الملاحظة'؛ فالملاحظة في جوهرها العلمي ليست خلقاً، بل هي تلك المراقبة اليقظة لنواميس أودعها الخالق في المادة قبل أن يحضر وعينا وما وعينا؟ إلا أننا أدركنا ما هو قادم متناسين ماهو موجود أصلاً، وهذا ما يجعلنا لا نكتب القوانين، بل نحن "تلاميذ" في مدرسة الكون نلاحظها بتخوم كمالها بالنسبة لنا وقبح نواقصه، أصوات ذبذبية لا معنى لها هل صوت الباب وهو يغلق له معنى؟ يصدر صوت فقط ان تحرك أما الأنسان عنده لغة فنبدأ نتهجى حروفاً سر لا مثيل له اللغة! هنا وهناك أسرار في كل ذرة وليس فقط الذرات حتى المجرد من الاشياء؛ لنكتشف أن تلك الوحدة البنائية المتناهية في الصغر، التي ظننا أننا ملكنا مفاتيحها، فإذا بنا نجدها كوناً قائماً بذاته أكتشف اللغوي تشومسكي أنها نظام وقال أن اللغة مثل البيلوجيا، فهذه آية اللغة المتقنة تشهد بإتقان صانعها.
لقد اندفعنا في مضمار العلم لأننا في القرن ٢١ ذكاء اصطناعي حيث نطقت الآلات بما لم تفهمه ونفهمه وأكثر مما نستطيع حتى إدراكه ومع ذلك تبقى الآلات بلا حياة ومن فيه حياة؟ نحن لفترة، ففي هذا العصر صغرنا التقنيات حتى ولجنا تخوم "النانو" —وهو المقياس الذري الذي نتعامل فيه مع أجزاء من المليار من المتر— وظننا أننا بهذا الاختراق قد أحطنا بمنطق الحياة. بل وذهبنا أبعد من ذلك حين رسمنا "عالماً افتراضياً" يحاكي الواقع وما أخذ من الواقع الا رياضياته، معتقدين أننا استنسخنا جوهر الوجود البيولوجي. لكن، شتان بين "الصفيح الإلكتروني" الجامد، وبين كونٍ خلقه الله بنظامٍ وقدرٍ محكم؛ فكل ما ننجزه تحت مسمى "المحاكاة الحيوية" (Biomimicry) تظل مجرد صدى باهت ومحاولة فقيرة لمحاكاة الأصل المعجز الذي أوجده الله من العدم.
إن أي محاولة للعبث بالنواميس الإلهية في الكون، أو توهم التأثير المستقل للأسباب، هي موجات تذهب سُدى؛ فالأسباب في هذا الكون —كما تقرر القاعدة اليقينية— مؤثرة لا بذاتها، ولكن بتقدير الله وأمره. فبينما يرهق الإنسان نفسه لبناء "شريان اصطناعي" معقد، تؤدي كرية دمٍ حمراء بسيطة وظيفتها بتقدير الله، متجاوزةً بمرونتها الفائقة أضيق الشعيرات. إنها تؤدي دورها بأقل قدر من الطاقة، لا لأن المادة فيها تملك القوة استقلالاً، بل لأن الله قدّر لها الأثر وجعلها سبباً طوع مشيئته، ولو سلبها أمره لما نفع معها كل علم البشر.
إن العلوم والكتب البشرية ليست إلا "شروحاً" على كتاب الخلق؛ فالعلم التجريبي يرصد الأرقام، والفلسفة تتأمل الغايات وانفجار وانتشار القوى في زوايا في قالب لا ينتهي باحثاً عن قالب جديد حتى وأن وصل تعود لتخدعنا، والدين يكشف عن "قيومية الله" المحركة لكل شيء. وكلما توغلنا في البحث، أدركنا أننا لسنا أمام شتات، بل أمام إبداعٍ ربانيٍ واحد، يزداد جلالاً في أعيننا كلما ارتقينا في درجات الملاحظة الواعية، وتحررنا من عبودية السبب لنرى عظمة المسبب.
نحن في النهاية عبادٌ فانون، نقتبس من نور علمه ما يشاء؛ فالكمال والبقاء ليس إلا لمن وضع هذا النظام وأتقنه، وهو سبحانه الذي جعل من العلم ممهداً للإيمان، وكاشفاً عن سعة رحمته التي وسعت كل شيء. وما الجنة ببعيدة عن الذين فتح الله بصائرهم، فلم يقفوا عند ظاهر الأسباب، بل نفذت أرواحهم ليروا دلائل وحدانية الخالق وآثار قدرته في ثنايا كل مخلوق فأن كانت قصيدة الوجود بهيكلها الدقيق الذي لا نحسن صناعته وجدنا بها ولو للحطة سعادة فكيف بعالم جديد وحياة جديدة؟
التعليقات