بعبع الثانوية العامة

في كل موسم امتحانات تتلقى وزارة الصحة (غرفة عمليات الاسعاف ) مئات الحالات من الاغماءات والتشنجات داخل لجان الامتحان. فالثانوية العامة في مصر في نظر معظم الناس هي نقطة فاصلة في تحديد المستقبل ، كما أن في معظم الحالات يكون هناك دروس خصوصية وأموال طائلة تم دفعها من الاهل خلال السنة مما يشعر الطالب بضغط إضافي .

فهناك حادثة وفاة طالب داخل لجنة امتحان في حدائق القبة بسبب هبوط حاد في الدورة الدموية، وهناك أيضاً الطالبة منار التي توفيت قبل دخولها لجنة امتحان الفيزياء بسبب هبوط في الدورة الدموية أيضاً ، وأشارت التقارير الطبية أن التوتر الشديد أدى إلى فشل في عضلة القلب.

أتذكر صديقة لي في المرحلة الثانوية كانت دائما ما تعاني من اضطرابات نفسية قبل الامتحانات ، فالطالب يشعر انه مستقبله متوقف على هذه اللحظة ، ولكن بعد مرور السنين فتلك الصديقة الآن تعمل متزوجة ولديها أطفال ، و أظن أنها إذا تذكرت ما كانت تشعر به قديما ستشعر بالسخرية من نفسها ، فالحياة لا تتوقف عند نقطة ، و لا توجد لحظة مصيرية يتحدد بها المصير ، بل أن المصير في مرحلة تكون دائم خلال حياة الإنسان.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

المشكلة في نظرتنا التراجعية أننا نقلل من حجم المعركة بعد أن ننتصر فيها أو نتجاوزها. هناك قول للمتنبي: وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم.. الطالب في ذلك العمر، هذا هو عالمه الوحييييد. الطالب الوحيد الذي ينجو من هذا الضغط وهذه المهزلة -مما لاحظت- هو الذي يخلق بنفسه أو يحظى بفرصة أن تُخلق له عوالم متعددة كأن تكون له هوايات جانبية أو اهتمامات جانبية. هذا الطالب يدرك أن له بدائل إن فشل في طريق الثانوية العامة.

الأمر ليس حكرا على الطلاب وحدهم ، فالضغط النفسي الذي يتعرضون له يتعرض له أهلهم أيضاً ، من حيث الأموال التي دفعوها في الدروس الخصوصية ، و من حيث نظرة الأقارب و الجيران وهكذا..

نحن داخل الماتركس. أجيال من الأهالي والطلاب يتعاملون مع الأمر بنفس العقلية، ولا أحد يجرؤ على الخروج من هذه الماتركس والتفكير فيها بعقلية أن الحياة أوسع من مجرد فرصة واحدة. أنا شخصيًا كنت أذهب إلى أكثر من درس خصوصي في المادة. الفيزياء مثلًا أخذت بها درسين مع مدرسين مختلفين. واحد معروف عنه أنه أفضل في الشرح، والآخر معروف عنه أنه أفضل في حل الأسئلة والتمارين! عبث.

ناهيك عن الكثير من الممارسات السلبية طوال العام والتي تؤثر على صحة الطلاب وقد تترك آثار تستمر معهم طوال حياتهم، فالكثير من الطلاب بعد خروجهم من فترة الثانوية العامة تجدهم ينهارون تماما صحيا لأنهم كانوا يعتمدون على المسكنات وعلى تناول كميات مهولة من الكافيين لكي يجبروا أنفسهم على الاستمرار، وبمجرد أن تنتهي الامتحانات يضطروا لمواجهة تبعات هذا الاهمال

لي صديق كان من أذكى من عرفت في حياتي ، و كان متفوقاً في كل السنين ، و لكن في الثانوية العامة لا أعلم ما حدث له ، وكأن عقله قد تبدل، و كان دائما في حالة نفسية سيئة ، و حصل مجموع قليل أدى به إلى كلية الحقوق في الجامعة المفتوحة. أتذكر أننا كنا ننظر إليه كأنه عجيبة من عجائب الدنيا ، ولكنه الآن محامي و أموره مستقرة كأن الثانوية العامة لم تحدث أصلا.

برأيي هناك حل لهذه المشكلة لا أعرف من سيقوم به لكن أظنه سيؤثر على الطلاب والأهالي، تخيل فيديو أو حتى سلسلة مقاطع ينتقي الكبار بشكل عشوائي يسأل عن مجال العمل والشهادة أنا أراهن أن أكثر من نصف البشر لا يعلمون بشاهدتهم فعلياً ولو تم ترسيخ فكرة أن الشهادة ليست نهاية المطاف هذا سيغير قواعد اللعبة ويلغي أغلب الضغط

الشهادة هي إقرار من أكاديمية معينة انك درست فيها المنهج الفلاني و نجحت فيه بالتقدير الفلاني، . ولكن ليست كل الأكاديميات لها نفس المصداقية ، فالشهادة لها قيمة كلما كانت صادرة عن مكان له مصداقية.

ربما يكون الحل في تفكيك مركزية "الشهادة" في الوعي المجتمعي، وتوعية الأهل بأنّ صحة الأبناء أهم من المجموع، مع توفير دعم نفسي حقيقي يكسر حدة التوتر.