هل التعليم في بلادنا ينتج موظفين فقط أم مثقفين؟

منذ سنوات طويلة يدور جدل واسع حول وظيفة التعليم في بلادنا: هل هو بوابة لصناعة المعرفة وتحرير العقول، أم مجرد خط إنتاج ضخم لتجهيز الموظفين وإرسالهم إلى سوق العمل؟

عند النظر إلى الواقع، نجد أن أغلب المناهج الدراسية مصممة بطريقة تجعل الطالب يحفظ أكبر قدر ممكن من المعلومات ليمرّ بالامتحان بسلام، دون أن يُطلب منه التفكير النقدي أو إبداع حلول جديدة. النتيجة أن الطالب يتخرج بشهادة، لكنه لا يملك غالبًا الأدوات التي تمكّنه من قراءة العالم بوعي أو تطوير نفسه باستمرار.

من جانب آخر، لا يمكن إنكار أن المجتمع يحتاج فعلًا إلى موظفين. الشركات، الإدارات، المؤسسات الحكومية… كلها تحتاج كفاءات مُدرّبة على إنجاز المهام بدقة ووفق أنظمة ثابتة. هنا يبدو أن النظام التعليمي يؤدي وظيفته: تزويد السوق بأشخاص قادرين على ملء المقاعد الشاغرة.

لكن أين دور التعليم في بناء "المثقف"؟ المثقف هنا لا يعني قارئ الشعر أو دارس الفلسفة فقط، بل يعني الإنسان الذي يملك رؤية نقدية، يفهم سياقاته الاجتماعية والسياسية، ويسعى لتغيير واقعه أو تحسينه. هذا النوع من "المخرجات" يكاد يكون نادرًا في ظل بيئة تعليمية تعتبر السؤال الزائد "وقاحة"، وتشجع الطاعة أكثر من الإبداع.

البعض يرى أن إنتاج الموظفين أهم من إنتاج المثقفين، لأن المثقف بلا مهارات عملية يصبح معزولًا، بينما الموظف يساهم في عجلة الاقتصاد مباشرة. في المقابل، هناك من يجادل بأن الاقتصار على "التوظيف" دون "تثقيف" يجعل المجتمع هشًّا، يسهل قيادته، ويصعب عليه أن يطوّر نفسه ذاتيًا.

في النهاية، قد لا يكون الجواب أبيض أو أسود. ربما المطلوب أن يعيد التعليم صياغة مهمته ليوازن بين الاثنين: أن يزوّد الفرد بالمهارات العملية التي يحتاجها للعمل، وفي نفس الوقت يمنحه القدرة على التفكير النقدي والوعي الثقافي. لأن الموظف المثقف ليس مجرد رقم في مؤسسة، بل عقل حيّ يمكن أن يساهم في نهضة حقيقية.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

كلام مهم جدا، ليس من اللازم أن يكون التعليم إمّا لإنتاج موظفين أو مثقفين، بل الاثنين معًا في مسار واحد. الحقيقة إن فكرة الفصل بين "المهارات العملية" و"التفكير النقدي" هي ما تجعل النقاش مسدود. الموظف الذي لديه وعي ثقافي وقدرة على التفكير بيبقى موظف أفضل، لأن عنده خيال وحلول مبتكرة، والمثقف الذي لديه مهارات عملية بيبقى أقرب للتأثير في واقعه بدل ما يكتفي بالتنظير.

يمكن المشكلة إننا ورثنا نظام تعليمي قائم على فكرة السيطرة والانضباط، وليس على إطلاق الطاقات. لو استطاعنا أن نغير المنهج بحيث يوازن بين الاثنين، حينها سننتج شخص قادر يشتغل ويبدع في نفس الوقت.

لكن يظل السؤال: هل المؤسسات التعليمية مستعدة فعلًا تتحول من "مصنع شهادات" إلى "مساحة تكوين إنسان كامل"؟

على الأغلب لا يمكن للمثقف الحقيقي أن يعيش كمجرد موظف، المثقف الحقيقي كما يقول أدونيس لا تقبله الدولة والسلطة، باعتباره ناقداً لها، فهو مكروه ومنبوذ وملاحق منها وبالتالي لا مكان له عندها كموظف من جهة، ومن جهة أخرى المثقف الحقيقي لذيه تعطش للحرية ، فلا يقبل بقاءه تحت لواء سلطة تأمره وتكبت حريته وإمكانياته الفكرية ورغبته في التغيير والثورة.

هل تعلمين أن نجيب محفوظ كان موظفاً حكومياً وليس فقط نجيب محفوظ بل وصلاح جاهين أيضا والكثير من الشعراء والأدباء والمفكرين كانوا موظفين، الفكرة مثلاً بالنسبة لنجيب محفوظ أن الوظيفة منحته روتين ثابت مكنه من تنظيم وقته وتخصيص وقت محدد الكتابة والقراءة والابداع

أرى موضوع التعليم لا يقتصر على كونه يصنع موظف أو مثقف فقط التعليم في الأساس دوره أن يصنع إنسان يعرف يعيش حياته بوعي يعرف كيف يتعامل مع الناس وكيف يحل مشاكله وكيف يفكر بعقل واضح كثير من الناس يتخرجون ومعهم شهادات لكنهم لا يعرفون كيف يديرون حياتهم أو يتخذون قرار صحيح أو يتعاملون مع اختلاف غيرهم المشكلة أن التعليم لم يعلّمهم أهم ما يحتاجه الإنسان المطلوب نفهم أن التعليم رحلة لتكوين إنسان متوازن يعرف كيف يعمل ويفكر ويعيش بشكل سليم الموظف المثقف خطوة مهمة لكن الأهم أن يكون المجتمع كله ناضجًا أفراده يعرفون حقوقهم وواجباتهم ويمتلكون مهارات عملية وفكرية تساعدهم على تغيير واقعهم والتطور المستمر

kjhj أضف ردا

الحقيقة التي أراها أنه لا هذا ولا ذاك! يعني أنا لا أرى أن التعليم في بلادنا يخرج لنا متعلمين تتوظف بشهادتهم هذا فضلا عن تخريج ممثقفين حقيقين لديهم رؤية لتغيير واقعهم. ما أراه أن أي نظام تعليمي في أي بلد يسير حسب رؤية تلك الدولة او البلد أو ما رؤيتهم لإنتاج مواطن صالح ولكن ذلك الصلاح يختلف باختلاف الأنظمة التي تتولى مقاليد الحكم ويمكنك استقراء ذلك من خلال البلاد فالمواطن في أمريكا غيره في كوريا الشمالية غيره في الصين غيره لدينا. أما لدينا فهو لت يعرف رأسه من رجليه ولا يعرف إلا أن يفكر في كيف يسد حاجاته الأساسية!