جونز طبيب إيطالي خريج كلية هارفرد الأمريكية لطب الأسنان , رونالدو لاعب كرة قدم خريج جزيرة ماديرا البرتغالية , أحدهما ذو ذكاء فكري و أخر ذو ذكاء حركي , في أحد مقاهي مدينة يوفنتوس الإيطالية يحدق جونز في صورة " النامبر أونو " كما يحب جونز وصف ليوناردو دا فينشي دلالة على عظمته , مع تحديقاته إذ يتوارى على مسامعه حديث أحد " التاليان " على خبر إنتقال " الدون " كريستيانو رونالدو إلى نادي يوفنتوس لكرة القدم بصفقة تقدر ب100 مليون يورو مع راتب سنوي بما يقارب 30 مليون يورو , الأمر الذي أثار حفيظة جونز وقال في نفسه كيف للاعب كرة لم يقدم شيئ للبشرية سوى الجري في الملعب وراء الهتافات أن يحصل على مبلغ بقيمة مهولة كهذه بينما " أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي " ( امم خطئ تقني دعك منه) , أنا الذي قضى 7 سنين من عمره في أعرق جامعة في العالم مع خبرة 15سنة إضافة إلى أوراق علمية بحتة معترف بها لا يأخذ سوى 50 ألف يورو سنويا مع ضرائب الدخل اللعينة , سحقا ! لماذا هذا ظلم ؟

كارل صديق مقرب لجونز دكتور إقتصاد مشهور , إلتقى بجونز و أثناء دوران الحديث بينهما تذكر جونز صفقة إنتقال " رونالدو " والأمر الذي أغضبه بشدة وبما أنا صديقه عالم إقتصادي فعلى الأرجح قد يملك إجابة مقنعة لتساؤله , فبادر بسؤاله دون سابقة إنذار : أي كارل لماذا لاعب كرة قدم مثل رونالدو يجني مال أكثر مني و منك بفارق جد كبير بينما نحن الأعلم و الأفيد منه لا نحصل سوى على الفتات ؟ فضحك كارل وقال : حسنا يا صديقي أضن أنك تحتاج إلى درس في الإقتصاد . . ما رأيك ؟ جونز : درس في الإقتصاد ! لماذا ؟ , كارل : لاتقلق سأوضح لك , الأن مارأيك لو أشبهك بقارورة مياه ! وفي الوقت نفسه أشبه رونالدو بقطعة ألماس ! , جونز : ماهذا؟حسنا لابأس فلتتابع . .

تابع كارل من الأغلى في رأيك قطعة الألماس او قارورة المياه , بديهيا قطعة الألماس وبفارق جد جد جد شاسع , الأن من الأغلى أنت أم رونالدو فيجيب جونز : رونالدو الأغلى لكنني الأفيد , فصمت جونز لبرهة وأضاف إذن الماس أغلى ولكن من جهة أخرى الماء أفيد ! , ماهذا بحق الجحيم ؟ , فقال له جونز لهذا قلت لك أنك في حاجة إلى درس في الإقتصاد توجد معضلة في الإقتصاد يطلق عليها مفارقة الماء و الماس أو مفارقة القيمة تطرح هذه المفارقة تساؤل بخصوص لماذا الماس أغلى من الماء ؟ , مع العلم أن الماس من الكماليات و يمكن للحياة الإستمرار بدونه في حين أن الماء ضروري وبدونه لإنقرض الكل ؟ , فيجيب جونز : أعتقد أن الأمر يرجع في أن الماء متوفر بكثرة بينما الماس يتميز بالندرة ! , كارل : لابأس بك أيها الطبيب إذن مارأيك أن نعيد صياغة إجابتك بطريقة أخرى ونقول أن الندرة تولد القيمة .

جونز : إذن السبب في أن رونالدو يجني مال أكثر مني و منك بسبب ندرته او ندرة اللاعبين المتميزين مثله بينما نحن كطبيب و كدكتور إقتصاد متوفرين بكثرة , كارل : أجل رونالدو وغيره من اللاعبين المتميزين يتصفون ( بالندرة ) بينما نحن أنا و أنت نتصف ( بالوفرة ) , فيقول جونز : لكن الأمر غير مقنع لي بتاتا ,حيث قرأت في أحد الجرائد أن قيمة السلع مرتبطة في النهاية بمحاولات الأفراد لتحقيق أهدافهم الشخصية ,ما الذي يحققه لي الماس ؟ هل أستطيع أكله ؟ لا , لكن أستطيع شرب الماء إضافة إلى إستعماله في الطبخ إضافة إلى الزراعة التي تنتج لنا أهم الموارد الإستراتيجية , أضف إلا إنه بدون ماء أو لنقل في حالة الجفاف وإنتشار العطش قد يؤدي إلى حرب أهلية لايحمد عقباها في المنطقة التي قد تعاني من هذه الكارثة , في حين أن الماس لا حول و لاقوة له إلا في الزينة و التفشخر , ماهذا ؟ توجد مؤامرة .

رد كارل ساخرا : تبا !! لمؤامرتك , ألم تجد حل أفضل من هذا ؟! , تذكرني بأحد الأقوام عندما ذكرت " المؤامرة " , عموما دعنا من هذا ولنتابع بما أنك ذكرت " أن قيمة السلع مرتبطة بالأهداف التي يمكن تحقيقها جراء إستعمال هذه السلع ", وقلت أن الماس لا فائدة ترجى منه و أنه لا يمكن أكله , ولكنك نسيت او تناسيت أنه بإمكانك بيع الماس و الحصول على ثروة هائلة وعليه يمكنك تحقيق أهدافك و أهداف أصدقائك الجدد ( أحم) جراء إمتلاكك لهذه الثروة ! , جونز : لكن , كيف ؟الأمر مبهم لم أفهم ! , كارل : بديهيا لن تفهم لأنك إرتكبت خطأ عندما قارنت الماء و الماس فقد قارنت الماء ككل مع الماس ككل , وهذا يطلق عليه في علم الإقتصاد نظرية ذاتية القيمة أي من المستحيل أن يقع الفرد في إختيار او مفاضلة بين الماء ككل او الماس ككل , لهذا يوجد مايدعى بالمنفعة الحدية , أي تقييم السلع وحدة بوحدة لهذا شبهتك بقارورة المياه و شبهت رونالدو بقطعة الألماس .

كارل : من حيرتك بدا لي أن الأمر لم يتوضح لك بعد, سأعطيك مثال غير تقليدي , ماذا لو " وقعت في حب فتاة غنية جدا " من نوع أريد خاتم من الماس ليس من الذهب لأتزوج , ماذا ستفعل حينها ؟ , لاتقل لي أنك ستتركها وتعتبرها كلبة مال أو شيئ من هذا القبيل إنها غنية فقط تحتاج من تثق به لهذا طرحت هذا الشرط الشبه المستحيل , سأعطيك حل ذا طابع إقتصادي لكن قبل ذلك سأشرح لك مفهومين إقتصادين مهمين القيمة التبادلية و القيمة النفعية , القيمة التبادلية ( هي المنفعة الناجمة من مبادلة شيئ ما او لنقل بيعه مستقبلا , على سبيل المثال فزت بجائزة في أحد المسابقات وعرض عليك الإختيار بين قارورة مياه او قطعة الماس بدون أدنى شك ستختار قطعة الألماس لأنك فكرت بفائدتها المستقبيلة الناجمة عن بيعها ) , القيمة النفعية ( هي المنفعة الناجمة عن شيئ ما حاليا , على سبيل تعطلت سيارتك في الصحراء و نفذ كل الماء و إقتربت من النهاية وغالبا ستموت ولكن فجأة أصبح لك خيار نفس خيار المسابقة التي فزت بها " قطعة ألماس او قارورة مياه " , بدون تردد ستختار قارورة المياه لأنها ستساعدك مساعدة لا تقدر بثمن في الوقت الحالي ) .

جونز : لماذا كل هذا الشرح ؟ , أشعر وكأني في محاضرة إقتصاد مملة , ومادخل هذا في الحل الذي ستعطيه لي في مثال الفتاة الغنية ؟ , كارل : الحل يوجد في مثال الصحراء , فالتستنتجه بنفسك , فيرد جونز متحمسا : إذن أستطيع خدع هذه الفتاة وأقول لها مرحبا عزيزتي , هل تريدين جولة أريد أن أريك شيئا ما بالغ الجمال , وهي قد تظن أنني سأطحبها لأبتاع لها خاتم الماس الذي تريده للقبول بالزواج مني , ولكني في واقع الأمر سأطحبها إلى الصحراء بحجة ما و أتضاهر بتعطل السيارة وعدم وجود الماء وسأبقى لمدة نصف يوم , إلا أن تظهر علينا علامة التعب و العطش , وفجأة أخرج قارورة مياه بإندهاش مني ومنها وأقول لها : تفضلي أشربي قبلي يعني كتضحية من نوع ما , وعليها تضع ثقتها علي لأني كنت سأضحي بنفسي من أجلها , و أتزوجها دوت خاتم الماس اللعين وبهذا أعيش في سعادة وهناء , رد كارل : ضاحكا , تبا لي تفكيرك القذر ماهذا الحل؟ , أنت عبقري .

ملاحظات المحرر : " ينصح بهذا الحل إذا كنت فرد ذا دخل محدود وتريد الزواج لكن قيمة المهر و متطلبات الزوجة أعلى من قدراتك الحالية , فقط إبحث عن صحراء ومبروك لك , إدعي لي ".

كارل : إذن بحلك هذا فأنت إستعملت مفهوم " القيمة النفعية " للزواج , وبهذا وفرت تكاليف شراء خاتم الماس , بحل سافل لكن لسبب فاضل , الأن هل بات الأمر المبهم جلي الأن , جونز : أكيد بات كل شيئ جلي و واضح سأريك ماتوصلت إليه من شرحك , لقد ذكرت أنه يجب أن نقيم سلعة وحدة بوحدة بدل من مقارنتها ككل , لهذا عندما فزت بجائزة في مثال المسابقة وعرض علي الإختيار بين قارورة المياه وقطعة الألماس , سأختار قطعة الماس عوضا عن قارورة الماء دون الإكتراث بأهمية الماء وفائدته لأني أعلم أنني أستطيع الحصول على قارورة الماء بشكل يسير , وهذا راجع لطبيعة العرض حيث عرض علي إختيار قطعة من كل فئة ولم يعرض علي كل الماء او الماس ولو حدث ذلك لكنت سأختار الماء , أما في مثال الصحراء في حالة تعطل سياراتي فسأختار قارورة الماء عوضا عن الألماسة لأن قارورة المياه ستنقذني من الهلاك المحتم أم الماسة فلا , إضافة إلى دفع تكاليف زواجي !

فيرد كارل : مبارك لك أيها الطبيب , وبهذا تكون قد حصلت على إجابة واضحة لتساؤلك , الأن أظن أن علي . . قاطع جونز "كارل" : لامزال لدي بعض الإلتباس! , كارل : إلتباس ! لماذا؟ , جونز : بما أني طرحت تساؤلي بخصوص , لماذا يجني رونالدو مبالغ ذات قيمة مرتفعة ؟! , المسؤول عن دفع هذه المبالغ لرونالدو ولنقل النادي , هل يدفعها لأن رونالدو لاعب متميز فحسب ويسجل الأهداف , لا حيث أن أدائه داخل الملعب ليس بالشيئ الثابت فتارة تجده ممتاز وتارة تجده ضعيف , كارل : اه , نسيت أن اشرح لك هذه الجزئية أهنئك على فطنتك , السبب متعلق بشكل كبير بأداء رونالدو الخارجي عوضا عن أدائه الداخلي , ولنقل شعبيته و أسلوب حياته ضد مهارته , سابقا قلنا أن الأمر متعلق بشكل كبير بالندرة ولكن إلى جانب هذه الندرة يوجد العائد , ( ماذا تجلب أنت لمكان عملك ؟ مقارنة بماذا يجلب رونالدو لمكان عمله ؟ ) , أنت تجلب بعض العملاء بأسعار جد بسيطة .

أما رونالدو فيجلب الملاين من المتابعين للنادي الذي يلعب فيه وهؤلاء الملايين هم الذي يدفعون راتب رونالدو الضخم وفوائد النادي , جونز : حسنا , الأن توضحت الصورة , إذن هل هذا كل شيئ ؟ ألا يوجد مزيد من الحلول لهذه المفارقة , كارل : مزال يوجد المزيد , كما تعلم فعلم الإقتصاد علم ! . . سأصفه لك في جملة واحد " أعطني معضلة أعطيك العديد من الحلول " , إذ يوجد حل صاغه الأب الروحي "للإقتصاد الحديث" , أدم سميث , حيث ذكر : أن الماس أغلى من الماء بسبب صعوبة البحث عنه و إستخراجه لهذا يكون من النادر إجاده , أما الماء فهو متوافر وعملية إستخراجه سهلة فقيمته جد منخفضة , جونز : تقريبا نفس مسألة " الندرة و الوفرة "كارل : أكيد , ولكن بذكر أدم سميث تذكرت مشكلة مهمة صاغها لا طالم ماشغلت بالي , حيث قال : أن الماء عليه طلب أكثر مما هو معروض وهذا الإختلال أوضح أن المياه مسعرة بأقل من قيمتها الحقيقية , جونز : وما المشكلة ؟!

فيرد كارل : المشكلة في أن هذا التسعير الخاطئ قد يؤدي إلى سوء توزيع هذه المياه وكما يقال "لكل سبب نتيجة" وبالتالي هذا التوزيع الخاطئ سيؤدي إلى العطش و قلة الإنتاج الزراعي في مناطق دون الأخرى و ووقوع الأفراد فيما يعرف بـمأساة الموارد المشتركة , أي إستهلاك المستخدمين المنفردين للماء قد يبدو تصرفا طبيعيا و عاديا من منظور منفرد ولكنه تصرف سيء و غير رشيد من منظور الصالح المشترك ( العام ) لما يسببه من إستنفاذ للموارد المائية , جونز : مستغربا! , إذن الأمر جدي ليس بهذه البساطة , لهذا نجد بعض البلدان تعاني من الجفاف و العطش , ما الحل؟ , رد جونز : ضاحكا , الحل! , يوجد الحل ولكن هل تجرأ الحكومات على تطبيقه , مستحيل هل تجرأ الحكومة ؟ على زيادة تسعير المياه ! لا أعتقد , إذا زادت تسعير الخبز او الحليب سيحدث مالا تحمد عقباه بسبب عقلية الشعب الفقيرة ( مضاهرات , إحتجاجات , قذف بالحكومة ) , مع العلم أنهم ينفقون على خدمات الأنترنت أضعاف مضاعفة من هذا التسعير وللأسف في مشاهدة ( المؤثرين من البط و الفقمات ) , فهمت قصدي , جونز : أكيد .

كارل : خلاصة لقد وضحت لك لماذا يجني رونالدو أكثر منك ؟ عن طريق مفهوم الندرة و الوفرة , وبعدها بينت لك لماذا؟ لا يمكنك أن تقيم السلع كفئات كل الماء مقابل كل الماس , لهذا نعمد إلى تقييمها وحدة بوحدة ماسة مقابل قارورة مياه ( المنفعة الحدية ) , أيضا شرحت لك مفهوم ( القيمة التبادلية ) الفائدة المستقبلية , ( القيمة النفعية ) الفائدة الحالية , التي إستعملتها للزواج , اه بالمناسبة " لاتنسى أن تجلب لي الطمينة وتأكد أن تكون بدون حلوة الترك لأن حلوة الترك تصيبني بالإسهال " , إضافة إلى شرح لمفهوم العائد المتثمل في الفائدة التي يجلبها رونالدو لناديه مقابل ماذا تجلب أنت لناديك وليكن " المستشفى الذي تعمل فيه " , و أخيرا طرح النقطة العويصة التي تسبب لي مشكلة بمعنى الكلمة وهو التسعير الخاطئ للمياه الذي قد يؤدي إلى كوارث أليمة بحق , جونز : اه , حسنا , أقدم لك خالص الشكر ولكن ماهي الطمينة ؟ , كارل : أكلة تجلب العطش !

الأن عزيزي القارئ/ة, الموضوع بشكل أساسي كان حول مفارقة الماء و الماس ولكن في النهاية ختم بمعضلة ليست بالأمر الهين و العديد يغض النظر عنها ولا يتجرأ حتى عن الإستفسار عنها , وعليه في رأيك هل تعتقد أن التسعير الخاطئ للمياه هو سبب إنتشار العطش وغيرها من تبعات قلة المياه ؟ وهل زيادة أسعار المياه قد تحل المشكلة , طبعا زيادة ( نسبية )؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المصادر :

كتاب دروس مبسطة في الإقتصاد لروبرت ميرفي | 60 - 63 | https://www.hindawi.org/boo...

تم تصميم الصور بواسطة تطبيق Canva للأندرويد

القصة : من خيالي