عندما كنّا صغارًا، كان أساتذتنا بالمدرسة دومًا يسألوننا: ماذا تريد أن تكون عندما تكبر؟ وكانت إجاباتنا تتنوع بين: مهندس، طبيب، شرطي، صاحب شركة، طيّار.. إلخ. ما أشعرُ به الآن هو أنّ سؤال مثل هكذا سؤال للأطفال وتوجيه فكرة "لا بدّ أن تكون تعمل بعملٍ ما، شيءٌ واحدٌ فقط عندما تكبر، ولا بدّ أن تسعى له من صغرك، أي عمل، المهم أن تجد عملًا وتجني المال" هو أكبر الأسباب المُساهمة في تكوين الأجيال "العادية"، تلك الأجيال التي تعيش وتموت ولا بصمة لها بالوجود (الأمر طبيعي في الواقع، لا يمكن للجميع أن يترك بصمته فالورقة لا تتسع، يجب أن يكون هناك عاملة نظافة يعمل طيلة حياته كعامل نظافة، وحلّاق يعمل طيلة حياته كحلّاق، ومهندس طرق يعمل طيلة حياته كمهندس طرق، وإلّا فلن تتماسك البشرية، ولكن النسبة، هي المقصودة).

المفروض بدلًا من سؤال: "ماذا تريد أن تكون" هو سؤال: "مالذي تريد أن تفعله"؟ مالتغيير الذي تريد تطبيقه على هذا العالم ومالشيء الذي ترى أنّه يجب تغييره؟ الطريقة غير مهمّة والاختصاص غير مهم، ستكتشف الطريقة بالمستقبل سواء كنتَ مهندسًا أو مبرمجًا أو طبيبًا.. يمكنك تغيير اختصاصك متى شئت ويمكنك تعلّم أكثر من اختصاص ولا تنخدع بقصة وجوب اختيار مسار واحد في الحياة، وأنّه عليك اختيار مهمة معيّنة لتطور نفسك فيها وتتقوقع فيها لنهاية حياتك، فالطريقة ليست هدفك، الهدف هو إحداث التغيير أو الفكرة أو الإيمان أو أي شيء آخر تريده في هذه الدنيا، وبالتالي لا مانع من أن تتعلم أي اختصاص أو مهارة قد تحتاجها في طريقك.

أخبرك أنّ "التخصاصات، المهارات، القدرات" هي كلّها مجرّد أدوات، لا يجب ان تركّز على الأدوات، هدفك ليس "أن أعمل مهندسًا، مصممًا، طبيبًا.." بل ركّز على الأهداف والأفكار "هدفي أن يكون الجميع قادرًا على تعلّم التصميم متى أرادوا، بتوفير أسهل الطرق لهم - هدفي أن أجعل فكرة السفر عبر الفضاء واستكشاف عوالم جديدة ممكنة.." ، وفي طريقك إلى هذه الأخيرة، تعلّم ما تحتاجه من هذه الأدوات، لا مانع أن تكون مهندسًا وعالم فيزياء، أو أن تكون مبرمجًا طبيبًا، أو أن تكون كيميائيًا وعالم دِين، أو أن تكون فيزيائيًا فيلسوفًا أو أستاذًا وسياسيًا.. ولكن لا تكرّس حياتك في خدمة الأدوات، لا تعمل مهندسًا فقط لكي تعمل مهندسًا، أو لأن الهندسة ممتعة، أو لأن الهندسة تجني الكثير من المال، بل لأن الهندسة هي الوسيلة الأفضل - حسب حالتك - للوصول إلى الهدف أو الفكرة التي تطمح لتنفيذها.. وكما خلصتُ من التعليقات على موضوعٍ سابق: https://io.hsoub.com/general/21379 الهدف النهائي هو رضا الله ودخول الجنّة، فانظر أيّ طريقٍ يوصلك إلى ذلك..