الوسط الاجتماعي .. ميثاقُ الروحِ قيد ومسار

الإنسانُ للإنسانِ سَكَنٌ وبيان، وله وضع الميزانُ.

حتّى في وصفِ جمال الجِنان، جاءَ البيانُ أنهم {على سُررٍ متقابلين}، حيثُ الروحُ والريحان، وربٌّ غيرُ غضبان.

هكذا يغدو الوسطُ الاجتماعيُّ أساس للسعادة مكين، وسلوةً الروح والعين؛ حتى مَن اعتزلَ الناسَ طوعاً، يظلُّ في خلجاتِهِ يأنسُ بجموعهم في التفكير، ويذهب إليهم زيارة ولو لوقت قصير.

الوسطُ الاجتماعيُّ هو مِحرابُ التشجيع، وهو الأصلُ الذي نغضبُ منهُ فنشتكيهِ لبعضِهِ، ونهربُ من لَجّةِ "الجمعِ" إلى فَرْدٍ من "الجماعة"، نكرهُ ضجيجَ الحضورِ لنرضى بأُنسِ الصديق والشريكِ.

نشكو الجمعَ الذي يُؤذينا إلى الجمعِ الذي يواسينا، وقد يكون هو نفس الجمع، يؤذينا في الظلام ويواسينا في النهار فنشتكيه لنفسه، ونمقت سوءِ طباع العامة، ونحن منهم ومعهم، مهما دفعنا النفورِ إلى البُعد، ضمّنا الشوق والاحتياج للقرب.

أوَيكونُ الوسطُ الاجتماعيُّ قيداً؟

نعم، قد يكون قيدٌ، وبالوعي يصبح مسار.. ومع ذلك ليست كلُّ ما وصف بالقيد مَكروه!

إنَّ الحب وأصوله، والتعلق وأسبابه، والرغبة ودوافعها، تجعلُ الإنسانَ أسيراً لوسطِهِ؛ فيحنو مثلَهم وإن كان له قلبا قاسيا، وان فجروا في خصومتهم يقتفي ملامحهم وإن كان في الأصلِ له طبع أرقَّ من قطرِ الندى.

ناسك يهز رأسه غضبا اذا خالط جمعٌ راقص، وراقص في قرية النساك يلملم جلبابه يُيمم روحه نحو غرفة وحيده، كأنه شيخ النساك.

إذًا بعض القيود محمود؛ كتلك التي نختارُها لنتقيد بمَن نُحبُّ، ونبحث عنها لنعتنقَ جلالَ الأخلاق.

وفي المقابل، مَن ظنَّ الحريةَ فضاء مُطلق لا قيد فيه ولا مانع، فقد هام بروحه نحو أسوأ القيود، قيود ليس لها شكل يشبه الأجهزة، لكن لها روح تشبه الشبكات والإشارات التي تتحكم في الأجهزة وتربطها ببعضها، قيود من الرغبات والشهوات، تمنعه من السمو، بل وتمنعه من عيش الفطرة، قيود عنوانها فضاء رحب.

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

الوسط الاجتماعي فعلًا يؤثر، لكن ليس بالضرورة أن يكون أساسًا مكينًا أو مصدر سلوة دائم. في الواقع، هناك حالات يكون فيها هذا الوسط نفسه مصدر ضغط وتشويه، منذ قليل كانت زميلة معنا هنا تشتكي من الوسط الذي تعيش به وهذا الوسط هو عائلتها وكيف أنه بسبب قسوتهم تضررت نفسيا وتتعالج، وهذا يؤكد أنه أحيانا الانعزال عن الوسط الذي حولنا قد يكون أول طريق النجاة، وقس على ذلك الوسط الخارجي ما نراه بالشارع وبالعمل وخلافه.

شكراً لك، وهي تشتكي لوسط اجتماعي آخر يمثل بعض سلوتها.

صحيح هي تحتاج وسط اجتماعي جيد لتتمكن من العيش بسلام لكن للأسف التخلص من العائلة ليس أمرا سهلا

السبب وراء ذلك هو أن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي وهكذا خلقه الله، فحتى عندما لا يجد نفسه مع مجموعة معينة أو إذا كان هناك من يضايقه فسيذهب للبحث عن مجموعة أخرى أو حتى فرد آخر يجد لديه السلوى والراحة.

أعتقد السبب في أن كل إنسان يعيش داخل أكثر من وسط في نفس الوقت العيلة والعمل والأصدقاء والسوشيال ميديا ويكون مضطر يتصرف بشكل مختلف في كل واحد منهم ومع الوقت هذا يجعله مشتت ومرهق ولا يجد مساحة ثابتة يشعر فيها أن هو نفسه من غير تغيير أو تمثيل.

جانب مهم تناولتيه أستاذة مي، وهي تباعد الإنسان عن هويته الحقه، وهذا موضوع سابق تكلمت عنه عن دور المجتمع في رسم من نكون، ومع ذلك قد يتساير البعض مع مثل هذه الأوضاع لتكون أكثر تنوع واستقرار.

هنا يتعرض الإنسان لمحاولة موازنة دقيقة ليستطيع التوفيق بين انسجامه مع المجتمع وفي نفس الوقت التمرد على بعض أفكاره، فقد قال فرويد: قليلون هم الذين يستطيعون التمرد على المجتمع لصنع أفكار تغير التاريخ، وقال نيتشه: أن نقد فضائل المجتمع هو العمل الأسمى للفيلسوف! فمن البديهي أن المجتمع لن يرحب بشخص ينتقد فضائله المزيفة ويفضحها ويعريها!

لا يستطيع الأنسان الا ان ايكون وسط هذا الجمع والاجتماع، وان تعرض للاذى منهم فعزلته حنين لهم، ولكن كل شخص يترك اثرا في وسطه وبصمة لا تمحى ولا يكون لها شبيه لذا التاثير موجود وفعلي، اما القيود فالثابت ليسا قيدا بل مسارا نخطو عليه.

Design_Writer أضف ردا

شكراً اختيار كلمة مسار أعجبني ❤️

ويمكن القول عنها ثوابت.

العفو ،كلماتك لها نغم متميز وعمق فريد.

سعدت جدا، بتقديرك لاضافة كلمة مسار في المساهمة زادتها عمقا وشمولا شكرا.

mustafaali20
  • حذف بواسطة المستخدم