جاء في مآثر القول:
أن فرحة العبد بيوم عيد الفطر عبادةٌ تُسجل له، في هذا المعنى يصبح العيد بهجة وسرور للروح حيث يُمارس الفرح بوعي، ويُعاش السلام الداخلي دون تكلف، حين نعايش كل إبتسامة صادقة، وكل كلمة لطيفة، وكل تواصل ينبع من قلب صافي ليكون جزء من ممارسة فضائله بأبهى صورة ، والتي لا تتجلى فقط في المظاهر، بل في جوهر الروح النقية التي هذبتها خشوع العبادات، ونقتها مجاهدة النفس عن الهوى في أحلك ظروفه، فصارت النفوس أكثر استعدادًا للبهجة الحقيقية، لا بهجة الشكل إنما بهجة الإدراك.
العيد هُنا وإن بالغنا في فلسفة الحكمة لا يمكن أن يكون يوم أو لحظة فرائحية لختام شهر كامل من الصيام بل شعور كبير لتتويج مسيرة صبر وإنضباط ومجاهدة نفس في سبيل تأدية منظمومة متاكملة من فضائل العبادات والطاعات، حيث تتجلى فيه القدرة على الجمع بين الإنقياد والحرية، وبين التقوى والفرح والتحلي بزهد الملذات التي تطغي على لحظات الإنبساط التي أمرنا الله فيها وشدد عليها موالينا الأطهار في كتبهم.
وأن عرجنا في مآثر الحكيم من باب فلسقة الكلام في شهود نتائج الفضائل من العبادات الأربع المستكملة في شهر رمضان: ولايه وطهارة، ثم صلاة وصوم ،حيث يصبح قلب الإنسان نقيًا، وعقله متأملًا، وروحه متحررة من قيود الغفلة.
حتى يأتي العيد ويُعلمنا أن حكمته أتت من إدراك حدود النفس، وفهم قيمتها، حين تتحرر من قيود ما ذكرناه أعلاه (الأنانية والغفلة).
من هُنا يظهر العيد كأفق يفتح للإنسان فرصة إعادة النظر في ذاته وعلاقاته، فُيختبر القدرة على التسامح، وعلى العطاء دون إنتظار مقابل، فيكتشف أن الخير الذي يمنحه الإنسان لغيره ينعكس أولًا على قلبه قبل أن يصل للآخرين ويترك آثر.
كما أن للعيد حكمة في تهذيب النفوس حين يبلغ حد قساوتها النهاية، فهو يفتح أبواب الرحمة والتجديد، مع تذكير الإنسان بأن قلبه لم يكون يومًا مصدر لتغذية الجمود أو الغضب والحقد وحياكة الضغائن، إنما فضاء مفتوح للصفاء والعطاء والتنازل بقدر المحبة دون المساس بجوهر الكرامة، لآنه مصدر تتغذى من خلاله عزيمة الصبر والمجاهدة إلى أعماق النفس، فتذوب الشوائب، ويستعيد الإنسان إنسجامه مع ذاته ومع من حوله.
العيد قد يكون فصل قصير من حكمة الحياة، حين يلتقي الظاهر بالباطن، ويختبر الإنسان فرحة الحرية بعد القيود المفروضة التي فرضها الله أن تكون مُسلمات في- شهر رمضان- وبهجة العطاء بعد الإمتناع، وطمأنينة السلام بعد صخب وصراع داخلي طويل صنع تكاثر لـ ماهيات أدنى لئن تكن فيها باب للخير، حتى أتانا العيد لينسجم مع حكمة آل البيت عليهما السلام في ربط الفرح بالفضيلة.
وهكذا أرى أن العيد تجربة وجودية من خلاله نستطيع أن نكشف الباطن، ونتأمل الظاهر، وندعو للإرتقاء والسمو والصفا، فتصبح النفس كما نحب أن تكون عليه صافية، متزنة، وقادرة على الإبهار في الحياة كما في جوهر العبادة.