كلُّ منا وُلِد في مكانٍ ما على هذه الأرض؛ فمنّا من ترعرع في موطن ولادته، ومنّا من عاش متنقّلًا بين أماكن متقاربة أو متباعدة.
وهذه الأمكنة غالبًا ما تُشكّل هويّتنا الوطنيّة، وذاكرتنا الإنسانية، مهما قست أو شحت الحياة فيها، يبقى الإنسان مشدودًا إلى ترابها.
قد يشتاق إلى شجرةٍ بعينها؛ نعم، شجرةٌ كان يستظلّ بها أو يقتات من ثمرها، شجرةٌ كلّما شعر بخواء معدته ذهب إليها فوجدها محملة بالثمار اليانعة، تقف بهدوء تنتظر قدومه، عيدانها تحمله بصبر، وأغصانها تهبه نسيم يلامس روحه، وثمارها معلقة بطرف بنانها كأنها تمدها اليه بحياء.
وفي المدينة، حنين لشارع امتلأ بالأنوار، وقهوة اجتمع عليها الأحبة، وربما إلى صوت كانت تردده الإذاعة المدرسية، أو تلاوة تميزت به المساجد.
وفي تاريخنا الحديث لا يوجد حال مستقر، ولا وضع ثابت، ولا خطوط مستقيمة لا تتغير، بل قد تعصف بالإنسان العواصف، فيرغب عن وطنه، وترسم خياله بأنه الرحال.
غير أنّ هذا الجفاء، أو تلك العواصف لا تمحو حبّ تلك الشجرة، ولا تذهب بتلك الذكريات، بل تزيدها في القلب لوعةً، وتشغل في الوجدان تفاصيلها.
والتعبير الأقرب إلى الحقيقة هو:
أنّ الإنسان قد يكره حال وطنه، لكنّه لا يكره وطنه أبدًا.
وقد يكره حال أصدقائه، لكنّه لا ينسى أسماءهم.
وقد يكره حاله وأفعاله، لكنّه يظلّ منتميًا إلى نفسه، ساعيًا ما استطاع إلى خيرها وصلاحها.
ماذا تعني لك ذكريات الماضي؟
التعليقات