بعيد عن العين بعيد عن القلب

كم محيرة هي تلك العلاقة بين الحب والحواس، فالحواس تشعل القلب بوجود المحبوب، و أيضا ترهقه في غيابه، فتتواطئ مع الخيال العميق لنتج صور ورائح وخيالات للمحبوب تحاكي الواقعية بل وتفوقها جمالا وعنفوانا، لذلك عادة ما تجعلني عبارة " بعيد عن العين بعيد عن القلب" في حيرة من أمري، هل فعلا البعيد عن العين بعيد عن القلب؟

هناك قصة طريقة جدا تجري معي بشكل متكرر، وهي اشتياقي الشديد لشخص لم أره منذ 18 سنة، يراودني في أحلامي بين الفينة والأخرى، بل وأرى خياله في وجوه بعض الناس أحيانا، لم يكف البعد عنه 18 عاماً حتى يُنسى، وكم ظل بعيداً عن العين ، لكنه لم يتبعد عن الوجدان والقلب طول هذه المدة، لذلك أكاد أجزم أن ليس كل بعيد عن العين بعيد عن القلب.

على حد قراءاتي المتواضعة في علم النفس،فإن الغياب الطويل يختبر الذاكرة العاطفية، فيما يسمى بنظرية "تضاؤل الارتباط" (Attachment Decay Theory) أي أن الإنسان ينسى تدريجيًا من يغيب عن حواسه، لأن الدماغ يعيد ترتيب أولوياته العاطفية لصالح الحاضر.، أما من منظور فلسفي، نجد سارتر مثلا يعتقد أن الغياب لا يقتل الحب بل يُعرّيه و فيحفظ القوي الصادق فعلا و يميت غيره،فمن نحبهم فعلا يظلون يسكنون وعينا كفكرة لا تموت حتى في غيابهم الجسدي.... هكذا فالعلم يقول إننا نحتاج إلى التفاعل الحسي للحفاظ على الروابط العاطفية متجددة، بينما التجربة الإنسانية يمكن أن تكسر هذه القاعدة،

من وجهة نظرك، هل البعيد عن العين بعيد عن القلب فعلا، هل البعد يُميت المشاعر؟

يرجى الدخول لحسابك أو تسجيل حساب لتستطيع إضافة تعليق
حساب جديد دخول

التعليقات

أرى أنها ليست صحيحة دائمًا، فالأمر يعتمد على عمق العلاقة وقوة المشاعر. فهناك من يبهت وجودهم مع الوقت لأن ارتباطنا بهم كان سطحي، وهناك من يظل حاضرًا في القلب رغم البعد، لأن العلاقة كانت أعمق من مجرد وجود جسدي، كانت ارتباطًا بالروح والذكريات. البعد لا يُميت المشاعر الصادقة، بل يختبرها ويكشف حقيقتها.

اود أن أضيف إلى كلامك أمر مهم يا إسراء، نحن نذكر البعيد في حالتين أخريتن غير الحب العميق، وهي في حالة الانبهار والرهبة من الشخص ، أو في حالة كرهنا الشديد له.... فالقلب لا يحتفظ دوماً بما نحبه، بل أيضاً بما يبهرنا سواء سلباً أو إيجاباً، وأيضاً ما يهز كيانناً من الداخل، ويشعل فينا نار الكره والحقد، فكما نتذكر صورة المحبوب والقريب من القلب، أيضا نتذكر صورة المتحرش والخائن والغدار، فكما يظل الأثر الجميل عالقاً، يبقى الجرح كذلك لا يُمحى بسهولة، كما تظل صورة المحبوب مهما طال بعده، تبقى صورة الخائن أو المتحرش حية طول الوقت بتفاصيلها الدقيقة مهما طال الوقت والبعد بل على العكس كلما طال الوقت زادت الصورة تعمقا وتجذرا في العقل والوجدان

لذلك نحن نذكر من لمس أعماقنا سواء كان ذلك الحب أو النفور أو الدهشة، لذا فالبعد ليس معياراً للحب وللوفاء أو النسيان، بل هو مرآة للمشاعر التي كانت قوية بما يكفي لتقاوم الزمن، مهما كان نوعها.

ليس دائمًا البعيد عن العين بعيد عن القلب، بل أحيانًا يحدث عند بعض الناس العكس، فغياب شخص عنهم يجعلهم أكثر اشتياقًا له، بل ربما ينسجون حوله بعض المثالية ويرونه في عقلهم أفضل مما كان عليه في الواقع، فمن الممكن جدًا أن ننسى المشاكل والعصبية والكثير من السلبيات ونتذكر إيجابيات الشخص بعد غيابه، وهذا بالطبع يختلف من شخص لآخر.

وضعت يدك على مشكلة كبيرة يا سهام، وهي مشكلة التفريق بين الذكرى الحقيقية والخيالات التى ننسجها عنه والتي تتراكم مع الزمن، ذلك أننا نخلق بخيالنا عمن نتذكره شخصية جديدة تماما تتوافق مع هوانا نحن ، بالايجاب أو السلب طبعا، لذلك البعد في العلاقات يمكن أن يكون مدمراً أو منقذاً، أحيانا خلق تفاصيل أضافية جديدة جيدة عن الشخص في ذاكرتنا، قد يساعدنا في المضي قدما بأمال جميلة، وأحيانا تتضخم الذكريات والخيالات لتوقعنا في مشاكل لا مخرج منها، لذلك نجد مثلا، زوجة تنتظر زوجها الذي يعمل في المهجر لسنوات طويلة ، دعت حياتها كلها تنتظر تلك اللحظة التي يعودا مجددا، لكن بمجرد أن يتحقق هذا يحدث الطلاق بعد أعوام قليلة، لأنهما كانا يعيشان على ذكريات مضخمة حولت كل منهما إلى شخص مثالي، وهناك ايضا من يعيش على تضخيم تلك الذكرى لكن ذلك ما يحميه ويدفعه للتشبث بالحياة اكثر مثل أولئك الذين فقدوا عزيزا بسبب الموت مثلا، فيعيشون ما تبقى من حياتهم على صورة من يحبون .

الفكرة هي أن البعد يخلق واقعاً موازياً دائما، لذلك يجب الوعي بتأثير ذلك.

هناك تحديث لهذا المثل فقد أصبح

"البعيد عن العين راشق في القلب"

يمكن البعد وصعوبة الوصول لهذا الشخص تثير التحدي لدى بعض القلوب فتجعل الحب يتأجج في القلب، لذلك ينصح البعض الأزواج المتخاصمين بالابتعاد عن بعضهم أيضا كي ينسوا مشاعر البغضاء والتشاحن ويتذكرون فقط المحبة وكم هي الحياة سيئة في البعد

لذلك ينصح البعض الأزواج المتخاصمين بالابتعاد عن بعضهم أيضا كي ينسوا مشاعر البغضاء والتشاحن ويتذكرون فقط المحبة وكم هي الحياة سيئة في البعد

طبعا تلك هي أسوء نصحية في الحياة ههه سيندم عليها الجميع ندم السنين ههه.

"البعيد عن العين راشق في القلب"

في اعتقادي أن الراشق في القلب هو من رشق قبل البعد، أي أن البعد أو القرب لا علاقة له بعمق الحب بقدر ما له علاقة بلحظة التكوّن الأولى، تلك الشرارة التي تترك أثرها في النفس مهما غاب صاحبها.....نعم للبعد بهاراته الخاصة التي تحرحر القلب أكثر، لكن المسافة لا تصنع الحب وتكبره ولا تقتله، بل تكشف حقيقته وتعريه وتفضحه: إن كان متجذر بقوه و ثبات أو مجرد عاطفة عابرة لا غير....... البعيد لا يظل في القلب لأنه بعيد....أبدا........، بل لأنه كتب اسمه بماء الذهب على قلوبنا وغير فينا ، لذلك غياب الرؤية بالعين لا تفقده بريقه ولا تلغي أثره، لأن القلب يحفظ ذلك الاختراق الأول والأثر الذي تركه.